صديقي العزيز
قرأت مقالكم "غرائب وعجايب إسرائيلية جديدة"، ولفتني تحليلكم العميق حول دلالات تغيير اسم الحرب الإسرائيلية على غزة من "السيوف الحديدية"إلى "الانبعاث القومي"، ولا شكّ أن مقاربتكم قد التقطت ببراعة البعد السياسي- النفسي الكامن في هذه التسمية، بوصفها انتقالا من خطاب القوة إلى خطاب الإنقاذ الذاتي ومحاولة ترميم صورة الدولة المأزومة.
لكن ما يستوقفني، هو أن هذا التغيير لا يمكن قراءته فقط في سياق الانفعال السياسي أو إعادة بناء المعنويات، بل يجب النظر إليه في سياقه التوراتي- الذي بات يحكم العقل الإسرائيلي في مرحلته الراهنة.
فـ"الانبعاث القومي" في الخطاب الإسرائيلي المعاصر لم يعد مجرّد فكرة قومية بالمعنى الحديث للكلمة، بل تحوّل إلى رمز ديني - لاهوتي يعيد تعريف الدولة والجيش والحرب كأدوات لتنفيذ وعد توراتيّ بالبعث والتمكين الإلهي.
إنها ليست "حرب بقاء" كما تقدم دعائيا، بل حرب خلاص تستعاد فيها لغة الأسطورة الدينية لتشرعن فعل الإبادة والتطهير، وتحول القتل إلى طقس مقدس يعبر من خلاله عن عودة "الشعب المختار"إلى موقعه المفترض في التاريخ.
من هنا، أرى أن تحليل التحول في التسمية لا يكتمل دون كشف بُعده الديني - الأسطوري- لأن هذا البعد هو الذي يمنح إسرائيل اليوم مناعتها النفسية لتجاوز كل حدود المنطق الإنساني، ويحوّل الجريمة إلى واجب مقدّس.
إن "الانبعاث القومي" هو في جوهره "بعث توراتي بعد ديني" يعبّر عن تحوّل إسرائيل من مشروع قومي استيطاني إلى مشروع خلاص لاهوتي يهدد كل معنى دنيوي للسياسة أو للقانون.
ولعل هذه اللحظة هي الأخطر، لأن إعادة أسطرة الحرب تعني الانتقال من مرحلة احتلال الأرض إلى مرحلة احتلال المعنى ذاته - أي تحويل الإبادة إلى "مهمة إلهية"، وتحوّل الدين إلى غطاء كوني للعنف.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس 21/10/2025
قرأت مقالكم "غرائب وعجايب إسرائيلية جديدة"، ولفتني تحليلكم العميق حول دلالات تغيير اسم الحرب الإسرائيلية على غزة من "السيوف الحديدية"إلى "الانبعاث القومي"، ولا شكّ أن مقاربتكم قد التقطت ببراعة البعد السياسي- النفسي الكامن في هذه التسمية، بوصفها انتقالا من خطاب القوة إلى خطاب الإنقاذ الذاتي ومحاولة ترميم صورة الدولة المأزومة.
لكن ما يستوقفني، هو أن هذا التغيير لا يمكن قراءته فقط في سياق الانفعال السياسي أو إعادة بناء المعنويات، بل يجب النظر إليه في سياقه التوراتي- الذي بات يحكم العقل الإسرائيلي في مرحلته الراهنة.
فـ"الانبعاث القومي" في الخطاب الإسرائيلي المعاصر لم يعد مجرّد فكرة قومية بالمعنى الحديث للكلمة، بل تحوّل إلى رمز ديني - لاهوتي يعيد تعريف الدولة والجيش والحرب كأدوات لتنفيذ وعد توراتيّ بالبعث والتمكين الإلهي.
إنها ليست "حرب بقاء" كما تقدم دعائيا، بل حرب خلاص تستعاد فيها لغة الأسطورة الدينية لتشرعن فعل الإبادة والتطهير، وتحول القتل إلى طقس مقدس يعبر من خلاله عن عودة "الشعب المختار"إلى موقعه المفترض في التاريخ.
من هنا، أرى أن تحليل التحول في التسمية لا يكتمل دون كشف بُعده الديني - الأسطوري- لأن هذا البعد هو الذي يمنح إسرائيل اليوم مناعتها النفسية لتجاوز كل حدود المنطق الإنساني، ويحوّل الجريمة إلى واجب مقدّس.
إن "الانبعاث القومي" هو في جوهره "بعث توراتي بعد ديني" يعبّر عن تحوّل إسرائيل من مشروع قومي استيطاني إلى مشروع خلاص لاهوتي يهدد كل معنى دنيوي للسياسة أو للقانون.
ولعل هذه اللحظة هي الأخطر، لأن إعادة أسطرة الحرب تعني الانتقال من مرحلة احتلال الأرض إلى مرحلة احتلال المعنى ذاته - أي تحويل الإبادة إلى "مهمة إلهية"، وتحوّل الدين إلى غطاء كوني للعنف.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس 21/10/2025