رسالة من غانية ملحيس إلى سمير الزبن

رسالة من غانية ملحيس إلى سمير الزبن

الصديق العزيز سمير

قرأت مقالك “أبي” المنشور في ضفة ثالثة بتاريخ 20/10/2025 بكثير من التأمل والدهشة. فالأب الفلسطيني الذي أعرفه مغاير للصورة التي وصفتها، لمن تجرّع مرارة اللجوء التي فاقمت عجزه.
ما كتبته لم يكن مجرد سيرة شخصية، بل رحلة في معنى الإنسان حين يتقاطع الجسد المرهق مع الذاكرة، والقوة مع العزلة، والغربة مع ضيق ذات اليد.
لقد نجحت في تحويل صورة الأب من إطارها العائلي الضيّق إلى مساحة فلسفية أوسع، حيث يصبح “النقص” استعارة للوجود نفسه، لا للعاهة الجسدية فقط.
وأدهشني هذا التوازن بين التوصيف الواقعي والعمق الرمزي، بين الأب الذي يقتل حصانا بصفعة، ويهدم جدارا بيديه، وينجو بذكاء من تحت شاحنة، والأب الذي يتهشّم بصمته الطويل أمام قسوة العالم.

في كتابتك يتجلّى الأب ككائن أسطوريّ ومهزوم في آن واحد، وكأنك تكتب عن الإنسان الشرقي في معركته الدائمة بين الكبرياء والخذلان.
مقالك مؤلم وعميق، يذكّرنا بأن الكتابة عن الأب ليست استعادة للماضي، بل محاولة لفهم جذر الغياب فينا.
وقد لفتني أنني رسمت من خلال مقالك السابق في عيد ميلاد ابنك صورة لعلاقة حميمة تربطكما، تتبادلان فيها دور الأب والابن، فخالطني الشعور بأنك شبيه لأبيك في علاقة الابن بالأب.

رحم الله أباك الذي لم تنصفه الحياة الدنيا منذ كان طفلا ، عسى أن يجد في الأبدية عدالة وراحة لم تمنحْه إياها الأرض.

غانية ملحيس 21/10/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى