15-
الصديق العزيز خالد عطية
قرأت مقالك “الضمير المقيّد – أوروبا بين العدالة والانتقائية” بتمعّن واهتمام بالغ. لقد لامست بذكاء شديد جوهر المفارقة الأخلاقية في الموقف الأوروبي من حربَي أوكرانيا وغزة، حين أبرزت كيف تتحول القوانين والمؤسسات الحقوقية إلى أدوات لتقويم الوعي العام أكثر مما هي ضمان للعدالة.
لقد جاء مقالك مفعما بروح النقد الأخلاقي، وبلغة تمتاز بالرصانة والتحليل المتوازن بين الوقائع والمبادئ، وهو ما يضع المقال في سياق ضروري من تفكيك “أسطورة الضمير الأوروبي” التي طالما وظفت لتبرير الهيمنة.
غير أن ما أود الإشارة إليه، من موقع التكامل لا الاختلاف، هو أن الإشكال في نظري أعمق من مجرد ازدواجية المعايير.
فما يسمى ازدواجية هو في الحقيقة تعبير عن انسجام داخلي لبنية الحداثة المادية والعنصرية.
فالغرب لا يخون قيمه حين يصمت على إبادة غزة، بل يمارس قيمه كما صاغها منذ نشأته:
قيم تبنى على مركزية الذات الغربية واعتبار “الآخر” موضوعا للتقويم أو الإقصاء، لا ذاتا مساوية في الإنسانية.
في أوكرانيا، تتجلى الحرب كصراع داخلي في جسد نظام الحداثة نفسه، بين أطرافٍ تنتمي إلى فضائه الحضاري،
أما في غزة، فالصراع يتجاوز حدود هذا الجسد، إنه صدام أنطولوجي/ وجودي / بين نظام الهيمنة ومشروع تحرري خارج منظومته.
ولهذا، فالموقف الأوروبي ليس انتقائية سياسية بقدر ما هو تعبير عن حدود الوعي الحداثي ذاته في تعريف الإنسان والعدالة.
من هنا أرى أن القضية لا تتعلق بفقدان الضمير، بل بطبيعة هذا الضمير نفسه:
ضميرٌ صيغ تاريخيا ليحمي صورة الذات الأوروبية، لا ليحاكمها.
وحين يمارس القمع باسم حماية القيم، فذلك ليس نفاقا بل وفاء لمنطق عميق في بنية الحداثة الأداتية التي تجعل من القانون والتقنية والإنسان أدوات في مشروع واحد للهيمنة.
إن مقالك، بما يقدمه من كشف أخلاقي قوي، يشكّل خطوة ضرورية نحو الوعي، لكن هذا الوعي يصبح أكثر اكتمالا حين نرى أن المطلوب ليس استعادة ضمير أوروبا، بل تجاوز الأفق الذي أنتجه، وبناء مشروع تحرري معرفي من خارج منطق الحداثة ذاته- مشروع يُعيد تعريف الإنسان والعدالة انطلاقا من التجربة الفلسطينية التي ما زالت تكشف لنا، في كل لحظة، المعنى الذي قاوم العقل الأداتي وأبقى للضمير الإنساني صوته الأصلي.
مع خالص التقدير لجهدك التنويري في مساءلة الوعي الأوروبي من الداخل،
وإيماني أن مثل هذه الحوارات الفكرية هي ما يعيد للنقد العربي روحه في زمن تختلط فيه الأخلاق بالسياسة والمعنى بالقوة.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس 22/10/2025
الصديق العزيز خالد عطية
قرأت مقالك “الضمير المقيّد – أوروبا بين العدالة والانتقائية” بتمعّن واهتمام بالغ. لقد لامست بذكاء شديد جوهر المفارقة الأخلاقية في الموقف الأوروبي من حربَي أوكرانيا وغزة، حين أبرزت كيف تتحول القوانين والمؤسسات الحقوقية إلى أدوات لتقويم الوعي العام أكثر مما هي ضمان للعدالة.
لقد جاء مقالك مفعما بروح النقد الأخلاقي، وبلغة تمتاز بالرصانة والتحليل المتوازن بين الوقائع والمبادئ، وهو ما يضع المقال في سياق ضروري من تفكيك “أسطورة الضمير الأوروبي” التي طالما وظفت لتبرير الهيمنة.
غير أن ما أود الإشارة إليه، من موقع التكامل لا الاختلاف، هو أن الإشكال في نظري أعمق من مجرد ازدواجية المعايير.
فما يسمى ازدواجية هو في الحقيقة تعبير عن انسجام داخلي لبنية الحداثة المادية والعنصرية.
فالغرب لا يخون قيمه حين يصمت على إبادة غزة، بل يمارس قيمه كما صاغها منذ نشأته:
قيم تبنى على مركزية الذات الغربية واعتبار “الآخر” موضوعا للتقويم أو الإقصاء، لا ذاتا مساوية في الإنسانية.
في أوكرانيا، تتجلى الحرب كصراع داخلي في جسد نظام الحداثة نفسه، بين أطرافٍ تنتمي إلى فضائه الحضاري،
أما في غزة، فالصراع يتجاوز حدود هذا الجسد، إنه صدام أنطولوجي/ وجودي / بين نظام الهيمنة ومشروع تحرري خارج منظومته.
ولهذا، فالموقف الأوروبي ليس انتقائية سياسية بقدر ما هو تعبير عن حدود الوعي الحداثي ذاته في تعريف الإنسان والعدالة.
من هنا أرى أن القضية لا تتعلق بفقدان الضمير، بل بطبيعة هذا الضمير نفسه:
ضميرٌ صيغ تاريخيا ليحمي صورة الذات الأوروبية، لا ليحاكمها.
وحين يمارس القمع باسم حماية القيم، فذلك ليس نفاقا بل وفاء لمنطق عميق في بنية الحداثة الأداتية التي تجعل من القانون والتقنية والإنسان أدوات في مشروع واحد للهيمنة.
إن مقالك، بما يقدمه من كشف أخلاقي قوي، يشكّل خطوة ضرورية نحو الوعي، لكن هذا الوعي يصبح أكثر اكتمالا حين نرى أن المطلوب ليس استعادة ضمير أوروبا، بل تجاوز الأفق الذي أنتجه، وبناء مشروع تحرري معرفي من خارج منطق الحداثة ذاته- مشروع يُعيد تعريف الإنسان والعدالة انطلاقا من التجربة الفلسطينية التي ما زالت تكشف لنا، في كل لحظة، المعنى الذي قاوم العقل الأداتي وأبقى للضمير الإنساني صوته الأصلي.
مع خالص التقدير لجهدك التنويري في مساءلة الوعي الأوروبي من الداخل،
وإيماني أن مثل هذه الحوارات الفكرية هي ما يعيد للنقد العربي روحه في زمن تختلط فيه الأخلاق بالسياسة والمعنى بالقوة.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس 22/10/2025