القسم الأول
للطبعة الأولى
ما كنت أود اجتزاء القسم الأول من هذه الدراسة لأدفعه إلى النشر قبل انتهائها بكاملها. لولا أنني رأيت البحث يتشعب ويطول على مدى أعوام، فيقودني الى استكشاف ميادين ما كنت في البدء واعيا ضرورة استكشافها، فتركت نفسي يتحكم فيها منطق البحث، لا أخضعه لإرادة ذاتية، بل أخضع نشاط الفكر لموضوعيته. وبممارسة الكتابة بدأت أفهم أن للكتابة منطقها وأن الكاتب ليس قائل القول بل حامله. لقد انطلق البحث من تساؤل نظري أكثر منه تاريخي عن السبب - أو الأسباب- التي تحدد ضرورة تمكن الفكر الاشتراكي العلمي من حركة التاريخ ووعيه في مجتمعاتنا الكولونيالية، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن الهدف إذن، سردا حدثيا للتاريخ أو تدوينا لظاهرة تجريبية مرئية، بل كان بحثا عن المنطق الموضوعي الذي سمح للتاريخ أن يكون ما كان في تتابع أحداثه. ولقد وجدت ضرورة في أن أنطلق من افتراض وجود هذا المنطق الموضوعي في الواقع، وإلا لما كان بوسعي أن أحاول ما حاولت ولما كانتً الدراسة هذه بحثا علميا، أو قل بحثا يدعي العلمية، ولكان الصمت ضرورة يقود إليهاانتفاء وجود هذا المنطق. ولا أخفي على القارىء أنني حذوت في نهجي هذا حذو ابن خلدون في مقدمته، وكنت في نهجي سائرا في نهجه، وكنت فيه ماركسيا، وما وجدت في هذا تناقضا بل تكاملا، ففهمت أن طريق الفكر الماركسي اللينيني هو طريق الوصول إلى تملك واقعنا الاجتماعي التاريخي في تراثه وحاضره. لقد كان ابن خلدون أول من فهم أن التاريخ يخضع لقوانين موضوعية تتحكم في صيرورته، وأن علم التاريخ يجد أساسه وإمكان تكونه في وجود هذه الموضوعية. ففهمت الدرس ورأيت نفسي بالضرورة سائرا في خط الفكر الماركسي اللينيني، فالعقل في التاريخ هو الأساس المادي لعلم التاريخ نفسه.وساءلت واقع حركة التحرر الوطني عن منطقها الذي يسيرها في أفق صيرورة منها تجد في الفكر الاشتراكي العلمي فكر منطقها الداخلي. وكان السؤال يحمل فيه جوابه، فرأيت فيه طريق الجواب، ورأيت في الجواب إمكان طرح السؤال، وسرت في البحث، ء ولا أزال سائرا فيه، تقودني فكرة أساسية أقولها للقارىء بشكل حدسي مباشر، قبل أي صياغة نظرية: إن منطق الصيرورة الاشتراكية لحركة التحرر الوطني هو العامل المحدد لسيرها في خط منطق الفكر الاشتراكي العلمي. فالالتقاء الموضوعي للمنطقين هو الذي يحدد إمكان فعل هذا الفكر في هذه الحركة، وبالتالي ضرورة هذا الفعل. وبتعبير آخر، إن الفكر الماركسي اللينيني هو الوعي العلمي من هذه الحركة التاريخية التحررية،وإن لم تكن الحركة هذه قد وصلت بعد، في وعيها التجريبي، إلى وعيها العلمي هذا. ومن الخطأ الحكم على واقع هذه الحركة في منطقها الداخلي الموضوعي من خلال الوعي التجريبي الذي تتكشف فيه لذاتها، فليس الوعي هو الذي يحدد الواقع، حسب تعبير ماركس، بل إن الواقع الاجتماعي التاريخي هو الذي يحدد الوعي. لذا نرى دوما وعي المجتمع النظري آتيا متأخرا على حركة التاريخ الفعلية، بعد أن يتكشف منطق هذه الحركة في الممارسة السياسية الثورية للصراع الطبقي، فتظهر ضرورة الممارسة النظرية في منطق هذا الصراع كضرورة عملية تستلزمها حركة الممارسة السياسية هذه نفسها. ونحن ما أتينا إلى هذه المحاولة النظرية التي نقوم بها في هذا البحث إلا عن طريق التطور التاريخي لحركة التطور الوطني، ولا سيما في وصولها إلى المأزق الذي أوصلتها إليه الممارسة السياسية للبورجوازية الصغيرة المسيطرة. فكان لزاما أن نستعيد بالممارسة النظرية حركة التاريخ الفعلية حتى تتكشف لنا آلية هذه الحركة. فلا يظنن القارىء أن اللغة النظرية التي نستخدمها في هذا البحث هي مجرد لغة ذهنية أو وليدة نشاط الفكر في انفصاله عن الواقع التاريخي، وإن بدت له كذلك. إنما هي اللغة التي بها يمكننا أن نقوم بعقلنة الواقع انطلاقا من معطياته التجريبية نفسها. فالواقع هذا حاضر بشكل دائم في هذه اللغة التجريدية، حتى وإن بدا غائبا، لأن اللغة هذه ليست، في تجريديتها، سوى لغة هذا الواقع، أو على الأصح، إنها لغة المنطق الداخلي لهذا الواقع.وأسمح لنفسي بهذا الصدد أن أطلب من القارىء التسلح بالصبر في قراءته لغة قد يجدها ثقيلة أو غير مألوفة أو معقدة. وأؤكد له أنني ما أردت التعقد هذا، بل الوضوح أردت، فإن وجد التعقد فلأن منطق البحث يقتضيه. وما كنت في كتابتي سوى أداة هذا المنطق، وما تدخلت إرادتي الذاتية إلا لجعل هذه الإرادة أكثر طواعية.
ثم إن لغة العلم بالضرورة لغة مفهومية، وبالتالي تجريدية. وعلى المفكر العربي أن ينحت اللغة التي بها يفكر، في الخط نفسه الذي كان يقوم فيه بهذه العملية مفكرو العربية من تراثنا. لقد كادت اللغة العربية تنسى مقدرتها على قول المعرفة، بعد أن أسهم الكثيرون منا ومن الآخرين في إنجاح مؤامرة النسيان هذه. إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا في واقعه باللغة العربية، لكنها مخاطرة ضرورية ولا سبيل إلى عدم القيام بها، وإلا تاه الفكر منا في فراغه. ولقد قمت بهذه المخاطرة عن وعي وضرورة نظرية فكان ما كان مما قد يبدو للقارىء ثقلا في التعبير اللغوي أو تعقدا في التفكير، ولن أعتذر من القارئ عن محاولتي هذه.
وربما أتى التعقد من منطق البحث الذي اتبعت. فمنطق البحث غير منطق الدراسة المتكاملة: إن الثاني منطق عرض ينطلق من نهاية ما وصل إليه منطق البحث من نتائج أو حقائق ينظمها بشكل واضح يختلف عن شكل تولدها في حركة البحث. أما منطق البحث فمتعرج بالضرورة، خاضع للقفزات والفجاءات والتشعبات، لا يمكنه التنبؤ بها قبل حصولها، وإن كان في سيره العام خاضعاً لفكرة تحركه، وهي منه نقطة البدء والوصول معاً. إنه حركة التفكير نفسه الذي يستكشف الواقع، وينحت شيئاً فشيئاً أدوات هذه العملية من الاستكشاف، ويجد في الرجوع إلى نقطة البدء ضرورة مستمرة كلما تقدم في البحث وبعد عنها، فيستعيدها ثانية لينطلق من جديد في مغامرة أخرى تقوده إلى مجهول يضيء له منطلقه، ويظل في حركته اللولبية يستعيد ما وصل إليه، فتكتمل الدورة لتنفتح من جديد، ثم تكتمل فتنفتح. هذه الحركة هي هي حياة الفكر، أي مغامرة المعرفة. ولقد اتبعت في حركة الفكر منطق البحث هذا، وما خشيته، بل وددت تقديمه إلى القارىء على علاته.
ولم يأتِ اعتماد هذا المنطق من البحث عن إرادة ذاتية ـ وإن وجدت ـ بل عن ضرورة موضوعية هي ضرورة العلم نفسه. لقد أحدث ماركس، بقطعه مع الفكر الهيغلي بوجه خاص، والفكر الميتافيزيقي بوجه عام، ثورة نظرية قفزت بالفكر إلى تربة العلمية في حقل التاريخ الاجتماعي، فصار لزاماً أن يكون الفكر ماركسياً حتى يصير علمياً. وبصيرورته العلمية هذه، لم يعد الفكر العلمي بقادر على أن يكرر في نشاطه المعرفي نشاط الفكر الهيغلي في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل يتأول العالم ويقيم علاقة تماثل بين منطق العالم المادي ومنطق العرض الشكلي. وفي تماثل المنطقين تجريبية ومثالية هما ميزتان ملازمتان لكل فكر ميتافيزيقي. لقد وجد الفكر النظامي في هيغل ذروته، بل وجد فيه تحقق مفهومه الكامل. لذا، كان النقد الماركسي لهذا الفكر نقضاً له، من حيث هو هدم له، فكان هذا النقد بالضرورة انتقالاً بالفكر إلى تربة نظرية جديدة هي مقياس لعملية كل فكر. فبهذه القفزة النظرية الماركسية، صار كل فكر نظامي ـ أي كل فكر يحاول أن يعيد التجربة الهيغلية في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل ـ فكراً متخلفاً عن الفكر الهيغلي، بله عن الفكر الماركسي. ومثل هذا الفكر النظامي بعد ماركس كمثل فيزيائي يقوم بنشاطه العلمي على أساس الفيزياء النيوتونية، متجاهلاً ثورة أينشتين في الفيزياء، فهو الآن في نشاطه متخلف عن نيوتن نفسه قبل أن يكون متخلفاً عن أينشتين.
وما أكثر المتمركسين عندنا الذين يدعون ـ عن جهل ـ «الثورية» و «الحداثة» في الفكر، بل يدعون تخطي ماركس نفسه، حين يجعلون مثلاً، من النقد الديني أو من نقد الاغتراب (Allénation) المهمة الأولى للفكر «العلمي»، أو قل للفكر المقصر في تعلمه. وما علموا أنهم في جهلهم هذا قد رجعوا إلى ما قبل ماركس فسقطوا في ما سقط فيه النيوهيغليون من جهل بالفكر الهيغلي نفسه. لقد فهموا الثورة كما فهمها هؤلاء، فظنوا أنها «النقد»، فانحصرت عندهم في «ثورة» اللفظ على اللفظ، وكانت كما في وهمهم، ثورة لفظية.
لم يعد من الممكن، في الحقل العلمي، اتباع منطق من العرض المتكامل يفترض وجود نظام فكري تكامل بناؤه. فحركة الانفتاح والاستمرار في منطق البحث هي حركة النشاط العلمي نفسه. وكل انغلاق للفكر في نظام منه متكامل يشل الحركة هذه وينزلق بها من تربة العلمية إلى تربة أيديولوجية يرفضها العلم وينقضها... إن طابع الانفتاح من هذه الحركة هو الذي يفرض إذن، على البحث أن يتقدم بما وصل إليه من معرفة في شكل نتائج موقتة تصير بدورها معطيات أو منطلقات، أي مادة أولى لبحث آخر يسير في الأفق الذي انفتحت عليه وافتتحته، فتخضع بهذا لنقد يعمقها ويرسم حدودها. وتاريخ الفكر الماركسي نفسه خير مثال على هذه الحركة من البحث العلمي التي هي استعادة مستمرة لمعطيات علمية في ضوء ما توصل إليه العلم من معرفة متجددة.
ولقد رأيت في العودة إلى مشكلة التناقض ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية، ففهم هذه العلاقة يجد أساسه النظري في نظرية التناقض، كما أن فهم آلية الحركة التحررية الوطنية يجد أساسه النظري في فهم طابع التمييز من علاقات الإنتاج الكولونيالية. لذا كان القسم الأول من هذا البحث مقدمة نظرية لدراسة القسم الثاني منه، وكان القسم هذا بدوره قاعدة أساسية لدراسة علاقة الفكر الاشتراكي العلمي بحركة التحرر الوطني. ولقد ألحقت في نهاية هذا القسم الأول مقالاً كنت قد نشرته في مجلة الطريق (عدد 7ـ8. سنة 1970)، يعالج في الفقرة الرابعة منه بشكل خاص مشكلة التناقض. لذا، على القارىء أن يرجع إلى هذا المقال في الملحق قبل أن يبتدىء بقراءة البحث هذا، لأنني في تطوره كنت أفترض أن ما أتى في المقال هو معلوم من القارىء.
إن البحث الفردي عمل حرفي قد تخطاه الشكل العلمي للفكر المعاصر. ولئن مارست البحث هذا بشكل حرفي فلأن شروطاً موضوعية متعددة أرغمتني على ذلك. لا بد لعملية التفكير من أن تتم في إطارها الطبيعي والضروري، فنقد القارىء لما سيجده من مغامرة فكرية في هذا البحث جزء من البحث أساسي لمتابعته. فعسى أن يقوم بنقد هو هو إسهام في تطور البحث المشترك.
تموز 1973
مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الإشتراكي في حركة التحرر الوطني
ص.23.24.25.26.27.28.29.30
مهدي عامل
للطبعة الأولى
ما كنت أود اجتزاء القسم الأول من هذه الدراسة لأدفعه إلى النشر قبل انتهائها بكاملها. لولا أنني رأيت البحث يتشعب ويطول على مدى أعوام، فيقودني الى استكشاف ميادين ما كنت في البدء واعيا ضرورة استكشافها، فتركت نفسي يتحكم فيها منطق البحث، لا أخضعه لإرادة ذاتية، بل أخضع نشاط الفكر لموضوعيته. وبممارسة الكتابة بدأت أفهم أن للكتابة منطقها وأن الكاتب ليس قائل القول بل حامله. لقد انطلق البحث من تساؤل نظري أكثر منه تاريخي عن السبب - أو الأسباب- التي تحدد ضرورة تمكن الفكر الاشتراكي العلمي من حركة التاريخ ووعيه في مجتمعاتنا الكولونيالية، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن الهدف إذن، سردا حدثيا للتاريخ أو تدوينا لظاهرة تجريبية مرئية، بل كان بحثا عن المنطق الموضوعي الذي سمح للتاريخ أن يكون ما كان في تتابع أحداثه. ولقد وجدت ضرورة في أن أنطلق من افتراض وجود هذا المنطق الموضوعي في الواقع، وإلا لما كان بوسعي أن أحاول ما حاولت ولما كانتً الدراسة هذه بحثا علميا، أو قل بحثا يدعي العلمية، ولكان الصمت ضرورة يقود إليهاانتفاء وجود هذا المنطق. ولا أخفي على القارىء أنني حذوت في نهجي هذا حذو ابن خلدون في مقدمته، وكنت في نهجي سائرا في نهجه، وكنت فيه ماركسيا، وما وجدت في هذا تناقضا بل تكاملا، ففهمت أن طريق الفكر الماركسي اللينيني هو طريق الوصول إلى تملك واقعنا الاجتماعي التاريخي في تراثه وحاضره. لقد كان ابن خلدون أول من فهم أن التاريخ يخضع لقوانين موضوعية تتحكم في صيرورته، وأن علم التاريخ يجد أساسه وإمكان تكونه في وجود هذه الموضوعية. ففهمت الدرس ورأيت نفسي بالضرورة سائرا في خط الفكر الماركسي اللينيني، فالعقل في التاريخ هو الأساس المادي لعلم التاريخ نفسه.وساءلت واقع حركة التحرر الوطني عن منطقها الذي يسيرها في أفق صيرورة منها تجد في الفكر الاشتراكي العلمي فكر منطقها الداخلي. وكان السؤال يحمل فيه جوابه، فرأيت فيه طريق الجواب، ورأيت في الجواب إمكان طرح السؤال، وسرت في البحث، ء ولا أزال سائرا فيه، تقودني فكرة أساسية أقولها للقارىء بشكل حدسي مباشر، قبل أي صياغة نظرية: إن منطق الصيرورة الاشتراكية لحركة التحرر الوطني هو العامل المحدد لسيرها في خط منطق الفكر الاشتراكي العلمي. فالالتقاء الموضوعي للمنطقين هو الذي يحدد إمكان فعل هذا الفكر في هذه الحركة، وبالتالي ضرورة هذا الفعل. وبتعبير آخر، إن الفكر الماركسي اللينيني هو الوعي العلمي من هذه الحركة التاريخية التحررية،وإن لم تكن الحركة هذه قد وصلت بعد، في وعيها التجريبي، إلى وعيها العلمي هذا. ومن الخطأ الحكم على واقع هذه الحركة في منطقها الداخلي الموضوعي من خلال الوعي التجريبي الذي تتكشف فيه لذاتها، فليس الوعي هو الذي يحدد الواقع، حسب تعبير ماركس، بل إن الواقع الاجتماعي التاريخي هو الذي يحدد الوعي. لذا نرى دوما وعي المجتمع النظري آتيا متأخرا على حركة التاريخ الفعلية، بعد أن يتكشف منطق هذه الحركة في الممارسة السياسية الثورية للصراع الطبقي، فتظهر ضرورة الممارسة النظرية في منطق هذا الصراع كضرورة عملية تستلزمها حركة الممارسة السياسية هذه نفسها. ونحن ما أتينا إلى هذه المحاولة النظرية التي نقوم بها في هذا البحث إلا عن طريق التطور التاريخي لحركة التطور الوطني، ولا سيما في وصولها إلى المأزق الذي أوصلتها إليه الممارسة السياسية للبورجوازية الصغيرة المسيطرة. فكان لزاما أن نستعيد بالممارسة النظرية حركة التاريخ الفعلية حتى تتكشف لنا آلية هذه الحركة. فلا يظنن القارىء أن اللغة النظرية التي نستخدمها في هذا البحث هي مجرد لغة ذهنية أو وليدة نشاط الفكر في انفصاله عن الواقع التاريخي، وإن بدت له كذلك. إنما هي اللغة التي بها يمكننا أن نقوم بعقلنة الواقع انطلاقا من معطياته التجريبية نفسها. فالواقع هذا حاضر بشكل دائم في هذه اللغة التجريدية، حتى وإن بدا غائبا، لأن اللغة هذه ليست، في تجريديتها، سوى لغة هذا الواقع، أو على الأصح، إنها لغة المنطق الداخلي لهذا الواقع.وأسمح لنفسي بهذا الصدد أن أطلب من القارىء التسلح بالصبر في قراءته لغة قد يجدها ثقيلة أو غير مألوفة أو معقدة. وأؤكد له أنني ما أردت التعقد هذا، بل الوضوح أردت، فإن وجد التعقد فلأن منطق البحث يقتضيه. وما كنت في كتابتي سوى أداة هذا المنطق، وما تدخلت إرادتي الذاتية إلا لجعل هذه الإرادة أكثر طواعية.
ثم إن لغة العلم بالضرورة لغة مفهومية، وبالتالي تجريدية. وعلى المفكر العربي أن ينحت اللغة التي بها يفكر، في الخط نفسه الذي كان يقوم فيه بهذه العملية مفكرو العربية من تراثنا. لقد كادت اللغة العربية تنسى مقدرتها على قول المعرفة، بعد أن أسهم الكثيرون منا ومن الآخرين في إنجاح مؤامرة النسيان هذه. إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا في واقعه باللغة العربية، لكنها مخاطرة ضرورية ولا سبيل إلى عدم القيام بها، وإلا تاه الفكر منا في فراغه. ولقد قمت بهذه المخاطرة عن وعي وضرورة نظرية فكان ما كان مما قد يبدو للقارىء ثقلا في التعبير اللغوي أو تعقدا في التفكير، ولن أعتذر من القارئ عن محاولتي هذه.
وربما أتى التعقد من منطق البحث الذي اتبعت. فمنطق البحث غير منطق الدراسة المتكاملة: إن الثاني منطق عرض ينطلق من نهاية ما وصل إليه منطق البحث من نتائج أو حقائق ينظمها بشكل واضح يختلف عن شكل تولدها في حركة البحث. أما منطق البحث فمتعرج بالضرورة، خاضع للقفزات والفجاءات والتشعبات، لا يمكنه التنبؤ بها قبل حصولها، وإن كان في سيره العام خاضعاً لفكرة تحركه، وهي منه نقطة البدء والوصول معاً. إنه حركة التفكير نفسه الذي يستكشف الواقع، وينحت شيئاً فشيئاً أدوات هذه العملية من الاستكشاف، ويجد في الرجوع إلى نقطة البدء ضرورة مستمرة كلما تقدم في البحث وبعد عنها، فيستعيدها ثانية لينطلق من جديد في مغامرة أخرى تقوده إلى مجهول يضيء له منطلقه، ويظل في حركته اللولبية يستعيد ما وصل إليه، فتكتمل الدورة لتنفتح من جديد، ثم تكتمل فتنفتح. هذه الحركة هي هي حياة الفكر، أي مغامرة المعرفة. ولقد اتبعت في حركة الفكر منطق البحث هذا، وما خشيته، بل وددت تقديمه إلى القارىء على علاته.
ولم يأتِ اعتماد هذا المنطق من البحث عن إرادة ذاتية ـ وإن وجدت ـ بل عن ضرورة موضوعية هي ضرورة العلم نفسه. لقد أحدث ماركس، بقطعه مع الفكر الهيغلي بوجه خاص، والفكر الميتافيزيقي بوجه عام، ثورة نظرية قفزت بالفكر إلى تربة العلمية في حقل التاريخ الاجتماعي، فصار لزاماً أن يكون الفكر ماركسياً حتى يصير علمياً. وبصيرورته العلمية هذه، لم يعد الفكر العلمي بقادر على أن يكرر في نشاطه المعرفي نشاط الفكر الهيغلي في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل يتأول العالم ويقيم علاقة تماثل بين منطق العالم المادي ومنطق العرض الشكلي. وفي تماثل المنطقين تجريبية ومثالية هما ميزتان ملازمتان لكل فكر ميتافيزيقي. لقد وجد الفكر النظامي في هيغل ذروته، بل وجد فيه تحقق مفهومه الكامل. لذا، كان النقد الماركسي لهذا الفكر نقضاً له، من حيث هو هدم له، فكان هذا النقد بالضرورة انتقالاً بالفكر إلى تربة نظرية جديدة هي مقياس لعملية كل فكر. فبهذه القفزة النظرية الماركسية، صار كل فكر نظامي ـ أي كل فكر يحاول أن يعيد التجربة الهيغلية في بناء نظام ميتافيزيقي متكامل ـ فكراً متخلفاً عن الفكر الهيغلي، بله عن الفكر الماركسي. ومثل هذا الفكر النظامي بعد ماركس كمثل فيزيائي يقوم بنشاطه العلمي على أساس الفيزياء النيوتونية، متجاهلاً ثورة أينشتين في الفيزياء، فهو الآن في نشاطه متخلف عن نيوتن نفسه قبل أن يكون متخلفاً عن أينشتين.
وما أكثر المتمركسين عندنا الذين يدعون ـ عن جهل ـ «الثورية» و «الحداثة» في الفكر، بل يدعون تخطي ماركس نفسه، حين يجعلون مثلاً، من النقد الديني أو من نقد الاغتراب (Allénation) المهمة الأولى للفكر «العلمي»، أو قل للفكر المقصر في تعلمه. وما علموا أنهم في جهلهم هذا قد رجعوا إلى ما قبل ماركس فسقطوا في ما سقط فيه النيوهيغليون من جهل بالفكر الهيغلي نفسه. لقد فهموا الثورة كما فهمها هؤلاء، فظنوا أنها «النقد»، فانحصرت عندهم في «ثورة» اللفظ على اللفظ، وكانت كما في وهمهم، ثورة لفظية.
لم يعد من الممكن، في الحقل العلمي، اتباع منطق من العرض المتكامل يفترض وجود نظام فكري تكامل بناؤه. فحركة الانفتاح والاستمرار في منطق البحث هي حركة النشاط العلمي نفسه. وكل انغلاق للفكر في نظام منه متكامل يشل الحركة هذه وينزلق بها من تربة العلمية إلى تربة أيديولوجية يرفضها العلم وينقضها... إن طابع الانفتاح من هذه الحركة هو الذي يفرض إذن، على البحث أن يتقدم بما وصل إليه من معرفة في شكل نتائج موقتة تصير بدورها معطيات أو منطلقات، أي مادة أولى لبحث آخر يسير في الأفق الذي انفتحت عليه وافتتحته، فتخضع بهذا لنقد يعمقها ويرسم حدودها. وتاريخ الفكر الماركسي نفسه خير مثال على هذه الحركة من البحث العلمي التي هي استعادة مستمرة لمعطيات علمية في ضوء ما توصل إليه العلم من معرفة متجددة.
ولقد رأيت في العودة إلى مشكلة التناقض ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية، ففهم هذه العلاقة يجد أساسه النظري في نظرية التناقض، كما أن فهم آلية الحركة التحررية الوطنية يجد أساسه النظري في فهم طابع التمييز من علاقات الإنتاج الكولونيالية. لذا كان القسم الأول من هذا البحث مقدمة نظرية لدراسة القسم الثاني منه، وكان القسم هذا بدوره قاعدة أساسية لدراسة علاقة الفكر الاشتراكي العلمي بحركة التحرر الوطني. ولقد ألحقت في نهاية هذا القسم الأول مقالاً كنت قد نشرته في مجلة الطريق (عدد 7ـ8. سنة 1970)، يعالج في الفقرة الرابعة منه بشكل خاص مشكلة التناقض. لذا، على القارىء أن يرجع إلى هذا المقال في الملحق قبل أن يبتدىء بقراءة البحث هذا، لأنني في تطوره كنت أفترض أن ما أتى في المقال هو معلوم من القارىء.
إن البحث الفردي عمل حرفي قد تخطاه الشكل العلمي للفكر المعاصر. ولئن مارست البحث هذا بشكل حرفي فلأن شروطاً موضوعية متعددة أرغمتني على ذلك. لا بد لعملية التفكير من أن تتم في إطارها الطبيعي والضروري، فنقد القارىء لما سيجده من مغامرة فكرية في هذا البحث جزء من البحث أساسي لمتابعته. فعسى أن يقوم بنقد هو هو إسهام في تطور البحث المشترك.
تموز 1973
مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الإشتراكي في حركة التحرر الوطني
ص.23.24.25.26.27.28.29.30
مهدي عامل