شريف محيي الدين إبراهيم - كتب مفقودة

لا تبكِ يا صغيرتي... أرجوكِ يا مريم.

حين تبكي مريم، يضيق صدري، وأشعر أن شيئًا فيَّ ينكسر.
قالت وهي تمسح دموعها بيدٍ صغيرةٍ متوترة:
ــ زميلاتي يتنمّرن عليّ، لم أعد أحتمل، بابا انقلني من هذه المدرسة.

ترددتُ قليلًا.
أعلم أن النقل في منتصف العام الدراسي ليس أمرًا يسيرًا، فالإجراءات والقيود لا تنتهي.
مريم جميلة، رقيقة، طيبة، وذكية إلى حدٍّ يدهشني، لكنها عنيدة كأن في قلبها سرًّا صغيرًا لا تبوح به.
مدرستها فاخرة، واجهاتها الزجاجية لامعة، فصولها مكيفة...
، وجدرانها ملوّنةٌ بألوانٍ مبهجة.
لا صراخ، لا فوضى.
مريم مصروفاتها الدراسية في عامٍ واحدٍ ربما تفوق ما أنفقه أبي عليّ منذ وُلدتُ حتى تخرّجتُ في الجامعة.

ومع ذلك كانت مريم تبكي، وكأنها تُعاقَب في مدرسةٍ قديمةٍ من زمننا، بشبابيك مكسّرةٍ ودورات مياهٍ عَطِنة.
وكأن الألم لا يأتي من المكان، بل من الروح حين تُمسّ.

قالت بغضبٍ طفولي:
ــ أنت لا تفهمني يا بابا، أنت لم تتألم مثلي!

أردت أن أقول لها: نحن الذين كتبنا دروسنا على رُكبنا لأن المقاعد كانت مكسّرة،
نخاف ناظرًا كالإعصار، نحمل حقائبَ أثقلَ من أعمارنا، ونمشي إلى المدرسة كأننا نُساق إلى امتحانٍ أبديّ.

سكتُّ قليلًا.
كنت أعرف أن النقل ليس سهلاً،
لكن ملامحها البريئة، عيناها المبتلّتان، جعلتاني أرى طفلًا آخر غيرها...
طفلًا كان دومًا يحمل كتبَه في حقيبةٍ سوداءَ ثقيلةٍ، ويمشي خائفًا من أن تُبتلّ بالأمطار.

تذكّرتُ يوم
ذهبتُ إلى ناظر مدرستي الإعدادية الذي ضربني ،وطردني واتّهمني بالإهمال الجسيم ، والمشرفِ الذي حسبني أخدعه أو أحتال عليه،
وكلٌّ يرميني إلى الآخر.
الناظر، المشرف ،أمين المخزن!!
كان أبي غائبا
و جدّي مريضًا، وخالي تخلّى عني بحجّة أن أعتمد على نفسي.

كنتُ في الصف الثالث الإعدادي، أظن أن العالم بسيطٌ ما دمتُ صادقًا.
لم تبدأ الدراسة بعد.
ذهبتُ لاستلام الكتب الدراسية، فوجدتُ الحوش مزدحمًا، والهواء خانقًا،
والمشرفَ يقف وبجواره أمين المخزن ،يجمع الإيصالات بيدٍ متوترة.
ناولته إيصالَ الدفع، فأخذه بلا نظرة.
انتظرتُ يومًا كاملًا، كدتُ أُغشى عليّ من الحرّ والزحام.
انصرفتُ على أمل أن أعود غدًا ريثما يقلّ الزحام.
وفي الغد قلتُ للمشرف :
ــ أريد كتبي.
قال ببرودٍ جافّ:
ــ فين الإيصال؟ اللي ممعهوش إيصال ما ياخدش كتب.
قلتُ بذهول: ولكنّي بالأمس سلّمته.
شعرتُ أن الأرض تميد بي، وأمين المخزن يرمقني بنظرةٍ قاسية، يضغط شفتيه ويقول بغِلظةٍ كأنني أتهمه بسرقة:
ــ أنا ما خدتش منك حاجة.

خرجتُ أمشي في الشارع، والعرق يتصبب على وجهي، كأن المدينة كلَّها تعاقبني.
لم أعد أعرف: أأبكي لأن الكتب ضاعت، أم لأن أحدًا لم يصدقني؟

كنتُ أعيش مع جدّي وجدّتي، لأن أبي وأمي كانا في إعارةٍ بعيدة.
كانا يبعثان رسائل وهدايا كثيرة ، لكنها ابدا لم تعوض ثقل الغياب.
تمنّيتُ لو أن أبي كان معي ، يقف إلى جواري، يضع يده على كتفي ويقول كلمةً واحدة تنصفني.
كنتُ أراه كما تراني مريم الآن — الرجلَ الخارق الذي يستطيع أن يحلَّ أيَّ مشكلةٍ.
لكن... أين أنت يا أبي؟

عدتُ إلى البيت، فوجدتُ جدّي جالسًا في مكانه المعتاد، يستمع إلى مذياعه القديم.
لم أقل شيئًا.
كنتُ أعرف أنه لا يملك ما يفعله، وأنه صار مكسورًا بالمرض ،والعمر مثل أصابعه المرتجفة.

اتصلتُ بخالي، أبحث عن مخرج. شرحتُ له ما جرى، فقال بصوتٍ باردٍ مختصر:
ــ اعتمد على نفسك.

سكتُّ. كانت كلماته كصفعةٍ خفيفةٍ لكنها أوجعتني أكثر مما لو صاح في وجهي.
أغلقتُ الهاتف وجلستُ أمام الشباك أراقب المارّة؛
كلُّ واحدٍ منهم بدا لي وكأنه يملك بيتًا ودفترًا وأبًا ينتظره على العشاء... إلا أنا.

في الليل، حين نام جدّي وجدّتي، جلستُ في فراشي أتقلب، أستعيد وجوههم جميعًا —
وجهَ المشرف الغليظ، وجهَ خالي البعيد، ووجهَ أبي الغائب الذي لم يأتِ.
تمنّيتُ لو أن أبي كان هناك، يضع يده على كتفي ويقول كلمةً تُعيد لي حقي.
لكن كل ما جاءني هو صوته القديم في الذاكرة، ناعمًا، بعيدًا، كأنه يأتي من وراء البحر.

في الصباح، ذهبتُ إلى المدرسة ثانيةً.
وقفتُ أمام المشرف نفسه، أحاول أن أبدو واثقًا:
ــ يا أستاذ، الكتب؟
نظر إليّ ببرودٍ متعمّدٍ وقال:
ــ قلتلك خلاص... أنا مخدتش منك وصل.

كنتُ أخرج كلَّ مرةٍ وأنا أزداد صمتًا.

قررتُ الذهاب إلى ناظر المدرسة، كنتُ أقدّم قدمًا وأؤخّر أخرى،
وحين فتحتُ فمي انهال عليّ بالعصا، واتّهمني بالإهمال:
ــ إنت أضعت الوصل! كيف ترجع إلى بيتك دون أن تتسلّم الكتب في نفس يوم تسليم الوصل ، إن كنتَ أصلًا قد سلّمته؟
أنت كاذبٌ مهمل!

لم أبكِ... شعرتُ أن في داخلي مكانًا فارغًا لا يملؤه شيء.
الخذلان له طعمٌ مالحٌ يشبه الدموع، لكنه لا يُرى.
بقيتُ وحدي، أحمل الخوف ككتابٍ مفتوحٍ على صفحةٍ لا تنتهي.

أحيانًا كنتُ أحلم أن كتبي عادت،
تطرق بابي في الصباح، تبتسم لي وتقول: ها نحن عدنا.

أدركتُ أن الكتب المفقودة ليست أوراقًا،
بل ما نفقده من طمأنينةٍ ونحن صغار،
ولا يعود أبدًا مهما جمعنا من كتبٍ جديدة.


مرت أسابيع، أتابع الدروس من دفاتر زملائي، أكتب بخطٍّ مترددٍ وأتظاهر بأن الأمر لا يهم.
لكن في داخلي كنتُ أتألم.
لو كان أبي موجودًا لانتهت المسألة.

وفي صباحٍ بدا عاديًا، ناداني أمين المخزن فجأةً من بعيد:
ــ يا ولد... تعال خُد الكتب.
ناولني ورقةً مختومةً وقال بفتورٍ لا يحمل اعتذارًا:
ــ طلع في كتب زيادة.

أخذتها ومضيتُ دون كلمة. لم أشكره، لم أبتسم.
فقط شعرتُ بشيءٍ ثقيلٍ يسقط عن صدري.
في الطريق، كان قلبي يخفق كأنني نجوتُ من معركة.
لم أعد كما كنت — ذلك الطفل الذي ينتظر إنصاف العالم —
فقد صرتُ أعرف أن العالم لا يُنصف أحدًا،
لكنه أحيانًا، بعد طولِ يأسٍ، يلين للحظةٍ قصيرةٍ... ثم يُغلق أبوابه من جديد.


---

عدتُ إلى مريم، كانت تمسح عينيها وتحدّق في الأرض.
قلتُ بهدوء:
ــ ليس الحل أن تهربي.
لم ترد، ثم نهضت وغابت في غرفتها.

سمعتُ صوت دفاترها تُفتح، كأنها تبحث عن صفحةٍ ضاعت منها.
جلستُ وحدي، أتذكّر الكتب التي استعدتها بعد يأسٍ طويل.
ومن بعيدٍ نادتني مريم بصوتٍ خافت:
ــ بابا...
إنت تستطيع فعل أي شيء.
تذكّرتُ أبي، وكيف كنتُ أحسبه قادرًا على كل شيء،
وكأنه ساحرٌ يشير فتتحقق المعجزات.
رفعتُ رأسي، فاختلط صوتها بصوتٍ قديمٍ يأتي من عمق الذاكرة:
ــ يا ولد... تعال خُد الكتب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى