هذه العبارة مُستَعملة بكثرة في الأحاديث اليومية للناس المُسلمين. ومعناها أن أية خطوة يخطوها المُسلِم في حياته اليومية، تكون بتوجيهٍ أو بتدخُّلٍٍ من الله، سبحانه وتعالى، أي أن كل شيء يقوم به الإنسان في حياته اليومية، فهو بتوجيهٍ من الله. بمعنى أن حياةَ الإنسان المسلم يرسمها له الله مسبقا. وهذا يعني أن المسلمَ لا يتحكِّم في حياته، وبالتالي، ما عليه إلا الاستسلام لِما كُتِب عليه من حياة. وما يُثِير الانتباهَ، هو أن المسلمين لا يلجأون لهذه المقولة إلا حين تكون حياتُهم فيها شيءٌ من الحزن والأسى.
فهل شغَّلنا عقولَنا للوقوف، بعض الشيء، على هذه المقولة وأخضعناها لتحليل عقلاني ومنطِقي، وبالأخص، هل. تتلاءم مع ما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ لعِباده. وفي هذا الصدد، لقد سبق أن قلتُ، في عدة مقالات نشرتُها على صفحتي في الفيسبوك، أننا عندما نقرأ القرآن الكريم، قراءةً مُتأنّية، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، ما نستنتِجه من هذه القراءة، هو أن الله، عزَّ وجلَّ، يريد الخيرَ لعباده.
وانطلاقا من هذه الإرادة الإلهية، فإن رسَمَ، سبحانه وتعالى، حياةَ المسلم، فإنه سيرسمُها مليئةً بالخير علما أن حياةَ الناس، بصفة عامة، فيها ما يُفرح وفيها ما يُحزِن.
فإذا قمنا بهذا التحليل العقلاني، فمن الضروري أن نطرح على أنفسنا أسئلةً كثيرةً، أذكر من بينها، على الخصوص، "لماذا كرَّم الله، سبحانه وتعالى، الإنسانََ وميَّزه بالعقل على كثير من مخلوقاته الحية"؟
فهل يُعقل أن يهبَ الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان، دون أن يُحدِّدَ لهذا الإنسان غايةً أو غاياتٍ؟ وما يُستَنتجُ من حياة الإنسان، اليومية والعامة، هو أن خلقَ الإنسان له غايات متعدِّدة. من بين هذه الغايات، أذكر، على سبيل المثال، ما يلي :
1.وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان ليكون واعياً بوجود الله وبوجوده هو، كمخلوقٍ عاقل، وبوجود الأشياء المحيطة به في حياته الدنيوية.
2.وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان ليًشغِّله في تعمير أو إعمار الأرض، أولا بالفكر ثم بالعمل. ولهذا، فوعي الإنسانِ بوجوده وبوجود الأشياء المُحيطة به، ضروريان لإعمار الأرض من طرف الإنسان العاقل، طِبقاً لأوامر وتعاليم الله، عزَّ وجلَّ، الواردة في القرآن الكريم.
وعلى ذكر القرآن الكريم، الله، سبحانه وتعالى، لم يهب الإنسانَ العقلَ وتركه هائماً أو تائهاً على وجه الأرض. بل بيَّن له الطريقين، طريق الخير وطريقَ الشر، وترك له الاختيارَ لاتِّباع أحد الطريقين بمحض إرادته، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"(البلد، 10). والنَّجدُ، لُغَوِياً، هو الطريق.
فهل يُعقل أن يَتركَ، سبحانه وتعالى، الاختيارَ للإنسان لاتباعِ أحد الطريقين ويكتبَ عليه حياةً كلها حزنٌ وشقاء؟ في هذه الحالة، الله، سبحانه وتعالى، سيبدو ظالِما لعباده. وبالطبع، الله، عزَّ وجلَّ، لم يكن ولن يكونَ ظالِماً لعباده. بل الناس، باختيارٍهم لطريق الشر، هم من يظلمون أنفسَهم، مصداقا لقولِه، جلَّ عُلاه : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس، 44). إذن، الإنسان هو الذي يختار، إما الخيرَ و إما الشر. فهو، إذن، مسؤولُ عن اختيارِه وعن تصرُّفاته الدنيوية وهذا سرٌّ من أسرار مَنحِ العقل للإنسان.
وما دام الإنسان يتمتَّع بحرية اختيار أحد الطريقين، فليس هناك أي ضغط يخضع له هذا الإنسان. حينها يكون اختيارُه بمحض إرادته، وبالتالي، مسؤولية تصرُّفاتِه الدنيوبة تقع على عاتقه.
ولهذا، فمقولة "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله"، ليست منطٍقية، ما دام الله، سبحانه وتعالى، أعطى للناس حرية اختيار طريقَ الخير وطريق الشر. قد يقول قائلٌ كل شيء، على الأقل، في الأمور الدنيوية، يخضع للقضاء والقدر.
القدر هو تقدير الأشياء وعِلمُها المسبق من طرَف الله، سبحانه وتعالى، قبل حدوثها، مصداقا لقوله، عزَّ وجلَّ، في الآية الكريمة رقم 3 من سورة الحديد : "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".
أما القضاء، فهو الانتقال من العلم إلى خلق الأشياء لتصبح أشياء ملموسة مادياً أو معنوياً، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 40 من سورة النحل : "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ".
ثم ما بالُكُم في التغيير الذي يُحدثُه الإنسانُ، بإرادتِه، في مسار حياته؟ وهنا، سأعطي أمثِلةً من الواقع المُعاش. وفي هذا الصدد، كم هم كثيرون الفقراء الذين أصبحوا أغنياء، بطُرُق مشروعة. وكم هم كثيرون التُّجَّار الذين نجحوا في أنشطِتِهم التجارية، هم الآخرون، بطُرُق مشروعة. وكم هم كثيرون الناس الذين بلغوا أرقى الدرجات في مناصبهم وفي أبحاثهم وفي مبادراتهم الفردية والجماعية،..
وهذه التَّغييرات لا تُمطِرها السماء. بل الناس هم مَن قرَّروا إدخالَها على حباتِهم، وبالتالي، بذلوا ما يكفي وأكثر من الجهود لبلوغها. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "هل يستطيع الإنسانُ أن يُغيِّرَ ما كتبَه له اللهُ، سبحانه وتعالى، من حياة، بخيرها وشرها"؟
بالطبع لا، لا يستطيع الإنسانُ أن يُغيِّرَ ما كتبه عليه الله من حياة! بل الله، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 11 من سورة الرعد : "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ…إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ".
وهذه الآية الكريمة دليلٌ قاطِعٌ على أن الإنسانَ مسؤولٌ عن تصرُّفاتٍه اليومية. وكأنه، سبحانه وتعالى، يقول للناس، في هذه الآية : "أولاً، ما الفائدة في منحي لكم العقلَ، إذا لم تُشغٍّلوه لتُغيِّروا تصرُّفاتِكم في الحياة"؟ "ثانياً، فلا تنتظِروا مني أن أغبِّرَ تصرُّفاتِكم هذه، وإلا سيكون مَنحِي لكم العقلَ بدون فائدة".
وفي الختام، مقولةُ "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله" غير منطقية وتتعارض مع الإرادة الإلهية المُنمثِّلة في أن اللهَ، سبحانه وتعالى، خَلَقَ الإنسانَ حرا ومنحَه القعلَ ليُشغِّلَه عند اخيار إما طريقَ الخير وإما طريقَ الشر. فالإنسانُ مسؤول عن تصرُّفاتِه في الحياة الدنيوية.
والمسؤولية تعني، هنا، أن حريةَ الاختيار لا يجب، على الإطلاق، أن تُلحٍقَ ضرراً أو أضراراً بحياة الآخرين داخلَ المجتمعات البشرية. وهذا هو الخيرُ الذي أراده ويُريده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعبادِه أجمعين. والدليل على ذلك، أن الله، عزَّ وجلَّ، يقول، في الآية رقم 11 من سورة الرعد : "...وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ". في هذا الجزء من الآية الكريمة، المُشار إليها أعلاه، المقصود منه ليس الانتقام المجاني لأن الله أراد هذا السوءَ لقومٍ من الأقوام. بل المقصود منه، هو أن هذا القومَ أساءوا التَّصرُّفَ في حياتِهم الدنيوية، وبالتالي، لم يُحسِنوا المسؤولية، وليس لأن اللهَ أراد بهم سوءً، فسلَّطه عليهم. حاشا أن يتصرَّفَ هكذا، سبحانه وتعالى، مع مخلوقاتِه البشرية التي منحَها العقلَ لتكون مسؤولةً عن اختياراتِِها.
أما مسألةُ القدر والقضاء، فلا علاقةَ لها بممقولة "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله". بل إنها، أي المسألة، تنبيهٌ لعلم الله بكل ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر وما سيحدث في المستقبل، وللقدرة الإلهية على خلق ما علِمَه وما يعلمه حاضراً ومستقبلاً. وهذان العلمُ والقدرةُ على الخلق، هما ركنٌ من أركان الإيمان التي هي : الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره، بمعنى أن إيمانَ المسلمِ المُؤمِن لن يكون كامِلا إلا إذا آمَن، إلى جانب الأركان الأخرى. بالقدر خيره وشره.
ملاحظة : عادةً، القدر، كما هو مُبيَّنٌ أعلاه، يأتي،منطِقياً، قبل الضاء، كما هو مُبيَّنٌ أعلاه. والحديث عن الشر، في هذا الركن، ليس هو الشر كانتقامٍ إلهي، بل الشر كجزاء.
فهل شغَّلنا عقولَنا للوقوف، بعض الشيء، على هذه المقولة وأخضعناها لتحليل عقلاني ومنطِقي، وبالأخص، هل. تتلاءم مع ما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ لعِباده. وفي هذا الصدد، لقد سبق أن قلتُ، في عدة مقالات نشرتُها على صفحتي في الفيسبوك، أننا عندما نقرأ القرآن الكريم، قراءةً مُتأنّية، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، ما نستنتِجه من هذه القراءة، هو أن الله، عزَّ وجلَّ، يريد الخيرَ لعباده.
وانطلاقا من هذه الإرادة الإلهية، فإن رسَمَ، سبحانه وتعالى، حياةَ المسلم، فإنه سيرسمُها مليئةً بالخير علما أن حياةَ الناس، بصفة عامة، فيها ما يُفرح وفيها ما يُحزِن.
فإذا قمنا بهذا التحليل العقلاني، فمن الضروري أن نطرح على أنفسنا أسئلةً كثيرةً، أذكر من بينها، على الخصوص، "لماذا كرَّم الله، سبحانه وتعالى، الإنسانََ وميَّزه بالعقل على كثير من مخلوقاته الحية"؟
فهل يُعقل أن يهبَ الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان، دون أن يُحدِّدَ لهذا الإنسان غايةً أو غاياتٍ؟ وما يُستَنتجُ من حياة الإنسان، اليومية والعامة، هو أن خلقَ الإنسان له غايات متعدِّدة. من بين هذه الغايات، أذكر، على سبيل المثال، ما يلي :
1.وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان ليكون واعياً بوجود الله وبوجوده هو، كمخلوقٍ عاقل، وبوجود الأشياء المحيطة به في حياته الدنيوية.
2.وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للإنسان ليًشغِّله في تعمير أو إعمار الأرض، أولا بالفكر ثم بالعمل. ولهذا، فوعي الإنسانِ بوجوده وبوجود الأشياء المُحيطة به، ضروريان لإعمار الأرض من طرف الإنسان العاقل، طِبقاً لأوامر وتعاليم الله، عزَّ وجلَّ، الواردة في القرآن الكريم.
وعلى ذكر القرآن الكريم، الله، سبحانه وتعالى، لم يهب الإنسانَ العقلَ وتركه هائماً أو تائهاً على وجه الأرض. بل بيَّن له الطريقين، طريق الخير وطريقَ الشر، وترك له الاختيارَ لاتِّباع أحد الطريقين بمحض إرادته، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"(البلد، 10). والنَّجدُ، لُغَوِياً، هو الطريق.
فهل يُعقل أن يَتركَ، سبحانه وتعالى، الاختيارَ للإنسان لاتباعِ أحد الطريقين ويكتبَ عليه حياةً كلها حزنٌ وشقاء؟ في هذه الحالة، الله، سبحانه وتعالى، سيبدو ظالِما لعباده. وبالطبع، الله، عزَّ وجلَّ، لم يكن ولن يكونَ ظالِماً لعباده. بل الناس، باختيارٍهم لطريق الشر، هم من يظلمون أنفسَهم، مصداقا لقولِه، جلَّ عُلاه : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس، 44). إذن، الإنسان هو الذي يختار، إما الخيرَ و إما الشر. فهو، إذن، مسؤولُ عن اختيارِه وعن تصرُّفاته الدنيوية وهذا سرٌّ من أسرار مَنحِ العقل للإنسان.
وما دام الإنسان يتمتَّع بحرية اختيار أحد الطريقين، فليس هناك أي ضغط يخضع له هذا الإنسان. حينها يكون اختيارُه بمحض إرادته، وبالتالي، مسؤولية تصرُّفاتِه الدنيوبة تقع على عاتقه.
ولهذا، فمقولة "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله"، ليست منطٍقية، ما دام الله، سبحانه وتعالى، أعطى للناس حرية اختيار طريقَ الخير وطريق الشر. قد يقول قائلٌ كل شيء، على الأقل، في الأمور الدنيوية، يخضع للقضاء والقدر.
القدر هو تقدير الأشياء وعِلمُها المسبق من طرَف الله، سبحانه وتعالى، قبل حدوثها، مصداقا لقوله، عزَّ وجلَّ، في الآية الكريمة رقم 3 من سورة الحديد : "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".
أما القضاء، فهو الانتقال من العلم إلى خلق الأشياء لتصبح أشياء ملموسة مادياً أو معنوياً، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 40 من سورة النحل : "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ".
ثم ما بالُكُم في التغيير الذي يُحدثُه الإنسانُ، بإرادتِه، في مسار حياته؟ وهنا، سأعطي أمثِلةً من الواقع المُعاش. وفي هذا الصدد، كم هم كثيرون الفقراء الذين أصبحوا أغنياء، بطُرُق مشروعة. وكم هم كثيرون التُّجَّار الذين نجحوا في أنشطِتِهم التجارية، هم الآخرون، بطُرُق مشروعة. وكم هم كثيرون الناس الذين بلغوا أرقى الدرجات في مناصبهم وفي أبحاثهم وفي مبادراتهم الفردية والجماعية،..
وهذه التَّغييرات لا تُمطِرها السماء. بل الناس هم مَن قرَّروا إدخالَها على حباتِهم، وبالتالي، بذلوا ما يكفي وأكثر من الجهود لبلوغها. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "هل يستطيع الإنسانُ أن يُغيِّرَ ما كتبَه له اللهُ، سبحانه وتعالى، من حياة، بخيرها وشرها"؟
بالطبع لا، لا يستطيع الإنسانُ أن يُغيِّرَ ما كتبه عليه الله من حياة! بل الله، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 11 من سورة الرعد : "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ…إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ".
وهذه الآية الكريمة دليلٌ قاطِعٌ على أن الإنسانَ مسؤولٌ عن تصرُّفاتٍه اليومية. وكأنه، سبحانه وتعالى، يقول للناس، في هذه الآية : "أولاً، ما الفائدة في منحي لكم العقلَ، إذا لم تُشغٍّلوه لتُغيِّروا تصرُّفاتِكم في الحياة"؟ "ثانياً، فلا تنتظِروا مني أن أغبِّرَ تصرُّفاتِكم هذه، وإلا سيكون مَنحِي لكم العقلَ بدون فائدة".
وفي الختام، مقولةُ "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله" غير منطقية وتتعارض مع الإرادة الإلهية المُنمثِّلة في أن اللهَ، سبحانه وتعالى، خَلَقَ الإنسانَ حرا ومنحَه القعلَ ليُشغِّلَه عند اخيار إما طريقَ الخير وإما طريقَ الشر. فالإنسانُ مسؤول عن تصرُّفاتِه في الحياة الدنيوية.
والمسؤولية تعني، هنا، أن حريةَ الاختيار لا يجب، على الإطلاق، أن تُلحٍقَ ضرراً أو أضراراً بحياة الآخرين داخلَ المجتمعات البشرية. وهذا هو الخيرُ الذي أراده ويُريده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعبادِه أجمعين. والدليل على ذلك، أن الله، عزَّ وجلَّ، يقول، في الآية رقم 11 من سورة الرعد : "...وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ". في هذا الجزء من الآية الكريمة، المُشار إليها أعلاه، المقصود منه ليس الانتقام المجاني لأن الله أراد هذا السوءَ لقومٍ من الأقوام. بل المقصود منه، هو أن هذا القومَ أساءوا التَّصرُّفَ في حياتِهم الدنيوية، وبالتالي، لم يُحسِنوا المسؤولية، وليس لأن اللهَ أراد بهم سوءً، فسلَّطه عليهم. حاشا أن يتصرَّفَ هكذا، سبحانه وتعالى، مع مخلوقاتِه البشرية التي منحَها العقلَ لتكون مسؤولةً عن اختياراتِِها.
أما مسألةُ القدر والقضاء، فلا علاقةَ لها بممقولة "ما تْمْشِي غِيرْ فينْ ما مشاك الله". بل إنها، أي المسألة، تنبيهٌ لعلم الله بكل ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر وما سيحدث في المستقبل، وللقدرة الإلهية على خلق ما علِمَه وما يعلمه حاضراً ومستقبلاً. وهذان العلمُ والقدرةُ على الخلق، هما ركنٌ من أركان الإيمان التي هي : الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره، بمعنى أن إيمانَ المسلمِ المُؤمِن لن يكون كامِلا إلا إذا آمَن، إلى جانب الأركان الأخرى. بالقدر خيره وشره.
ملاحظة : عادةً، القدر، كما هو مُبيَّنٌ أعلاه، يأتي،منطِقياً، قبل الضاء، كما هو مُبيَّنٌ أعلاه. والحديث عن الشر، في هذا الركن، ليس هو الشر كانتقامٍ إلهي، بل الشر كجزاء.