نرى شخصيات مجدى جعفر فى هذه المجموعة القصصية (1) تجاهد ، وتقاوم الشيطان والدنيا ؛ طالعة من عنت الحياة ، ومشاق الرحلة نحو آفاق التجلى الروحى ، تستحيل الكتابة عندئذ فعلا حيويا نشطا خارجا من بطن الكلام إلى ساحات الرؤى ، رؤية ماخفى ، ما استتر ،
يهشم الإنسان حواجز المألوف والعادى ، الظاهر الكاذب لطبقات الحياة مقتربا من أسرار الحقيقة الكامنة داخله..
وتتفاعل قصص [ الزيارة وتحولات الرؤى ] مع العوالم الصوفية مانحة النصوص مساحات من الرؤى التى تسمو بالروح وتفتح لها مستويات تخييلة كبيرة .
وزع الكاتب مجموعته على أربعة أقسام هى (الزيارة ـ تحولات الرؤى ـ انكسارات الرؤى ـ رؤى قصيرة جدا ) الأول والثانى يحتوى على قصتين قصيرتين تصلان إلى ما يقرب من ص 64 . والقسم الثالث يحتوى على ثمان قصص من قصص البدايات ، أما الرابع فهو بوح شعرى على نمط قصيدة النثر .
مشهد البدايات
ثمة بون كبير فى تواريخ تذييل القصص ، أكثر من ربع قرن من الزمان ، على كتابة القسم الثالث ( انكسارات الرؤى ) والأقسام الأخرى، والقصص دشنت لمشهد كبير ضرب بمعوله فى الهجرة الكبيرة لخيرة من شبابنا ، بعد فترة الانفتاح وما تلاها حيث بدأت سحب التغيير تضرب فى تربة الوطن ، ونتجت عنها أمراض شديدة القسوة ، حين سقطت الطبقة الوسطى ، واهتزت أركان المجتمع إثر ظهور الأمراض الاستهلاكية ، وقبع الموظف والفلاح ...... فى مؤخرة السلم الاقتصادى ، فكان طبيعيا أن يكون السفر حلا ، ومطلبا لتلبية رغبات الزوجة فى قصة ( حكاية مصرية ) ، العنوان ذاته الذى يجمع بين مفردتى حكاية ، ومصرية ، عنوان دال على تفشى الظاهرة واندلاعها فى شتى الأرجاء مما جعل منها حكاية ، وبما تحويه الحكاية من أحداث ومتاعب استعدادا للسفر ، بالإضافة لمشقة الغربة ونكباتها ..
الزوجة صارت متبرمة ، من حياة الوابور ، والبيت الضيق والراتب الذى ... أردفت قائلة بضيق وحسد : أم محمد الدلالة عندها جميع الأدوات المنزلية ، بهية زوجة فتحى الفكهانى عندها تليفزيون ملون ، عنايات قبل ما تدخل زوجها على إبراهيم السباك اشترى لها فيديو " الزوج أيضا تلطمه الأخبار فى الجريدة التى بها يدفن بها وجهه ، عن تبرعات خيالية من أثرياء لجماعة الرفق بالحيوان ، يؤثر الصمت ويتحاشى مواجهة الزوجة ، يمد حبال التأنى ويحاول التعايش ، فى ظل التحولات السريعة من حوله وتحلل طبقته التى كانت لها وجودها المتحقق..
وإذا كان الزوج هنا يرجئ خطوة السفر ، غير مصدق للحالة التى أصابت زوجته والمجتمع من حوله، ، فالزوج فى قصة الخروج يوافق على سفر زوجته للعمل ، موافقة مستكينة باهتة كما وصفته أمه ( ملامحك هى ملامح أبيك ولكن ملامحك باهتة الظلال ) .. يقيم الكاتب فى هذه القصة علاقات تقابل عديدة تسير فى خطوط متقاطعة على طرفى نقيض هما الماضى والحاضر ، الأم هى الماضى بأصالته وقناعته بأن الحياة ليست فى جمع الأموال لكن فى الرضا والقناعة ، وتتردد على لسانها ، لا يملأ عين ابن آدم غير التراب ، بينما الزوجة هى الحاضر بتطلعاته الشرهة ، وفى نهاية القصة يكون الخروج رمزا لافتراق الزمنين واتساع الهوة بينهما حيث تخرج روح الأم وتحمل نحو مثواها الأخير فى ذات اللحظة التى تقلع فيها طائرة الزوجة ، إن التقاطعات الزمنية فى هذه القصة دالة ، والإشارات للإنسان صاحب المبدأ ، متمثلا فى الأب الذى وجد كنزا بأرضه ، وسلمه للحكومة ، يعيش فقيرا ويموت مأزوما بعد رحلة سفر خائبة ، من قبل ؛
الأنثى تحس أسرع بالتحولات ، هى الدافعة للسفر ، وهى مصدر التحولات فى مشهد البدايات ، بينما تستحيل إلى رمز كبير فى قصة الزيارة ،
يولى الكاتب اهتماما ملحوظا لدور الأنثى فى قصصه خاصة فى القصص التى تعرج على القرية وتتخذ منها مكانا وفضاء نصيا ، يدرك دورها ، ومكانتها ، تربى وتكدح ، وتقوم بدور الرجل فى حالة فقدانه ، فتربى صغارها ، لتنتج للمجتمع شخوصا حقيقية فاعلة .. يحصل البطل على بكالوريوس تجارة بتقدير ممتاز ، فى قصة ( مصرى 2 ) وتتطور المفارقة أكثر لتفضح مرضا مستوطنا فى مجتمعاتنا ،، حيث يتم تعيين ابن العميد الذى يليه فى التقدير بدلا منه .. ويكون السفر الذى إليه البنت حبيبة القلب حلا لأزمة البطالة التى يعانى منها ، وفى الكويت يجد بلدا دمرته الحرب مع العراق ويسقط فريسة للبطالة مرة أخرى فى الغربة .. وتتزوج الحبيبة وتسافر أيضا للسعودية
إن الكاتب ضيق الظروف على البطل واحتشد بالتحولات التاريخية من حروب ودمار ليقدم انعكاسا فنيا ودلاليا لمعانة الإنسان داخل الوطن وخارجه
الأفراد يشكلون الحياة داخل المجتمعات والأحداث التاريخية تشكل مصير الأوطان ، والأوطان لا تفتح ذاراعيها لأبنائها، فيكون سفر الكفاءات من أبناء الوطن خلاصا من هذه الأمراض التى تعمل على إجهاض وتغريع المجتمع من شخوصه الحقيقية، ومعانيه الحميلة ؛ يصبح السفر خيارا أخيرا لا مفر منه ، يحمل فى طياته الأمل ، والهزيمة كما فى قصة مصرى 2 الذى تحاصره الخيانة
خيانة الحبيبة وزواجها ، وخيانة الكفيل بالبلد التى سافر إليها ، وخيانة الوطن بتعيين ابن العميد مكانه ..
قصص هذا المشهد تنم عن أحوال وحالات من التجريف للإمكانيات والطاقات لا تقل الآن عن جرائم إهدار المال العام ..
تم انتقاء قصص هذا المشهد بعناية لتعكس زوايا متعددة لما يحدث فى المجتمع من تحولات تؤثر سلبا على الشخوص المترعة بأحلام بسيطة وإنسانية للغاية لكنها فى نفس الآن صعبة المنال نرى ذلك فى قصة (لماذا) .. بعد بداية حالمة لفتاة تعمل مدرسة للغة الإنجليزية ، وفتى يعمل مدرسا للموسيقى يصعب عليهما تكوين عش للزوجية فتصيبها رياح التغيير ، لم يفترقا كما تكرر المشهد فى قصص لكتاب آخرين ولكنهما تحايلا على الظروف وقبلا الرهان القاسى فصارت الفتاة تعطى الدروس الخصوصة ، وتهدد الطلاب بدفتر الدرجات وصار الفتى وراء الراقصات يعمل فى الأفراح والصالات ؛ هذا التحول ، بل التدنى الذى وصلا إليه مرجعيته الظروف التى دفعا إليها دفعا ،
إنسان القصة داخل هذا المشهد محاط بمواضعات وظروف خارجة عن إرادته ، تهدر أحلامه ، وتقتص منه ، استحال كائنا غريبا داخل مجتمعه ، هذا الطرح يلقى بظلال كابية وصور لا أقول كابوسية بقدر ما تستتبع تحولا مضادا من ذات الشخوص
نرى ذلك متجليا أيضا فى قصة الصرماتى وهو نموذج للشخوص التى تمكنت من الاستفادة من المرحلة ، بالخداع والسرقة وتبديل الأقنعة حسب كل مرحلة حيث بدأ لصا للأحذية من المساجد وانتهى به الحال إلى صاحب محل للأحذية ، إن الأحداث التاريخية من هزيمة لانتصار لانفتاح تمثل لحنا جنائزيا صاغه الكاتب بشفافية عالية موضحا كيف استحال الصرماتى من لص فى بدء القصة إلى صاحب محل ورمز للمرحلة بكل ما يمور داخلها من تحولات سريعة وقاسية
مشهد الرؤى
فكرة المشهد تستفيد من السينما بشكل كبير ، حيث يتبدى السرد كلقطات متتابعة تتكئ على الجانب البصرى الذى يقوم بدور كبير فى الملاحظة ومن ثم تتشكل الرؤية ، وتتولد الدلالة ، فالرؤية هنا رؤية بصرية محتشدة بتفاصيل الحقيقة ، آخذة منها روحها وتجسدها ، فهل كان المشهد البصرى الذى بنيت عليه قصة تحولات الرؤى يجسد البعد الحقيقى للشخصية المسرود عنها ؛ الأستاذ تمام أم أنه ثمة رؤى وتكشفات ، ووعى آخر يبتعد بشكل كبير عن تفاصيل الواقع ، ويفتح أبوابا لا تعد من التأويلات ..
نعم تطرح القصة عالمين يتجاوران ويتبادلان أدوراهما وتأثيريهما ولا يمتزجان إلا فى قصة الزيارة .
الرؤى الروحية الكاشفة والرؤية البصرية نقيضان يقتربان ويتشكلان على يدى الكاتب فى القصتين ( الزيارة ، وتحولات الرؤى ) حيث نرى العالم الواقعى بتفاصيله ومعطياته وماوراء الواقعى يتمثل فىالقدرات الخاصة لبعض الشخوص التى زهدت فى الوقع وألاعيبه وأمراضه وقررت أن ترى عالمها الخاص عبر مجاهدة النفس والشهوات الدنية ، مع إطلاق الطاقات الروحية لقراءة ما وراء الواقعى ، سائرة على درب الصوفيين ولا أجد ضرورة فى التطرق لأئمة الصوفيين وطرقهم ومذاهبهم ، قدر ما يهمنى البعد الأدبى والدلإلى الذى حملت عليه شخصية الأستاذ تمام فى هذا المشهد القصصى البديع ، مشهد الرؤى
يهتم الكاتب بتاريخ الشخصية فى كل قصصه عبر منح القارئ جمل قصيرة ، دالة ، تعبر كإشارات برقية سريعة ، وتلك الإشارات البرقية كانت فى المشهد السابق أو قصص البدايات ، لكنه فى قصة تحولات الرؤى يتوقف مليا ليمنحنا قسطا كافيا لمعرفة التاريخ السابق للأستاذ تمام الذى جمع كل النقائض ولم يسقط فى فخاخ العادى أو تستلبه الحياة بشهواتها ، هو مدرس الفلسفة ابن أحد الأثرياء الذى ترك له والده عشرات الأفدنة وكان من الممكن أن يكون نمطا عاديا فلا يشغل هذه المساحة من السرد داخل هذا النص ،
الكاتب المجدد فقط هو من تجتذبه حاسته الفنية فى التقاط غير العادى الاختلاف مع المعطى الواقعى يجعل للنصوص الأدبية مذاقها الخاص وهذا ما يفسر عجائب الأحداث وغرائب الأطوار فى الحكاية الشعبية ، طبيعة المجتمعات الشرقية تهوى الحكى والغريب ، والطريف ، ويتجسد ذلك فى تراثها النثرى
الأستاذ همام شخصية عركت الحياة ، وانتحت بعد ذلك جانبا عن عمد ،فأرسل رئيس التحرير (الصديق القديم للأستاذ ) صحفيا وكاتبا وبلديات الأستاذ همام ، هو الأستاذ عبدالله النهرى ليتقصى حقيقة ما أشيع حول الأستاذ همام وعلاقته بإسرائيل وموضوع التطبيع ، " حدثه رئيس التحرير عن علاقة الأستاذ بالناصريين والشيوعيين والساداتيين ، والإخوان المسلمين ، عن علاقته بإسرائيل كأول من قام بالتطبيع مع العدو !!
عن محاولاته فى الرواية والمسرحية ، وإنشائه لفرقة مسرحية ، عن بيعه لأرض أبيه فدانا وراء فدان .. عن نزقه وطيشه ومغامراته " ق تحولات الرؤى
إذن هو شخصية واقعية جربت الحياة وتوفر لها حرية الاختيار، فلم تقع تحت وطأة العوز المادى كما عانت شخوص ( انكسارات الرؤى ) فى مشهد البدايات ،
يقترب منه الراوى الأستاذ عبدالله النهرى يجده يقرأ كتابا ، ولم يفلح فى إجراء الحديث الصحفى معه ، لأنه اضطر مرغما لاحترام خلوته ،وصمته ساعات طويلة انتهت بقيام الأستاذ همام بخلع ملابسه والاستحمام فى النهير الجارى ثم الإطالة فى الصلاة ، وعلى مهل ألقى الكاتب بدربة ومهارة قارئه فى أتون المشهد البصرى ، مجسدا ملل الصحفى ، وإمعانه فى التأنى وتأمل الأستاذ همام لتتكشف الشخصية للقارئ رويدا رويدا ، لنجد أنفسنا منزلقين فى مشهد الرؤى ، يحتل الأستاذ مكانة كبيرة فى نفوس أهل العزبة ، ويستدعى الكاتب من ذكريات الماضى ، مع نتف صغيرة عن غرائب الأستاذ حين مزق الكتاب المدرسى رافضا الأطر الضيقة لتعليم الطلاب، ثم قفزه من فوق السور فى أول يوم له بالمدرسة كمعلم، يتضافر الماضى مع الرصيد المعرفى الذى جاء به الصحفى لتلطمه حقيقة الأستاذ أنه يصلى ويتضرع وليس شيوعيا ، ثم يصحبه بعد انتظاره ست ساعات تقريبا ، يمنحه بعض المعارف حسب فراسته بأنه صحفى ، ومؤكد أنه لا يكتب الشعر ، لأنه لم يكن متبرما ، مؤكد أنه يكتب القصة أو الرواية لأنها تحتاج الدأب والصبر ، . ويكتشف الراوى أن كل دور العزبة تعد دارًا له وكل ناسها أهله هو إذن لم يخسر فدادينه ، لأنه كسب ناس العزبة؛ يخيَّره فى نوع الطعام الذى يحب تناوله ويدخلان الدار المناسبة حسب حاسة الشم ورائحة الطبيخ ، يلاطف الأولاد والمرأة وزوجها ، هو المعلم والأب ، والجد ، هو التاريخ الراسخ فى وعى الأمة مهما حاولت الميديا الإعلامية تشويهه ، وجعلت من تاريخ هذه وشخوص هذه الأمة إرهابيين ومخادعين وخونة ، الكاتب يزيح الستار عن عالم خفى قار فى أرواح جاهدت النفس والشيطان والرغبات الدنيا واقتربت من الله ، دلفت على مهل إلى عالم الرؤى والاصطفاء والتجلى ، ارتقت درجات ومدارج الزهاد العابدين سعيا نحو اكتشاف الحقيقة الأبدية ، للحياة ومابعد الحياة ، حيث يتداخل عالم الرؤية مع عالم الرؤى والشهادة ، ثمة توظيف متميز لخلاصة العالم الصوفى والتراث الدينى ، يشاهد الصحفى بعينيه ما لا يصدقه عن القدرات الخاصة للرجل فى الخص ، وكيف سخر له الله الطيور والحيوانات ، وانتزع خصيصة العداء الدنيوى بين المخلوقات ، شاهد بعينيه القطة بجوار الكلب ، والئب بجوار الحمل يجتمعون فى خص الرجل فى محبة ، ووئام ( فوجئ عبدالله / الصحفى / بأفعى تحمل منقدا عليه أخشاب شبت فيها ألسنة النار ، كاد أن يقع قلبه فى رجليه ، لو ؟أن استحضر بعض شجاعة وثقة ، وتماسك ، والذئب يحمل كيزان أذرة فض غلافها ووضعها على النار التى خمدت ، والطير يخفق بأجنحته على النار )
لا يقدم الكاتب أحداثا عجائبية قدر ما يدشن للمرتبة التى ارتقى إليها هذا الرجل البسيط ، الذى أنبأ الراوى/ الصحفى عن اسم جدته التى احتلت من قبل مكانة كبيرة ، فى هذا العالم ، ونصحت الأستاذ من قبل ولم يسمع لها فتأخر فى درب الوصول ، مع الوقت يسير الراوى على نهج خطى سيدنا موسى والخضر ،مستخدما جملا تعمل كإشارات دالة تحيل إلى مدلولات دينية وتراثية ؛ وتتعد المشاهدات والعجائب ، ولا ينسى ما جاء إليه وهو الحصول على تدوينات الأستاذ همام والتعرف عى أرائه للإيضاح للميديا التى اختلقت عليه الأكاذيب ، يصل الراوى فى نهاية النص هو الآخر لمستوى جيد من المعارف والرؤى، والسائر على هذا الدرب عليه أن يجاهد النفس والشيطان ويبتعد عن الدنايا، ليأخذ أول السلم نحو الارتقاء والكشف
لم يتعمد الكاتب أن يشحن قصته بعوالم غرائبية قدر ما حاول أن يزيل الستار عن وجود آخر للروح يتحقق حسب ما يختار الإنسان إما الضياع فى خضم تفاصيل عالم الواقع أو المجاهدة والارتقاء بالنفس إلى عالم يحفل بالمحبة ويتخلى عن أمراض وبراثن النفس البشرية .
مشهد الكشف
عاد عالم قصة تحولات الرؤى وألح على الكاتب فكتب قصته الزيارة ،
وبنفس شخصية الراوى ( عبالله النهرى ) ليجهل منها بطلا لقصته ويخلق رؤية روائية لعالم مجموعته ، كأن هذه القصة رمانة الميزان بين مشهد البدايات ومشهد الرؤى ، وهى استكمال لرؤية الكاتب لعالم الذى استلبته المادة واستوطنت به أمراض عدة ألمت بالنفس البشرية وألقت بها فى غياهب الغربة والغيرة الحسد ، وبيع النفس تلبية للأهواء والمصالح
عبدالله النهرى بطل قصة الزيارة بعدما صار صحفيا شهيرا وروائيا كبيرا ، باع نفسه لملذات الحياة ، لا يكتب إلا عن الأثرياء ومصالحهم ونسى مشروعه وتناسى مصالح العامة، ففقد القلم مصداقيته ، بعدما فقد الكاتب غايته ، خاصمه القلم والإبداع .
كان لابد من لطمة تفيقه قام بها الكاتب حين وضع فى طريقه خطابا من أربع كلمات ( صديقك سعيد صبرى يحتضر ) هذه اللطمة جاءته بعد فشله فى ممارسة الجنس مع سكرتيرته ، ليفيق على ذكرى خيالات قديمة ، كان يستحضر خلالها سلوى زوجة صديقه الذى يحضر الآن
يقدم الكاتب مقابلة بين عالمين أيضا وشخصيتين جمعتهما الصداقة فى الماضى.. الكاتب المنفلت والصديق الملتزم تتوسطهما سلوى زوجة الصديق .
سلوى أيضا ذات قدرات دينية وروحية خاصة تفوق الأستاذ همام فى قصة تحولات الرؤى وكأنها أيضا سيدنا الخضر الذى يقود سيدنا موسى إلى عالم الكشف ، اكتشاف ماوراء الواقعى ، من خلال مشهد واقعى بصرى ،
تعب الراوى البطل فى إخراجه لأنه اعتمد أدوات فنية متعددة فى إخراج القصة فى إطار من الواقعية ، حتى تمكن من هضم عالم الرؤى وسحبه بمهارة فائقة إلى حيز الواقع / البصرى المسرود
ولكى يؤكد لنا الكاتب أن الشخصية الراوية يعمل أدبيا وروائيا ، استعان بحيل أسلوبية وفنية ذادت النص إثارة ومتعة حيث قدم مشهد الزيارة من خلال تقنية التقطيع السينمائى ، وتم عرض المشهد من خلال رؤية بانورامية مزجت بين أحداث الماضى وتحولات الواقع ، ولم يكن يشغلنا إلحاف الراوى بأن ما يسرده واقعيا وهو ماحدث له بالفعل قدر ما يهمنا توليد الرؤية الفنية من خلال جمع الدلالات النصية .
كانت زيارة أستاذ عبدالله النهرى غير بريئة فى البدء لأن الرسالة جاءته فى توقيت صادم ولحظة انهيار ، لحظة أحس بفقدان قدراته الجنسية على قيادة عالمه ، وسلوى كانت حافزا استثار رغباته القديمة فيها من خلال ما كان يحكيه عنها صديقه الذى يحتضر .
تأخذ سلوى كل ملامح الأم الصابرة المجاهدة من أجل زوجها المريض كأنها فى صبرها النبى أيوب ، احتملت وجاهدت الفقر والمرض ، وفى صبرها ولجوؤها إلى الله صارت العارفة المتصوفة الرائية بعين البصيرة لا البصر ، هى وعبدالله النهرى الكاتب الشهير شخصيتان متناقضتان ، اجتمعتا فى مشهد الزيارة فكان من الضرورى أن يتنافران ، وعند اقتراب الراوى من عالمها ، واصطدامه بعالم آخر فيه من العناء والمكابدة والعشق لزوجها المريض يكتشف قدر دناءته وضياعه ، ويتخلى عن رغباته فى سلوى ليترك لها قيادة المشهد ويتبعها ليتعلم منها ، ينفتح العالم أمامه فيرى مقدار بؤس عالم الفقراء ، وكيف سبلهم المرض كل محتويات البيت ، لكنهم ليسوا فقراء ، إذا قورن ما يمتلكونه من قدرات دينية وروحية خاصة ، مقابل الخواء الروحى والدينى الذى يعانى منه البطل ؛ نرى أن الله لا يتخلى عنهم برحمته ، ينبثق النور من أحرف المصحف الذى تقرأ منه سلوى لزوجها ، تنتابه فى البداية حمى الشهامة فينادى بعلاج صديقه وتسفيره للخارج ، لكنه جاء متأخرا والزوجة صابرة ، ويتبين لنا أنها دعته تلبية لرغبة زوجها ، صديقه المحتضر فقط ، ولتكشف له حقيقة ما وصل إليه من فساد ، صارت الأنوار فى المصحف تنطفئ عندما يمسك به ليقرأ ، ابتعد كثيرا وتاهت ملامحه فى براثن الفساد ؛
وتنتهى القصة نهاية أسطورية فلما غفا متعبا من تناوب القراءة فى المصحف مع سلوى صحا فلم يجدها ، ولم يجد صديقه لكن بقيت البيضة الثالثة التى كانت نصيبه لم تزل ساخنة .
لعبت العناوين الجانبية ( قطع المشهد ـ استدراك ، ملحوظة ـ عودة إلى المتن ـ هامش صغير ـ عودة إلى المتن مرة أخرى ـ حاشية ـ عودة مرة ثالثة إلى المتن ـ عودة إلى سلوى ـ رؤى ، الرؤيا الأولى ، الرؤيا الثانية ، الرؤيا الثالثة ) دورا فاعلا فى إضافة الإثارة والتشويق الضرورين لتهيئة القارئ
بالإضافة إلى خلق ميكانيزم خاص لإدارة المشهد من قبل البطل الشخصية الراوية ، ليعم بها وجوده فى النص ككاتب مستعينا بقدراته التقنية ، ومستندا إلى أراء النقاد مل ( رولان بارت الذى تحدث عن موت المؤلف )
كل هذا يعد الإشارات الدلالية التى اعتمدها الكاتب ، فى كسر الحاجز الوهمى بين فعلى الكتابة والقراءة أو الرسالة ، والمرسل إليه ، مع جذب القارئ إلى أشراك وفخاخ التقنيات وآليات التشكيل والبناء الفنى للنص وتعدد طرائق التلقى ، يمنحا عدة أبعاد منها ،
أنه حسب تاريخه السردى ، أوشك على على الإفلاس إبداعيا ، فأعادته الزيارة إلى كتابة ذلك النص الفريد ، ثانيا اعتماد الكاتب على مقولة موت المؤلف عند بارت توحى بانفتاح آليات التأويل لدى القارئ ، وثمة غاية خفية وراء ذلك ، يدعمها كثرة القسم على أن ما يحكيه لنا هو الحقيقة ، تلك الغاية هى أن يصدق القارئ بوجود عالم روحى صوفى ، يمكن أن يتهيأ للإنسان إذا اعتمد على مجاهدة النفس ، والتخلى عن الصغائر واصلا عبر درب السالكين إلى مستوى التصديق بمشاهد الرؤى ، والتجليات ،
أبدا لم تدعو القصة إلى الزهد والابتعاد عن تفاصيل الواقع ، بقدر ما تدعو للنقاء ، والتسامح ، وهذه رسالة الفن فى كل زمان ومكان
مشهدى الرؤى الكشف أفادا من التجربة الصوفية وتمكنا من طرها فى قصتى الزيارة وتحولات الرؤى ، وكان يكفى المجموعتة هاتين القصتين لتسوى ، وتحمل مبررات وجودها إلا أن الاعتماد على قصص البدايات كانت تعد الركيزة أو القواعد المؤسسة للولوج إلى هذا العالم الروحانى الشفيف
اعتمد الكاتب على توظيف قصة سيدنا يوسف مع سيدنا الخضر فى قصتى الزيارة وتحولات الرؤى كإطار خارجى للسعى وراء المعرفة بما تمثله من غرائبية ، عن المألوف وتنسجم تماما مع المعطى الصوفى .
اعتمد مجدى جعفر فى هذه المجموعة على الاستفادة من عاملى الزمان والمكان .. فى تأطير المشهد القصصى، وتحديده ففى تعامله مع الزمن الخارجى نكاد نلمس فى مشهد البدايات الحقبة الزمانية منذ أواسط السبعينات وانتشار حمى السفر إلى البلاد النفطية ، وصولا غزو العراق للكويت ، وللكاتب فى هذه المرحلة ( الغزو ) رواية باسم أميرة البدو ، كما احتل السفر شطرا ليس بالقليل فى مجموعته " أم دغش "
تركت هذه الحالة لدى الكاتب رغبة ربما تكون تبريرية أو إيضاحية ، تمثلت فى قصتى ( الزيارة وتحولات الرؤى ) ،
هل كان الكاتب يبحث عن عالم آخر أكثر رحابة للروح ، من أجل البقاء والعودة ؟؟؟
تساؤلات تنبثق ـ لا محالة ـ إزاء تجاور المشاهد الأربعة فى هذه المجموعة التى قمت باستبعاد المشهد الرابع المسمى برؤى قصيرة جدا لأننى وجدته غير منسجم مع الطرح الدلإلى للمجموعة ؛
أما عن الزمن السردى فقد سعادت العناوين الجانبية فى خلق مشهد مركب تفاعل فيه ماضى الشخصية الحاضر مما منح القص ظلالا ساعد أيضا المكان فى تشكليها وتوحد العاملان ( الزمان والمكان ) وانسجما فى لحمة السرد بتقنية عالية
نراه أيضا يعتمد على موتيفة تكرار وحدات زمانية بعينها فى إنتاج الدلالة فى قصة ونجم إذا بزغ ، ونجم إذا هوى ( الليل فى عزبة "...." طويل ..طويل ) تنتهى القصة على استغل الشيخ لهذه الظلمة ، المتسعة بحجم الجهل والمرض والحاجة فى عمل الأحجبة والعملات وبيع لبن ماعزه بدعوى أنها لبنها مبارك .
ويوظفه أيضا فى انتقالات سريعة ، أو لقطات متتابعة من حياة ومشوار الصرماتى فى قصة بذات العنوان .. هذه الوحدات الزمانية المتتابعة تتراوح بين الماضى والحاضرة فى معظم مسرودات الكاتب ، وهو يجيد هذه الانتقالات بمهارة كبيرة .
أما المكان فإننا نشم رائحته وحف بالشخوص ويشكل ملامحهم وطرائق وعيهم ، نحس به كخلفية حاضرة ومؤثرة فى بناء النص ، يتجلى فى قصتى تحولات الرؤى والزيارة حتى أننا نشم رائحة الليمون ونتذوق مع الشخوص طعمه
ومعظم شخصيات مجدى جعفر تقف على أرض صلبة ، لها ملامح وتاريخ وحاضر ، تحظى بجمل قصيرة كاشفة ، وتتحرك وفقا لموروثاتها ووعيها وقدراتها الخاصة .. لتساهم فى تشكيل المشهد الانسانى بكل ما احتوه من تحولات ؛ ورغبات ورؤى كاشفة
ــــــــــــــ
- هامش
خيول أدبية ـ مطبوعات محافظة الشرقية ـ 2006م