د. أيمن تعليب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة (رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان

من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل في الفن عموما وفن القصة القصيرة خصوصا مسألة فى غاية التعقيد والصعوبة لايستطيعها غير فنان متعدد القدرات التشكيلية والتوصيلية معا،كاتب قادر على السيطرة على أدوات فنه النتيجة الطبيعية للسيطرة على مطارح رؤاه وتطوحات أخيلته.
ونحب أن ننووه منذ البداية إلى أن فن القصة القصيرة فن مرهف مراوغ لا يستطيعه إلا من أوتى قوة الخيال وبراعة السرد وجزالة الأداء وسلاسة الروح، فالقصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة،ولاألفاظا منسقة ،ولاأحداثا لافتة ولا حركة عنيفة، ولاعقدة دقيقة، ولا حبكة متينة ،بل هى همسة،أو لمسة حقيقية أو دمعة أو مسقط ظل أو إشعاع ضوء، ومن هنا كانت الصعوبة الجمالية التشكيلية الشائكة لدى كتاب القصة القصيرة. فإن أي خلل في شكل القصة القصيرة يؤدى إلى سقوطها بالكلية لأنها فن التكثيف اللغوى والتقطير الدلالى والتقشف التشكيلى، وإن أي خلل وإن دق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفني للقصة، الخلل هنا لا يجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بالانسجام الجمالى والدلالى لمكونات التشكيل والتوصيل معا وكلاهما نتيجة طبيعية لاضطراب الرؤية لدى القاص فهى مشوشة لم تتبلور بعد في روحه ولم تنضج في لغته.
ولعل الذى دعانى أن أبدأ مع القارىء الكريم بهذه المقدمة قراءتى لقصة القاص الكبير الدكتور سيد شعبان المعنونة ( رجل يحرس الوطن) حيث تجلى مفهوم الشكل في القصة القصيرة في أبهى حلة وأدق تشكيل وأوجز توصيل إلى الدرجة التي جعلت من شكل القصة شكلا للرؤية نفسها التي أبدعها الكاتب.
بنى الكاتب شكله الجمالى والدلالى عبر ثلاث حركات لرجل يحرس الوطن، فقد استطاع الكاتب أن يبنى جملا قصيرة خاطفة بارقة لا يجمعها جامع سوى قدرة التخييل والترميز حيث يقود اللاوعى الجمالى الوعى التشكيلى فاتحا عبر كوى الخيال نوافذ رمزية لدلالات لاتنتهى،يبدأ الكاتب قصته بهذه الفقرة الرمزية الكثيفة
(منذ فترة تعاودني حالة من الخوف أنظر وجهي في المرآة فأجد أحدا غيري؛ عندما أحرك مقعدا من مكانه؛ يعود مرة ثانية؛ أسمع وقع خطوات في الحجرة المجاورة؛ يغلبني النعاس؛ تتحرك الجدران؛ تتراقص الأفلام؛ أردد الأدعية؛ تخرج من النافذة ثيابي؛ أدير مؤشر الإذاعة فأسمع صوتا يخرج من التلفاز يسخر من تلك الكلمات التي أدونها؛ حاولت الخروج من تلك الحالة؛ أخشى أن أصير خيال المآته؛ يبدو هذا لامفر منه؛ تراني النسوة في المدينة مثيرا؛ ألقت واحدة منهن بحبة برتقال أصابت وجهي؛ التفت إليها فإذا هي عرجاء؛ حين أمر من بوابة المدينة يطلب الرجل ذو النظارة السوداء بطاقة هويتي؛ يكاد يموت من الضحك؛ يشير إلى زميله؛ هذا الرجل بدون رقم؛ يطلب مني أن أخلع سترتي؛ ثمة وشم على ظهري؛ يشير إلى أنني كائن لاظل له!)
منذ اللحظة الأولى للقصة يتوطن الخوف،وهنا انفصلت الذات عن وجودها وانشرخ الوجود نصفين متصارعين لا يلتئمان أبدا، وهنا تتجلى البراعة البنائية منذ الكلمة الأولى للقصة،فمن هذه البداية المنشرخة سوف تتخلق أول بذرة لحالة الانقسام والانفصام والتمزق بين الوجه والمرآة، الرجل والوطن، يتبعها انشراخ الوجود وانقسام الكائنات وانفصال الموجودات ويعم الكون اغتراب سريالى عجيب، حيث تتقافز الثوب من النافذة ويخرج التلفاز من الكلمات، ويتجلى الإنسان بلا هوية بوصفه رقما مغيبا في غيابات التلاشى.
في هذه اللحظة تتخلى الأشياء عن مكنوناتها وتتلاشى الأسماء عن مسمياتها وتنقلب المعايير كلها رأسا على عقب،نرى ذلك في توالى هذه الصور السيريالية المتسارعة للذات المغتربة المترنحة( أمسكت بأغطية زجاجات الكولا؛ صنعت منها تاجا؛ زهوت بما فعلت؛ الآن أبدو أحد هؤلاء الذين يتصدرون المشهد؛ تتحدث عني نشرات الأخبار؛ ابتعدت خشية أن تنصب مفصلة تتدلى منها رقبتي! حالة من وسواس قهري؛ أحلام باتت تؤرقني؛ أبحث عن الحذاء؛ تتحرك أصابع قدمي كل في اتجاه؛ أرنبة أنفي تندس في النمائم؛ ينادي باعة الصحف على رجل تسرب من كتاب التاريخ)
هذه الذات التي انخلعت عن تاريخها وانطمست هويتها سوف تتفجر متشظية عبر شذرات تصويرية لا واعية علها تعيد بناء وجودها أو قل تعيد ترميم وطنها المتلاشى،ومن هنا جاءت الحركة الثانية في القصة حيث تتوالد التواريخ والأشياء والأحياء بصورة سيريالية مرعبة، إنها حالة انفجار الوعى الموازى لتلاشى الوطن ثم تسيد تيار اللاوعى بعد أن فقد الإنسان ظله وتلاشى وجوده، هنا يتخلق الوطن البديل في البناء القصصى حيث تتدفق من الذاكرة وجوه عديدة للوطن المتلاشى متمثلة في هذه الصور السيريالية المتلاحقة (يحوطه أولياء الله بألف دعاء وورد؛ يرجونه المهدي يخلصهم من قبضة الوالي؛ يعدو خلفي السياف؛ يقطر الدم من لحيته؛ إصبع يده مقطوع؛ تتدلى من شحمة أذنه سلسلة ذهبية؛ ينتابني الهلع؛ يوم كنت هناك؛ جموع تطوف حارات مصر عتيقة؛ جوعى وحدها أم هاشم تطعم المساكين؛ عطشى فمجرى العيون سكنته حيات تسعى! يدفعون بجواد أبيض؛ يحملونني فوقه؛ تمائم وابتهالات؛ تنبح خلفي كلاب سوداء؛ تسخر من ثيابي ابنة سيدنا الوالي!).
صور متلاحقة متدفقة مبنية على المفارقة بين صورة الولى الصالح المرجو للوطن وصورة الديكتاتور المتسلط على رقبة الرجل الصالح الموازى الجمالى للوطن الغائب، هذا التضاد بين المقدس والمدنس يبنى الحركة الثانية في القصة حيث الفن صراع وتوتر وهدم وبناء. وهنا تتجلى البراعة التشكيلية للقصة من حيث قدرتها على البناء والتشكيل وتوتير الجدل بين الشكل والدلالة،محققة بذلك مفاهيم التوازن والوحدة والاستمرار فى بنية الشكل القصصى بمعنى أن يتحقق فى النص هذا التوازن الحر الخلاق بين العناصر الجمالية والمعرفية المتصارعة التى تتفاعل من خلال وحدة انطباع إنسانى خاطف في القصة وهو حارس الوطن،وعندما تتحقق هذه المقدرة البنائية للقصة نرى الرمز القصصى ينفتح في نهاية القصة على دلالات لانهاية لها، فالفن الخلاق هو الظل الحائر المنتشر لا الشكل الواضح المحدد.نرى ذلك في الحركة الثالثة والنهائية للقصة، في قول الراوى:
(ألمح طيف أمي وسط تلك الجموع؛ تشير إلى جهة بعيدة؛ مغارة في جوف الجبل الأحمر؛ عليها جند غلاظ! يجوب الميدان رجل يشبه عمي أبوطيفة؛ ذلكم الرجل الذي جاء من زمن الأولياء؛ أشبه بالنخلة يتطوح ذراعاه في الهواء؛ يخرج من جلبابه لفافة التبغ؛ يردد أغنيته؛ أسمع نشيجه؛ كأنه جمل أصابه الحنين؛ ينادي على الذين عطروا المحروسة؛ يجري حتى يدرك مقام الحسين؛ أمكنة طاهرة؛ تفرد حمامة جناحيها؛ تتمايل ست الحسن والجمال؛ عند ضفة النهر قريبا من الميدان كانت صلاة الفجر؛ أبحث عنها تمسك بيدي؛ نظل بصدورنا نحرس حلم الوطن حتى تشرق الشمس!
هنا تتخلق ذات أخرى للوطن المتخيل بعد أن تلاشى الوطن الواقعى، وهنا تتجلى دلالات العنوان كأجلى ما يكون التجلى حيث يتجلى حارس الوطن فتشير خيالات الأمومة من بعيد من طرف خفى إلى صورة الوطن الغائب، الوطن الغارق في مغاراته البعيدة، الوطن الذى يذكرنا بعطر المحروسة حيث أولياء الله الصالحين وأجنحة الحمائم المرفرفة وبياض صلوت الفجر، وهنا يتجلى الشكل الرمزى للقصة بكثافة خصيبة حيث الشكل هنا ليس فى الرموز وليس في الاستعارات وليس في الصور والكلمات بل هو التعبير الكلى للرؤية والنمو العضوى للدلالة، (فليس المخطط الهندسى للقصة ـ هو شكل القصة ـ بل الشكل فى العمل الأدبى التعبير البنائى وليس المخطط الهندسى) كما يقول الناقد السورى خلدون الشمعة.


د. أيمن تعليب
عميد كلية الآداب جامعة قناة السويس سابقا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى