أ. د. ثناء محمود قاسم - (يا أعدل الناس إلا في معاملتي)...قصة شطر

لست أدري سبب تأثري وإعجابي الشديد ببيت المتنبي ، بل شطره الذي يقول فيه :
(يا أعدل الناس إلا في معاملتي) .
فمنذ صغري وقبل التحاقي بالكلية والتخصص في اللغة العربية وآدابها ، يؤثر فيّ هذا الشطر تأثيرًا بالغًا ، هكذا دون أن أعرف أي شيء عن القصيدة وعن باقي أبياتها . وحده هذا الشطر يؤثر فيّ . جملة قصيرة بثها المتنبي الكثير من المشاعر الإنسانية : الحب ، التقدير، التألم ، التوجع ، الشكوى ، الانكسار، الانفجار ، العجز ، الظلم .
وصلتني هذه المعاني حزمة واحدة ، وكنت أقف مشدوهة أمام عبقرية الصياغة والمضمون والفلسفة التي ضمنها هذا الشطر ، دون معرفة السبب أو تفسير حالة تأثري وإعجابي به .
الشطر الذي هو نفسه نصف بيت ، ينقسم في داخله إلى طرفين متقابلين في كل شيء : حاكم ومحكوم ، ظالم ومظلوم ، عتاب وشكوى ، مدح وذم ، قبول ورفض ، سرور وتعاسة ، أمل وإحباط . الانقسام حتى داخل الشخص المقصود بالخطاب ؛ فقد وصِف بالعدل وعكسه في آن واحد .
لم أكن أعرف مصدر التأثر بهذا الشطر ، الشطر الذي أرى أنه يمكنه الاستغناء بنفسه عن باقي القصيدة . إلى أن قاربتْ الأيامُ بيني وبينه أكثر وأكثر ، حيث أتاحت لي دراستي في الأدب الاطلاع على القصيدة كلها ، وتعرف مناسبتها وملابساتها وتأمل تفاصيلها ، فصدق إحساسي بهذا الشطر ، حين تكشفت أبيات القصيدة عن تجربة خاصة للشاعر ، كان لها أبعد الأثر في حياته الفنية والشخصية ، واستجلت كل المشاعر الإنسانية الكامنة في هذا الشطر وحده . فردتني القصيدة إلى حالة الانقسام الكامنة في الشطر ؛ حيث استجلى داخل الشاعر الجرح والتمزق والانتقال إلى حالة من عدم الاستقرار بعد ما كان ينعم به.
الأمير الحمداني الملقب بسيف الدولة و شاعر العرب المتنبي ، كانا في سن متقاربة ، ويقال أنهما ولدا في نفس العام ، بينهما الكثير من الصفات المشتركة والميول ، وجد كل منهما في الآخر ما لم يجد في غيره ، وأخذ منه مالم يأخذ من غيره ؛ فأما سيف الدولة فقد كان محبًا للشعر والفنون ، ذا شـأن في السياسية والحرب ، فارس عربي جسور، فاحتفظ إلى جواره بشاعر موهوب ، يقدم له كل عام أربع قصائد ، شاعر يخلد مآثره ويسجل انتصاراته في شعره . وأما المتنبي فقد وجد فيه الفارس العربي المغوار ، الذي يصطحبه في معاركه ليصفها في شعره رأي العين ، ووجد فيه الكفيل لمعيشته ، فتيسرت له بذلك أجواء العلم والتثقف والاطلاع والاستقرار . مكث المتنبي في كنف سيف الدولة تسعة أعوام ، عمقت بينهما أواصر الصداقة والتقارب .
هذه الصداقة القوية والعلاقة الوثيقة أسفرت عن قصائد هي أجمل ما أبدع المتنبي ، والتي قال فيها الدكتور طه حسين : إنَّ للمتنبي فِي سيف الدولة ديوانًا خاصًّا يمكن أنْ يستقل بنفسه، وهو إنْ جُمع في سفر مستقل لم يكن من أجمل شعر المتنبي وأروعه وأحقه بالبقاء، بل من أجمل الشعر العربي كله وأروعه وأحقه بالبقاء .
هذه العلاقة - نفسها- أسفرت أيضًا عن أحقاد وضغائن ، وأشعلت نارًا موقدة في قلوب بعض المحيطين ، وأوغرت صدورهم على الشاعر المستأثر بشخص الأمير وحبه واهتمامه . نارًا لم تخمد إلا برحيل المتنبي ، ومغادرته بلاط صديقه الأمير. حيث أفلحوا في الوقيعة بينهما ، ومن ثم تفككت روابط الصداقة ، وانتهت العلاقة نهاية حزينة مؤسفة . لكن المتنبي الشاعر بما يحمله من صفات الاعتزاز بالنفس والأنفة ، وبما يحمله من مشاعر صادقة للأمير الحمداني ، لا يمكنه المغادرة في صمت ، لا يستطيع أن يلملم متاعه وأشياءه وراحته واستقراره وهناءة باله مخلفًا وراءه الأمير الصديق ، الذي فرط على هون ، دون تمحيص أو تأنٍ أو مراجعة . وانخدع وهو الحصيف ، و استبدل المشاعر المزيفة بالعاطفة الصادقة . كلا ، لا يستطيع أن يغادر في صمت . لقد أبى إلا أن يخلد قصته الأليمة في قصيدة عتاب لسيف الدولة ، هي من أشهر وأجمل شعر المتنبي عندي ، قصيدة ( واحر قلباه) ، حيث لم يجد المتنبي أقرب من أسلوب النّدبة والصراخ والتفجع للتعبير عن مكنون نفسه ومشاعره الملتاعة من هذا المطلع :
واحـرَّ قلبـاهُ مِمَّـنْ قلبُـهُ شَبـِــمُ
ومَـنْ بجسْمـي وحَالـي عِنْـدَه سَقـَمُ
لقد ترك وراءه عتابًا ولومًا ، توددًا وتعنيفًا ، ترققًا وتهديدًا ، لينًا وشدة .
ما لي أُكَتِّمُ حُبـَّاً قـد بـَرَى جَسَـدِي
وتَدَّعـي حُـبَّ سيـفِ الدولـة ِالأمـمُ
إِنْ كـان يَجْمَعُنَـا حــبٌ لغُرَّتـِـه
فَلَيْـتَ أَنـَّا بِقَـْدرِ الحُـبِّ نَقْتَسِـِـمُ
ياأَعْـَدلَ النـاسِ إلاّ فـي معاملتــي
فيكَ الخصـامُ وأنتَ الخَصْـمُ والحَكَـمُ
أُعِيذُهَـا نَظَـرَاتٍ مِنـْكَ صادِقـــةً
أنْ تحْسَـبَ الشحْـمَ فيمـن شَحْمُهُ وَرَمُ
ومـا انتفـاعُ أخـي الدنيـا بِناظِـرِهِ
إذا استـَوَتْ عِندَهُ الأنـوارُ والظُّـلُـمُ
سيَعلَمُ الجمعُ ممَّن ضمَّ مَجلسُنا
بأنَّني خيرُ مَن تسعى بهِ قَدَمُ
أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي
وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ
أَنـامُ مِـلءَ جفونـي عَـنْ شوارِدِهـا
ويسهـرُ الخَلْـقُ جَرَّاهـا وَيَخْـتصِـمُ
وجاهِـلٍ مَـدَّهُ فـي جَهْلِـهِ ضَحِكـي
حتـى أَتَـتْـهُ يَـدٌ فَرّاسـةٌ وَفـَــمُ
إذا رأيتَ نيـوبَ اللـّيـثِ بـارزةً
فـلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللـّيـثَ يبْتسـِــمُ
فالخيـلُ و الليـلُ و البيـداءُ تَعْـرِفُنِي
والسيـفُ والرمـحُ والقِرْطَاسُ و القلمُ
يا مَـنْ يَعِـزُّ علينـا أَنْ نفارِقَهـُـمْ
و جْدَانُنـُا كـُلَّ شـيءٍ بعدَكـُمْ عَـدَمُ
مـا كـان أخلَقـَنا منكـم بتَكْرِمَــةٍ
لـو أنَّ أَمْرَكـُمُ مـن أمرِنـا أَمَــمُ
مـا أبعـدَ العيبَ والنقصانَ عنْ شرَفِي
أنـا الثريـا وذانِ الشيْـبُ والهَــرَمُ
شَرُّ البـلادِ مكـانٌ لا صديـقَ بـِهِ
وشَرُّ مـا يكسِـبُ الإنسانُ ما يَصِـمُ
غادرالمتنبي بأنفته وكرامته واعتزازه بنفسه ، غادر بعد أن ألقى في وجوههم جميعًا هذه الوثيقة التي تحكي قصته وقصة كل العلاقات الجميلة التي تنتهي بفعل الوشاة والحاقدين . قصة أبطالها وشخوصها موجودون في كل زمان ومكان .
تبًا للوشاة والحاقدين الذين لا هم لهم في الدنيا ولا عمل سوى تشويه الناس وتدمير العلاقات وإفساد كل ما هو جميل .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى