العربي عبدالوهاب ـ الرمز وأبعاده الدلالية فى قصص (إليكم القاتل والمقتول) للكاتب محمود أحمد على

هذه القصص (1) طلقة رصاص فى رأس الفساد ، وللفساد أوجه متعددة ، ترمى بظلالها الكابية على أرضية القصص ، وتفرض ثقافتها على وعى الشخصيات ، تارة بالبطش الشديد بتلك الشخصيات وتارة أخرى ببث خطاب يتحذ من الارهاب قناعا له ، فارضا حضوره الطاغى رغم أنف الشخصيات فى قصص محمود أحمد على ، شخصيات تسعى وراء لقمة العيش ، والأمن ، والأمل ، شخصيات مدفوعة بحب الحياة الغريزى ، ذلك الحب وتلك البكارة البادية فى جوهر كل الأشياء ، سرعان ما تتحول عن وظيفتها وتبدل من حضورها رهبة وخوفا من آلة الفساد القابضة والمقبضة فى آن واحد .
الكتابة فى حالة كهذه ضد كل ألوان الفساد ، وعدم الانصياع لبطشه ، وتهديداته ، الوقوف أمام تلك الآلة الجهنمية ، الأقرب فى الشبه للمشنقة التى يعاد تركيب وصلاتها بهدوء شديد فى قصة (فى مستوطنة العقاب ) لفرانز كافكا . واستسلام انسان القصة عند كافكا للمصير المحتوم ، يؤكد عبثية الحياة ولا جدواها .. بينما "محمود أحمد على" لم يقف موقفا عبثيا من الحياة كما قدم كافكا رؤيته للعالم فى القصة . انما اتخذ من الرمز أداة له ، حيث جعل من الرمز وأبعاده الدلالية قناعا له ، ثم وقف صامدا ، حتى النهاية . ذلك الموقف من الكاتب هو البطولة بذاتها . وبالرغم من ضعف ووهن الشخصيات أمام آلة الفساد التى تعمل فى كل فضاءات القصص ، إلا أن الكاتب يقوم بتعريتها باستمرار ، مؤكدا من قصة لأخرى على قيمة وأهمية المواجهة ، والمثابرة ، وعدم السقوط بين براثن الترهيب والتخويف والتجويع المستمرة .
تتنوع أشكال المواجهات بين شخصيات متعبة ، هدَّها انتظار الأحلام ، وآلمتها جروح الواقع الاجتماعى والسياسى ، والشخصيات تتخذ وسائل متعددة للمواجهة ، لكننا نشعر بها فى النهاية مقهورة ، مرغمة على ابتلاع خوفها ، ومرارة واقعها ، أملا فى غد أفضل ، ربما يأتى .
ويمكننا أن نلمس كل ما سبق فى :
ألوان وصور القهر المقبضة
أقنعة الرمز
المستويات الدلالية للرمز
يقول جورج لوكاتش: ( إن هدف القص اكتشاف وبناء صورة للواقع تعمد إلى حل التناقض بين الظاهر والماهية ، وبين الجزئي والكلي وبين المباشر والمفهومي ، حلا من شأنه دفع طرفي التناقض إلى الالتقاء في تكامل تلقائي داخل الانطباع المباشر للعمل الفني . فالكلي يظهر باعتباره صفة للفرد والجزئي يصبح الجوهر متجليا باديا . ويترتب على ذلك أن النص الأدبي يقدم سياقاً متكاملاً محدد النطاق قائماً بذاته .
أولا ـ ألوان وصور القهر المقبضة
بطل القصة يمثل الكيان الكلى لجميع الشخصيات يحمل سمات الكاتب ، فنراه تارة القارئ النهم للكتب ، المؤمن بالمثاليات ، والعدل والحرية والمساواة ، وهو الثورى المطعون بسهام لا حصر لها من واقع لا يعترف به ، هو (البطل فى أغلب القصص يدور فى دوائر مفرغة لا مرسى لدورانه ولا معنى للحياة ، وان بدت فى بدايات القصص .. عادية ، واقعية ، رتيبة لحد أننا نستشعر تفاصيلها فى كل مفردة من مفردات حياتنا ، سرعان ما نجد أننا منساقين الى هوة لا قرار لها من الظلم غير المبرر ، والعنف المفرط اللاموضوعى ، افرازات تعبر عن واقع لا تحكمه القوانين الوضعية ، فى قصة حاجز الصمت ، نراه مسحوبا بلا مبرر من بين ركاب العربة ، لأنه كان يشرح لهم جملة هامة قرأها فى كتاب (الحرية المطلقة ) جملة تحفز وعى ركاب الميكروباص حتى التفوا حوله ولعلع صوته ونطق شارحا معنى (المصارحة والمعارضة أول طريق الحرية) ولأنه نفذ بند المصارحة مع الركاب رغبة فى افاقتهم .وهذا فى عرف الأمن يعتبر معارضة صارخة .
نلحظ حوار فرد الأمن معه الذى ينم عن استخفاف واضح يتحرك فى البنية التحية للقصص .. ( ـ أنا سعيد ومعجب بك ولذا أرجوك أن تنزل معى ..
ـ أشكرك .. مرة ثانية إن شاء الله .. اللهم يجمعنا على محبته ،
والعدل والحرية ، و........
يقاطعه الرجل ذاته بقوله :
ـ لقد جمعنا الله بالفعل .) (ص 95)
(المصارحة والمعارضة أول طريق الحرية ) وها هو يدقع ثمن الحرية عند أول محاولة بدرت منه لتثوير وافاقة الوعى الغافل للركاب.. وفى نهاية القصة يتلهى عنه الركاب ، ويتركوه يلاقى مصيرا محتوما ، لقد تجاهلوه خوفا ، بل قل رعبا من السقوط فى قبضة الآلة .. نعم هذه الآلة التى تبطش بعنف ، نراها أيضا فى قصة الطريق ، وهى من أفضل قصص المجموعة فى توظيف الرمز الكلى ، استحال بطل القصة (القناع الرامز للمجتمع الكلى) من حالة الخجل كبنت بكر من التفوق ، ومن طالب يسعى للالتحاق بالأكاديمية البحرية ، الى مجرم .. الضابط الذى يعمل على تسديد فاتورته اليومية بتوريد عدد معين لا يقل عنه ، يدور ويلم الأبرياء، ثم يزج بهم الى الحجز وفى الصباح يكون كل هؤلاء قد ذاقوا من صنفوف التعذيب ما ذاقوا مثيلا له ، حتى صاروا عجينة طرية يسهل عليهم (رجال الآلة) تشكيل وتحفيظ هؤلاء الأبرياء .. كل واحد منهم يتحمل التهمة التى يجب أن يلتزم بها ويعترف بها أمام النيابة ، وكان من نصيب الشاب الخجول قضية (تحرش جنسى) .. فى لمحة انسانية خاطفة لا تفوت كاتب مخضرم كمحمود أحمد على الذى صدر له أكثر من 13 مجموعة قصصية أن يلمح كيف رق قلب (الرجل صاحب الموسى المكلف بترويع الشاب فى الحجز وبتحويل وجهه الى لوحة سريالية بفعل الموسى .. وحين رق لبكاء الشاب، جاء وجلس بجواره على أرضية الحجز واعترف له أن هذه أوامر .
وهل هذا هو الطريق الذى سميت به القصة (تحرش جنسى) وهو عنوان دال جدا ومعبر عما وصل اليه الشاب فى النهاية، حين يحمل الموسى ويتحرش بالمارة وفى صيغة مبالغة من (الكاتب ) يدور حول عربة البوكس فى اشارة ما الى أنه صار متحرشا حقيقيا وناجحا لدرجة أن يتحرش بالأمن ذاته .. وهم يتغافلون عنه ..
تغافل متعمد ، ونص اتخذ من القصة بكل تفاصيلها قناعا رمزيا دالا على فساد الأجهزة ، وبدلا من القيام بمهامها ، تحولت لأداة قمع ، وترهيب وتنكيل .
نفس المصير لبطل القصص الخائف بشكل غرزيزى ، الشاهد على عدم تساوى كفتى ميزان العدالة . ذلك القاطن فى شقة أمام المحكمة فى قصة (الميزان) والذى يلاحظ منذ بداية القصة ورود المقبض عليهم المقيدين بالسلاسل ، وسؤاله الدائم عن سبب القبض عليهم ، يسألون بلا مجيب .. يجد نفسه فى المقطع الرابع والأخير من القصة مقبوضا عليه ، لأنه كما ذكرنا هو الجزء المعبر عن الكل وهو الصورة / المرآة .. العاكسة لقضايا الواقع ، والجيد للغاية أن الكاتب لم يبد أى سبب للقبض على بطل قصته ، لأن التمهيد الطويل من الأحداث السابقة فى القصة ، أوضح عبثية الواقع والتهم والدوائر المفرغة .. ووضع الكاتب أيضا ـ كعادته ـ لمسة فنية معبرة جدا حين رصد تحول أصحاب عن مهم لحام الكراسى المكسورة .. وهى وظيفة ورش اللحام تعدل الكراسى المكسورة ، كى تصلح للعودة مرة أخرى للعمل .. يرصد الكاتب كيف تشاغلوا عامدين عن أداء مهامهم ، فى المقابل صاروا يصنعون عددا كبيرا جدا ..جدا .. جدا .. من (الكلبشات) بأمر من الحكومة .. (ص15)
ثانيا : أقنعة الرمز
الرمز أداة بنيوية ، تنهض متكئة على البناء الفنى للغة الاشارية للنص الفنى ، حيث يصير الشئ أو المادة أو الصورة المعبرة عن هذا الواقع هى المرموز والمقصود بالاشارة أو الدلالة هو المرموز اليه .. وبينهما يعمل (الرمز) كخيط مشدود بين طرفين هما على مستوى البلاغة العربية القديمة (المشبه و المشبه به) وبينهما أداة التشبيه هذا اذا حاولنا تبسيط المسألة النقدية .
وأى عمل فنى لا يخلو من الرمز حتى لولم يعمد مباشرة بشكل الى شد الحبل بين شيئين بينهما يقف الرمز كأداة دالة على شئ آخر هو المقصود دلاليا . أما لماذ يلجأ الكاتب الى القناع الرمزى ، فالاجابة بسيطة وواضحة وجلية ، هو الخوف من المساءلة فى حال تصريحه بالمقصود أو المعنى الدال الذى يرمى اليه ويرغب فى توصيله للقارئ . . نرى الرمز فى كل قصص محمود أحمد على ولكن بمستويات مختلفة . ولأننا هنا سوف نتحدث عن الرمز كقناع ، سوف نتوقف أمام قصة (المقابلة) التى أبدع فيها الكاتب أيما ابداع فى صناعة الرمز القناع ، استعان بالأسد المسجون فى قفص داخل حديقة الحيوان ، وقام باسقاط البعد الدلالى للقصة عليه . الولد يسأل عن الأسد الذى يدعى أبوه أنه ملك الغابة ، مستنكرا أن يتحول الملك الى حبيس القفص ، والأب احتار فى افهام ابنه أن الأسد أسد حتى عندما يكون سجينا ، الا أن الواقع ينقى مزاعم الأب وبالتالى ينفى بطولة الأب المزعومة عند ابنه ،
لماذا ؟
لأن الأب هو الآخر حبيس قفص مماثل ، والسبب فى ذلك أنه كشف واحدا من كبار المفسدين ، وعضو مجلس شعب وفوق كل هذا (ايده طايلة) هل يعتذر البطل الأب / الصحفى .. يعتذر للمفسد فقط لأن الجريدة تعيش على الاعلانات الممولة من مشاريع هذا الفاسد .. الوارد نصيا أن البطل منذ بدء القصة يبدو حبيس غربتين ، غربة داخل مجتمع لا يؤمن بالوقوف فى وجه الظلم حتى صارت وقفة الصحفى هذا نشازا داخل قاعدة عريضة تم الترسيخ لها ، والجميع بات مستسلما لوطئة القدم الثقيلة واليد الطائلة ، الذمم الفاسدة ، أخذ البطل يقارن بين لحمه الملتصق بعظامه الوهنة ، وبين البودى جارد العاملين لدى هذا المفسد ، ويرتفع الكاتب رويدا رويدا بالتصوير الفنى للشخصية وينتقل من الحديث عن الأسد للحديث عن البطل ، وتنتقل الكاميرا من تصوير لقطة هنا الى لقطة هناك هذا المزج بين الصورتين القصصيتين ، والانتقال بينهما حتى نصل الى الذروة وهى تصوير الكاميرات الذى يقوم به رجال الفاسد الكبير ، ويتذكر الصحفى الحبيس ضيق الأسد من فلاشات الكاميرات وهى تلتقط له ومعه الصور ، وعندما يصيب الأسد هياجا حادا ، يكون الكاتب قد أحكم القناع الرمزى الدال على حال الأب الصحفى ، ويكون ـ بقصته ـ قدم لابنه أيقونة فنية رمزية معبرة جدا ودالة على حال كل الشرفاء المحبوسين وهى هى الصورة الرمزية أو القناع الرمزى للأب الملك أيضا .. صاحب الكلمة وسجين الرأى ، الشجاع البطل الذى لم يستسلم أو يعتذر ، لم يتراجع وفضل أن يدخل القفص كأسد للغابة فى هذا الواقع ، وافق أن تنهش سيرته الكاميرات على أن يشارك فى صناعة الفساد والترويج له .
قصة المقابلة هى بالفعل مقابلة وتقابل بين نقيضين لا يتصالحان .. الشرف واللاشرف .. الحق والباطل .. الحقيقة والزيف المسيطر على وعى متراخٍ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • هامش
1 ـ محمود أحمد علي ـ إليكم القاتل والمقتول ـ هيئة قصور الثقافة ـ 2015

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى