21- رسالة من غانية ملحيس الى المخرج يحيى بركات

21-


الصديق العزيز يحيى بركات

قرأت مقالك الجميل والمتفرّد في جمعه بين السياسة والفنّ والفكر، وكأنني أقرأ بيانا للضمير الإنساني حين يكتب بالكاميرا لا بالقلم.
لم تقدّم حكاية زهران ممداني كفوز سياسيّ، بل كاكتمال لمعنى إنسانيّ طويل التكوين.
أقدّر فيك انحيازك الجميل - كمخرج يكتب من قلب السينما - لزميلته المخرجة المتميّزة ميرا ناير، التي صنعت بالكاميرا ضميرا بصريا للعالم، واشتهرت بأفلام ترى الواقع كما هو، ثم تجعله أكثر إنسانية بالعين التي تروي لا بالعين التي تستهلك.
وهي الأم المدرسة التي أنشأت ابنها على قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة.
لكن المشهد لا يكتمل يا يحيى دون الإشارة إلى دور الأب محمود ممداني، المؤرّخ والمفكّر وأستاذ جامعة كولومبيا، الذي غيّر بإسهاماته الفكرية منهج فهم العلاقات بين الاستعمار والحداثة والعنف السياسي.
كان واحدا من أكثر مفكّري ما بعد الاستعمار الإفريقي بصيرة، فكشف استمرارية الهيمنة تحت غطاء خطاب الحرية، وفكّك في كتابه الأشهر «المسلم الصالح والمسلم السيّئ»، الصادر عقب أحداث 11 سبتمبر، الأيديولوجية الجديدة آنذاك: "صراع الحضارات".
وبيّن أن التمييز بين المسلمين “الصالحين” و“الطالحين” ليس دينيا بل جيوسياسيا:
فـ“الصالح” هو من يمتثل لنظام الحداثة الغربي الماديّ العنصري، و“الطالح” هو من يتحدّاه.
ودعا إلى القطيعة مع الخوف، وإلى الاعتراف بمسؤولية الغرب التاريخية عن الكوارث التي يدينها.
وهكذا نشأ ابنهما زهران عند مفترق طريقين: إرث السينما الملتزمة، وإرث الفكر النقدي - شكلان من أشكال النضال لصون الذاكرة ومقاومة النسيان.
من هنا نفهم الأهمية الرمزية لتولّي زهران ممداني منصب عمدة نيويورك، عاصمة الرأسمالية العالمية والسردية الأمريكية ذاتها.
ففوزه، كما أشرتَ، ليس حدثا انتخابيا، بل استمرار لمدرسة أخلاقية في الفنّ والفكر - مدرسة هندية إفريقية الجذور، عالمية الأفق، فلسطينية المعنى.
إنها مفارقة تاريخية، لكنها أيضا وعد بانفتاح التاريخ على مرحلة جديدة يقودها الشباب، وتنهض فيها الشعوب الممحوة لتقول كلمتها عن معنى الوجود، ومعنى الإنسان ذاته - من يحقّ له أن يعرّف إنسانيته، وأن يكتب تاريخه بيده.
لقد انتشلنا مقالك من ظلمة واقعنا الفلسطيني، ونقلنا إلى لحظة نادرة:
حين تصبح السينما والفكر والوعي والحرية والنزاهة عناصر في تكوين الزعامة، وحين تتحوّل “المدرسة” التي أنشدها شوقي إلى بيت للعالم الجديد - بيت بلا جدار، ولا عنصرية، ولا ذاكرة ممحوة.

تحيّة لك على هذا المقال المضيء وسط حلكة الظلام،
الذي لم يمنعك من كتابته وجع الفقد الشخصيّ والجمعيّ لشعبنا الخارج كالعنقاء من تحت الركام، لا لتحتفي بحدث انتخابيّ، بل بولادة وعي جديد، يؤسّس للتحرّر، ويجعل من الأمّ مدرسةً للعالم كلّه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى