« إنما يترجح الإنقاذ على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع لدفع الأذى يلحق الإنسان من رقة الجنسية، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه.. وسببه أن الإنسان يقدر في تلك البلية، ويقدر غيرهُ معرضًا عنه وعن إنقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه، فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه، فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم.. فإن فُرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه، فهو بعيد تصوره.» أبو حامد محمد الغزالي.
يأتي حديث الفيلسوف الفرنسي " جون جاك روسو (1712 - 1778م) " عن الحب ضمن سياقه الفلسفي المتعلّق بمبدأ التكامل أو قابلية الكمال؛ إذ تنبّه إلى فكرة كانت غائبة أو مغفلة في تصوّر نظيره " توماس هوبز"، وهي مبدأ التحنّن، الذي من خلاله يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان. حيث يُعد هذا المبدأ ضامنًا لعيشة طيّبة في ظل النفور الفطري الذي يشعر به الإنسان تجاه أشباهه. وفي السياق ذاته، يُميّز " روسو" بين نوعين من الحب:
- الحب الشخصي: هو حب لا يحدد موضوعه بدقة، رغم أنه حبّ تملكي ينطلق من الذات نحو الآخر. ويعدّه "روسو" حبًّا مصطنعًا يرتبط بالملكية الخاصة، وبالتالي فإنه يقود الإنسان نحو الشقاء والصراع؛ نظرًا لكونه نابعًا من السياق الاجتماعي؛ أي أنه تملكي محمول على نفسه دون سواه.(1)
- الحب الذاتي: هو حب طبيعي، غايته تكمن فيه ذاته، مما يجعله حبًّا شاملًا وضروريًّا في الآن نفسه، ويرتبط هذا النوع من الحب بغريزة حفظ البقاء، وليس بالملكية الخاصة.
لكن السؤال، كل السؤال، هو: كيف تحوّل هذا الحب، حب الذات، إلى حب النوع؟ لأن حفظ البقاء يتخذ مسارين متوازيين: مسارًا كليًّا وآخر جزئيًّا، أي على مستوى الفرد وعلى مستوى النوع، وهذه الازدواجية تُفضي مباشرة إلى انتقال الحب من الذات نحو الآخر، أي من حب الذات إلى حب النوع.
وهذا التحوّل، إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على وجود شعور غريزي كامِن في الإنسان، وهو ما اصطلح عليه مترجم " روسو " باسم مبدأ التحنّن (Pitié) ولا يكمن هذا الشعور في علاقة تملكيّة تربط الإنسان بأشياء يظن أنه يمتلكها، بل في علاقة شعوريّة خالصة غير مصطنعة ثقافيا؛ أي أن يشعر بالآخر في جميع حالاته.
وفي هذا السياق، يسوق " روسو" مثالًا تعبيريًّا يُجسّد فيه هذا المبدأ. فـ" التحنّن"، وفق تصوّره، هو ذاك الدافع الذي يجعل نفس الإنسان البريّ ترقّ لحال شبيهه الذي يتألم؛ وبعبارة أدق: هو المبدأ الذي يجعل الإنسان الأول، الشاهد، ينزِل منزلة الثاني، المتألّم، ليصبح متماهيًا معه. وهذا التماهي، أو بالأحرى هذا التحنّن، هو ما يجعل حب الذات يتحوّل إلى حب الشبيه؛ حبّ يتأسس على الشعور و ( الشفقة )، لا على التملّك والمصلحة أو المنفعة.
لنخلص في البداية إلى فكرة جوهرية: وهي أن مبدأ التحنّن فضيلة إنسانية أصيلة، فضيلة تُكسب الإنسان حساسية عالية تجاه الآخر/ الأغيار، وشعورًا عميقًا بالشفقة إلى درجة يُحسّ فيها بألم الآخرين، ويفزع من فظاعة ما يلاقونه من معاناة وشقاء.
وفي هذا السياق، نستحضر وصفًا مؤلمًا قدّمه "روسو"، إذ قال: [..] ليرسم لنا صورة حية عن رجل موصدة دونه الأبواب ويلحظ في الخارج وحشاً ضارياً ينتزع طفلاً عن ثدي أمّه ويكسّر بأنيابه القاتلة أعضاءه الضعيفة، ويمزق بمخالبه أحشاءه وهي لا تزال تختلج؛ فيا له من تقلّب أليم مرعب يلقاه الشاهدُ على هذا الحادث حتى ولئن لم تكن تصله بالحادث أي فائدة شخصية! وأيّ ألم مبرح يحز في نفسه لشعوره بعجزه عن إغاثة أمّ مغمى عليه أو إغاثة طفل يحتضر!(2)
ليس من العبث أن نعيد طرح سؤالٍ بالغ الأهمية، وهو سؤالٌ مفهومي/مفاهيمي: ما هو التحنّن؟ أو بصيغة أدق: ما التعريف الذي يضعه "روسو" لهذا المبدأ بوصفه ماذا؟
يُصوّر " روسو " التحنّن بوصفه فضيلةً طبيعية؛ فهو، في جوهره، استعدادٌ فِطريّ ملائم لكائناتٍ بالغة الضعف ومُوغِلة في الآلام. وتكمن خاصيته المميزة في كونه سابقًا لأيِّ ضربٍ من ضروب التفكير، ما يجعله نابعًا، ربما، من انفعالٍ شعوري مرتبطٍ بالأهواء أكثر من ارتباطه بالعقل. ويُضيف "روسو" أنَّ هذه الفضيلة يمكن رصدها، أو على الأقل معاينة بعض سيمائياتها، في سلوك الحيوانات؛ فالحيوان، شأنه شأن الإنسان، يستشعر القلق والخوف في مواجهة الأخطار، ويظهر ذلك عند مروره بجثة حيوانٍ من فصيلته ذاتها.
ومثال ذلك: تحنّن بعض أمهات الحيوانات على صغارها؛ فالخيل ــ كما يرى " روسو "ــ تنفر من دوس جسدٍ حيّ، وتتجنّب إيذاءه. بل إن الأمر يتجاوز مجرّد الاستشعار، كيف لا ونحن نرى غرابًا يطمر تحت التراب غرابًا ميتًا، ونرى الدموع تنهمر من عيون البهائم حين تُساق إلى المجازر وتُعلَّق فوقها السكاكين استعدادًا للذبح؛ وكيف لا ونحن نشهد سلوك النحل الذي يتواصل فيما بينه عند استشعاره قدوم جسمٍ غريب يهدّد جماعته؟
هكذا إذًا، يقدّم " روسو " التحنّن بوصفه مبدأً فطريًّا وفعلًا شعوريًّا يتجاوز التصوّرات العقلانية لمفهوم الإنسان، فيسهم في ترسيخ فكرة أن الفضائل الإنسانية تنبع أحيانًا من انفعالاتٍ داخلية خالصة، لا من تعقّلٍ خارجي يُفكّر في المصلحة والمنفعة.
ما التحنّن إذًا؟ يجيب "جان جاك روسو" بأن التحنّن هو ذاك الدافع العفويّ الذي يحملنا، من غير تفكير، على مدّ يد المساعدة وإغاثة من نراهم يتألّمون. هو ذاك الشعور الذي يغيب فيه التفكير العقلاني الصارم وتظهر فيه نبل العاطفة البشرية والإيمان الصادق بالإنسانية، والذي يجعلنا نستجيب لأيّ نداء ضعيف مستغيث، كيفما كان نوعه، دون حساب أو تردّد. إنه المبدأ " الخلاق" الذي يردع الإنسان البريّ، مهما بلغ من القوّة والبأس، عن انتزاع رضيعٍ من ثدي أمّه، أو سلب شيخٍ عجوز ثمرةَ عمره.
وعليه، فإن التحنّن، بوصفه فضيلةً، هو حبٌّ عفويّ، خالص، وطبيعيّ؛ وحين أقول " طبيعيّ"، فإني أعني أنه سابقٌ على كل تفكير، متأصّل في جوهر الكائن، لا مكتسبٌ من العقل أو المجتمع. وهذا المبدأ يجعل الإنسان والحيوان ــ رغم التفاوت في درجة الحساسية والشعور بينهما ــ يستشعران مآسي ومصائر من يشاركونهم بعض الملامح والصفات. فالطبيعة، كما يرى " روسو"، وهبت التحنّن للإنسان ليوازن به قدرة عقله، ووهبته للحيوان ليكون وسيلته في الاستشعار والتحسّس.
يمكن أن نقدّم تعريفًا ختاميًّا لهذا المبدأ، مفاده أن التحنّن هو شعورٌ غريزيّ لدى الإنسان البريّ، يجعل نفسه أو مزاجه يرقّ لحال شبيهه المتألّم، عند رؤيته يتلوّى تحت وطأة الألم والحزن. وفي تلك اللحظة، يشعر أو يحس المشاهد أو الرائي بأنه قد يصاب بما أصاب المرئي، حتى يغدو المشهد فعلَ تماهٍ وانفعالٍ وجدانيّ، وبه يتحقّق التحنّن في صورته الأنقى.
ولعل خير ما أستهلّ به هذه الفقرة سؤالين أوردَهما " روسو" في ذات الكتاب: ما عساها تكون صفات الكرم والحِلم والإنسانية، إن لم تكن هي التحنّن مطبّقًا على الضعفاء أو على المذنبين أو على النوع الإنساني عامة؟ وعندما لا نريد أن نرى بشرًا يتألّم، فما عساها تعني رغبتنا تلك، إن لم تكن تعني أننا نريد رؤيته سعيدًا؟!
من خلال هذين السؤالين، يبدو جليًّا أن التحنّن هو، في جوهره، مصدر لجميع الفضائل والخصال الإنسانية، كالشفقة والصداقة وغيرهما. ومع ذلك، فإن حضور هذا المبدأ لا يكون قويًّا إلا في حالة الطبيعة؛ فـالإنسان البري، بفضل التحنّن وحده، يُحسّ شعورًا طبيعيًّا فطريًا بالحب المتماهي تجاه من يشبهه، ويشعر بإحساسٍ خالصٍ بكل ما يلمّ ببني جلدته، لأنه، في الحقيقة، لا يعرف الشر كي يرتكبه أو يجسده، بل إن فكرة الشر ذاتها لا تخطر بباله، إذ هو خالٍ من الثقافة.
أما في حالة المدينة أو التمدن (حالة الميتافيزيقا )، فقد عرف الإنسان تطوّرًا فكريًّا جعله يفقد المعنى الطبيعي والإنساني لهذا الشعور، بحكم انتقاله إلى حالة التفكير العقلي. وفي هذا الصدد، يقول " روسو" على أنّ العقل هو الذي يولد الحب الشخصي، وإن التفكير هو الذي يقويه؛ وهو الذي يدفع بالإنسان إلى الانطواء على نفسه، وينأى به عما يزعجه أو يحزنه. (3)
بيد أنّ الإنسان البري، في حالته الطبيعية، لا يحوز قدرًا كبيرًا من التفكير أو الحكمة، بل هي شبه منعدمة لديه؛ ومن هنا، فهو يستسلم لأي شعور طبيعي يحفظ له بقاءه، ويجعل من مبدأ التحنّن مصباحًا ينير درب عواطفه وأهوائه نحو الآخرين. فهو مبدأٌ يُعدّل نشاط حب الذات، ويُسهم في حفظ البقاء المشترك، وفق تعبير " روسو".
إن مبدأ التحنّن، بوصفه فضيلة وشعورًا طبيعيًا، يتّخذ في حالة الطبيعة ــ التي هي حالة سعادة وهناء ــ مكان القوانين والأخلاق؛ إذ يُوحي للبشرية، دون تسويغ عقلي أو تنظير فلسفي، بقاعدة مغايرة لتلك التي تنادي بها حالة المدينة. إنها قاعدة تقوم على الخيرية الطبيعية؛ فهي أكثر نفعًا لا أكثر مصلحة، وتقول: "افعل ما يكون فيه خيرك بأقلّ ما يمكن من الضرر لغيرك "، بدلًا من القول:" افعل لغيرك مثل ما تريد أن يفعل لك." وهاتان القاعدتان تكشفان مدى أسبقية الشعور على التفكير العقلي؛ فالأولى أقرب إلى العاطفة والانفعال الطبيعي، والثانية أقرب إلى العقل. وهذا التمييز يتجسّد تمامًا في عبارة " روسو" التي وردت في موضعٍ آخر من كتاباته، حيث قال:» فلا شيء أهنأ من نفسه، ولا شيء أضيق من عقله«. عبارة تلخّص بدقّة وضع الإنسان البريّ في حالة الطبيعة، التي يُعدّها " روسو " إناء الحياة الأصلي ومنبع الفضيلة الأصيلة وحالة من السعادة الحقة.
- الحب منظور إليه فيزيقيا وميتافيزيقيا.
يتطرق " روسو" إلى إشكالية الحب في صورتَيه: الفيزيقية والميتافيزيقية، إذ يُميّز بين نوعين من الحب. الأول: الحب الفيزيقي- طبيعي. ينظر إليه بوصفه رغبةً عامة تدفع الجنس البشري إلى الاتحاد، لا بدافع جمالي أو ميزة خاصة ( حب لا مشروط )، بل بوصفه ميلًا طبيعيًا نابعًا من غريزة البقاء. وفي هذا السياق، يرى " روسو" أن الإنسان يكون أكثر سعادة وأقلّ شقاء، لأن هذا الحب لا يتأسّس على التفضيل أو المفاضلة، بل على الحضور الفطري العفوي.
الثاني: الحب الميتافيزيقي - المدني. يتصوّره " روسو " بأنه ما يُعين تلك الرغبة الفيزيقية ويشدّها إلى موضوع معيّن دون غيره؛ غير أن ما يُضفي عليه من تمييزٍ وتفضيلاتٍ جمالية يُهيّج الشعور ويحوّله إلى حبٍّ مصطنع، ناتجٍ عن عادات المجتمع وثقافته. هذا النوع من الحب يجعل الإنسان أكثر خضوعًا اجتماعيًا، وأشدّ طاعةً للغير (حب مشروط)، لأنه يتأسّس على الجمال والمزايا، لا على الفطرة والغريزة. وفي هذه الحالة، يصبح الإنسان أكثر تعاسة وأقلّ سعادة، إذ يقيّده التنافس والرغبة في التملك والمقارنة. ومن هنا، يطرح "روسو" سؤالًا ضمنيًا: من مِنّا سمع يومًا عن إنسانٍ بريٍّ انتحر بلا هداية، لمجرد أن عشيقته خانته؟ ومن منا سمع عن إنسانٍ بريٍّ غارقٍ في الغيرة والانحراف؟ من منا وصله خبر " ثأر الأزواج " في حالة الطبيعة، حين كان الاجتماع البشري ضعيفًا إن لم يكن منعدمًا؟
هكذا يفصل "روسو" بين حبٍّ طبيعي فطري فيزيقي، وحبٍّ مصطنع مجتمعيّ ميتافيزيقي يُفضي إلى التعاسة، ليعيد الإنسان إلى سؤال جوهري: ما الحب الحق الذي يليق بطبيعته الأولى؟
من جهة أخرى، فإن هذا الشعور الأخلاقي ( الحب الميتافيزيقي ) كان معدومًا لدى الإنسان البري، لأسبابٍ تعود إلى غياب الأفكار المجردة حول الانتظام والتناسب في ذهنه، وإلى قصورٍ في مخيّلته عن تنظيم مشاعره؛ في الوقت الذي كان يُصغي فيه، بدرجة عالية، إلى مزاجه الذي كان هو الآخر طبيعيًّا، يستسلم له في نزواته الفطرية وهو مطمئن البال، دون تفكيرٍ في الاختيار، أو ترجيحٍ بين بديلين.
وفي موضع آخر من نفس الكتاب (ص. 201)، يرى "روسو" أنه من غير الصائب الخلط بين الحب الشخصي وحب الذات عينها. فعلى الرغم من اعتباره لهما ميلَين، إلا أنه يؤكد اختلافهما في الطبيعة والنتيجة؛ فحب الذات، في نظره، شعورٌ طبيعي يدفع كلّ كائن حي إلى السعي لحفظ بقائه، ومتى استشعر أو امتلك مبدأ التحنّن، نتج عنه فضائل ومشاعر إنسانية راقية.
في المقابل، فإن الحب الشخصي ــ بحسب روسو ــ يُعتبر سببًا في الصراعات والنزاعات، بل أكاد أقول مجازفا: إنه مصدر الشر! ذلك لأنه شعور نسبيٌّ مصطنع ذو حمولة اجتماعية صرفة، يختلف جوهريًّا عن حب الذات الذي لا يخضع للتفاضلات، ولا يدخل في لعبة التملّك، أو الكراهية، أو الرغبة في الانتقام، ولا يُقاس بمعايير التقييم والتقدير.
إن هذا النوع من الحب ــ أي الحب الشخصي ــ لا وجود له البتّة في الحالة البدائية البرية، وفق تصور "روسو"؛ لأن الإنسان البري يعيش حياةً هنيئة، بعيدة عن كل ما قد يكون دافعًا للإهانة، أو مثيرًا للغيرة، أو باعثًا على الشعور بالنقص أمام الآخر.
----------------
الإحالات:
1- جان جاك، روسو. خطاب في أصل التفاوت في أُسسه بين البشر. ترجمة: بولس غانم، تدقيق وتعليق ومراجعة، عبد العزيز لبيب، الطبعة الأولى. بيروت: نشر المنظمة العربية للترجمة، توزيع: مركز الوحدة العربية، حزيران (يونيو) 2009، الهامش (24)، ص100.
2- نفسه، ص102.
3- نفسه، ص104.
يأتي حديث الفيلسوف الفرنسي " جون جاك روسو (1712 - 1778م) " عن الحب ضمن سياقه الفلسفي المتعلّق بمبدأ التكامل أو قابلية الكمال؛ إذ تنبّه إلى فكرة كانت غائبة أو مغفلة في تصوّر نظيره " توماس هوبز"، وهي مبدأ التحنّن، الذي من خلاله يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان. حيث يُعد هذا المبدأ ضامنًا لعيشة طيّبة في ظل النفور الفطري الذي يشعر به الإنسان تجاه أشباهه. وفي السياق ذاته، يُميّز " روسو" بين نوعين من الحب:
- الحب الشخصي: هو حب لا يحدد موضوعه بدقة، رغم أنه حبّ تملكي ينطلق من الذات نحو الآخر. ويعدّه "روسو" حبًّا مصطنعًا يرتبط بالملكية الخاصة، وبالتالي فإنه يقود الإنسان نحو الشقاء والصراع؛ نظرًا لكونه نابعًا من السياق الاجتماعي؛ أي أنه تملكي محمول على نفسه دون سواه.(1)
- الحب الذاتي: هو حب طبيعي، غايته تكمن فيه ذاته، مما يجعله حبًّا شاملًا وضروريًّا في الآن نفسه، ويرتبط هذا النوع من الحب بغريزة حفظ البقاء، وليس بالملكية الخاصة.
لكن السؤال، كل السؤال، هو: كيف تحوّل هذا الحب، حب الذات، إلى حب النوع؟ لأن حفظ البقاء يتخذ مسارين متوازيين: مسارًا كليًّا وآخر جزئيًّا، أي على مستوى الفرد وعلى مستوى النوع، وهذه الازدواجية تُفضي مباشرة إلى انتقال الحب من الذات نحو الآخر، أي من حب الذات إلى حب النوع.
وهذا التحوّل، إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على وجود شعور غريزي كامِن في الإنسان، وهو ما اصطلح عليه مترجم " روسو " باسم مبدأ التحنّن (Pitié) ولا يكمن هذا الشعور في علاقة تملكيّة تربط الإنسان بأشياء يظن أنه يمتلكها، بل في علاقة شعوريّة خالصة غير مصطنعة ثقافيا؛ أي أن يشعر بالآخر في جميع حالاته.
وفي هذا السياق، يسوق " روسو" مثالًا تعبيريًّا يُجسّد فيه هذا المبدأ. فـ" التحنّن"، وفق تصوّره، هو ذاك الدافع الذي يجعل نفس الإنسان البريّ ترقّ لحال شبيهه الذي يتألم؛ وبعبارة أدق: هو المبدأ الذي يجعل الإنسان الأول، الشاهد، ينزِل منزلة الثاني، المتألّم، ليصبح متماهيًا معه. وهذا التماهي، أو بالأحرى هذا التحنّن، هو ما يجعل حب الذات يتحوّل إلى حب الشبيه؛ حبّ يتأسس على الشعور و ( الشفقة )، لا على التملّك والمصلحة أو المنفعة.
لنخلص في البداية إلى فكرة جوهرية: وهي أن مبدأ التحنّن فضيلة إنسانية أصيلة، فضيلة تُكسب الإنسان حساسية عالية تجاه الآخر/ الأغيار، وشعورًا عميقًا بالشفقة إلى درجة يُحسّ فيها بألم الآخرين، ويفزع من فظاعة ما يلاقونه من معاناة وشقاء.
وفي هذا السياق، نستحضر وصفًا مؤلمًا قدّمه "روسو"، إذ قال: [..] ليرسم لنا صورة حية عن رجل موصدة دونه الأبواب ويلحظ في الخارج وحشاً ضارياً ينتزع طفلاً عن ثدي أمّه ويكسّر بأنيابه القاتلة أعضاءه الضعيفة، ويمزق بمخالبه أحشاءه وهي لا تزال تختلج؛ فيا له من تقلّب أليم مرعب يلقاه الشاهدُ على هذا الحادث حتى ولئن لم تكن تصله بالحادث أي فائدة شخصية! وأيّ ألم مبرح يحز في نفسه لشعوره بعجزه عن إغاثة أمّ مغمى عليه أو إغاثة طفل يحتضر!(2)
ليس من العبث أن نعيد طرح سؤالٍ بالغ الأهمية، وهو سؤالٌ مفهومي/مفاهيمي: ما هو التحنّن؟ أو بصيغة أدق: ما التعريف الذي يضعه "روسو" لهذا المبدأ بوصفه ماذا؟
يُصوّر " روسو " التحنّن بوصفه فضيلةً طبيعية؛ فهو، في جوهره، استعدادٌ فِطريّ ملائم لكائناتٍ بالغة الضعف ومُوغِلة في الآلام. وتكمن خاصيته المميزة في كونه سابقًا لأيِّ ضربٍ من ضروب التفكير، ما يجعله نابعًا، ربما، من انفعالٍ شعوري مرتبطٍ بالأهواء أكثر من ارتباطه بالعقل. ويُضيف "روسو" أنَّ هذه الفضيلة يمكن رصدها، أو على الأقل معاينة بعض سيمائياتها، في سلوك الحيوانات؛ فالحيوان، شأنه شأن الإنسان، يستشعر القلق والخوف في مواجهة الأخطار، ويظهر ذلك عند مروره بجثة حيوانٍ من فصيلته ذاتها.
ومثال ذلك: تحنّن بعض أمهات الحيوانات على صغارها؛ فالخيل ــ كما يرى " روسو "ــ تنفر من دوس جسدٍ حيّ، وتتجنّب إيذاءه. بل إن الأمر يتجاوز مجرّد الاستشعار، كيف لا ونحن نرى غرابًا يطمر تحت التراب غرابًا ميتًا، ونرى الدموع تنهمر من عيون البهائم حين تُساق إلى المجازر وتُعلَّق فوقها السكاكين استعدادًا للذبح؛ وكيف لا ونحن نشهد سلوك النحل الذي يتواصل فيما بينه عند استشعاره قدوم جسمٍ غريب يهدّد جماعته؟
هكذا إذًا، يقدّم " روسو " التحنّن بوصفه مبدأً فطريًّا وفعلًا شعوريًّا يتجاوز التصوّرات العقلانية لمفهوم الإنسان، فيسهم في ترسيخ فكرة أن الفضائل الإنسانية تنبع أحيانًا من انفعالاتٍ داخلية خالصة، لا من تعقّلٍ خارجي يُفكّر في المصلحة والمنفعة.
ما التحنّن إذًا؟ يجيب "جان جاك روسو" بأن التحنّن هو ذاك الدافع العفويّ الذي يحملنا، من غير تفكير، على مدّ يد المساعدة وإغاثة من نراهم يتألّمون. هو ذاك الشعور الذي يغيب فيه التفكير العقلاني الصارم وتظهر فيه نبل العاطفة البشرية والإيمان الصادق بالإنسانية، والذي يجعلنا نستجيب لأيّ نداء ضعيف مستغيث، كيفما كان نوعه، دون حساب أو تردّد. إنه المبدأ " الخلاق" الذي يردع الإنسان البريّ، مهما بلغ من القوّة والبأس، عن انتزاع رضيعٍ من ثدي أمّه، أو سلب شيخٍ عجوز ثمرةَ عمره.
وعليه، فإن التحنّن، بوصفه فضيلةً، هو حبٌّ عفويّ، خالص، وطبيعيّ؛ وحين أقول " طبيعيّ"، فإني أعني أنه سابقٌ على كل تفكير، متأصّل في جوهر الكائن، لا مكتسبٌ من العقل أو المجتمع. وهذا المبدأ يجعل الإنسان والحيوان ــ رغم التفاوت في درجة الحساسية والشعور بينهما ــ يستشعران مآسي ومصائر من يشاركونهم بعض الملامح والصفات. فالطبيعة، كما يرى " روسو"، وهبت التحنّن للإنسان ليوازن به قدرة عقله، ووهبته للحيوان ليكون وسيلته في الاستشعار والتحسّس.
يمكن أن نقدّم تعريفًا ختاميًّا لهذا المبدأ، مفاده أن التحنّن هو شعورٌ غريزيّ لدى الإنسان البريّ، يجعل نفسه أو مزاجه يرقّ لحال شبيهه المتألّم، عند رؤيته يتلوّى تحت وطأة الألم والحزن. وفي تلك اللحظة، يشعر أو يحس المشاهد أو الرائي بأنه قد يصاب بما أصاب المرئي، حتى يغدو المشهد فعلَ تماهٍ وانفعالٍ وجدانيّ، وبه يتحقّق التحنّن في صورته الأنقى.
ولعل خير ما أستهلّ به هذه الفقرة سؤالين أوردَهما " روسو" في ذات الكتاب: ما عساها تكون صفات الكرم والحِلم والإنسانية، إن لم تكن هي التحنّن مطبّقًا على الضعفاء أو على المذنبين أو على النوع الإنساني عامة؟ وعندما لا نريد أن نرى بشرًا يتألّم، فما عساها تعني رغبتنا تلك، إن لم تكن تعني أننا نريد رؤيته سعيدًا؟!
من خلال هذين السؤالين، يبدو جليًّا أن التحنّن هو، في جوهره، مصدر لجميع الفضائل والخصال الإنسانية، كالشفقة والصداقة وغيرهما. ومع ذلك، فإن حضور هذا المبدأ لا يكون قويًّا إلا في حالة الطبيعة؛ فـالإنسان البري، بفضل التحنّن وحده، يُحسّ شعورًا طبيعيًّا فطريًا بالحب المتماهي تجاه من يشبهه، ويشعر بإحساسٍ خالصٍ بكل ما يلمّ ببني جلدته، لأنه، في الحقيقة، لا يعرف الشر كي يرتكبه أو يجسده، بل إن فكرة الشر ذاتها لا تخطر بباله، إذ هو خالٍ من الثقافة.
أما في حالة المدينة أو التمدن (حالة الميتافيزيقا )، فقد عرف الإنسان تطوّرًا فكريًّا جعله يفقد المعنى الطبيعي والإنساني لهذا الشعور، بحكم انتقاله إلى حالة التفكير العقلي. وفي هذا الصدد، يقول " روسو" على أنّ العقل هو الذي يولد الحب الشخصي، وإن التفكير هو الذي يقويه؛ وهو الذي يدفع بالإنسان إلى الانطواء على نفسه، وينأى به عما يزعجه أو يحزنه. (3)
بيد أنّ الإنسان البري، في حالته الطبيعية، لا يحوز قدرًا كبيرًا من التفكير أو الحكمة، بل هي شبه منعدمة لديه؛ ومن هنا، فهو يستسلم لأي شعور طبيعي يحفظ له بقاءه، ويجعل من مبدأ التحنّن مصباحًا ينير درب عواطفه وأهوائه نحو الآخرين. فهو مبدأٌ يُعدّل نشاط حب الذات، ويُسهم في حفظ البقاء المشترك، وفق تعبير " روسو".
إن مبدأ التحنّن، بوصفه فضيلة وشعورًا طبيعيًا، يتّخذ في حالة الطبيعة ــ التي هي حالة سعادة وهناء ــ مكان القوانين والأخلاق؛ إذ يُوحي للبشرية، دون تسويغ عقلي أو تنظير فلسفي، بقاعدة مغايرة لتلك التي تنادي بها حالة المدينة. إنها قاعدة تقوم على الخيرية الطبيعية؛ فهي أكثر نفعًا لا أكثر مصلحة، وتقول: "افعل ما يكون فيه خيرك بأقلّ ما يمكن من الضرر لغيرك "، بدلًا من القول:" افعل لغيرك مثل ما تريد أن يفعل لك." وهاتان القاعدتان تكشفان مدى أسبقية الشعور على التفكير العقلي؛ فالأولى أقرب إلى العاطفة والانفعال الطبيعي، والثانية أقرب إلى العقل. وهذا التمييز يتجسّد تمامًا في عبارة " روسو" التي وردت في موضعٍ آخر من كتاباته، حيث قال:» فلا شيء أهنأ من نفسه، ولا شيء أضيق من عقله«. عبارة تلخّص بدقّة وضع الإنسان البريّ في حالة الطبيعة، التي يُعدّها " روسو " إناء الحياة الأصلي ومنبع الفضيلة الأصيلة وحالة من السعادة الحقة.
- الحب منظور إليه فيزيقيا وميتافيزيقيا.
يتطرق " روسو" إلى إشكالية الحب في صورتَيه: الفيزيقية والميتافيزيقية، إذ يُميّز بين نوعين من الحب. الأول: الحب الفيزيقي- طبيعي. ينظر إليه بوصفه رغبةً عامة تدفع الجنس البشري إلى الاتحاد، لا بدافع جمالي أو ميزة خاصة ( حب لا مشروط )، بل بوصفه ميلًا طبيعيًا نابعًا من غريزة البقاء. وفي هذا السياق، يرى " روسو" أن الإنسان يكون أكثر سعادة وأقلّ شقاء، لأن هذا الحب لا يتأسّس على التفضيل أو المفاضلة، بل على الحضور الفطري العفوي.
الثاني: الحب الميتافيزيقي - المدني. يتصوّره " روسو " بأنه ما يُعين تلك الرغبة الفيزيقية ويشدّها إلى موضوع معيّن دون غيره؛ غير أن ما يُضفي عليه من تمييزٍ وتفضيلاتٍ جمالية يُهيّج الشعور ويحوّله إلى حبٍّ مصطنع، ناتجٍ عن عادات المجتمع وثقافته. هذا النوع من الحب يجعل الإنسان أكثر خضوعًا اجتماعيًا، وأشدّ طاعةً للغير (حب مشروط)، لأنه يتأسّس على الجمال والمزايا، لا على الفطرة والغريزة. وفي هذه الحالة، يصبح الإنسان أكثر تعاسة وأقلّ سعادة، إذ يقيّده التنافس والرغبة في التملك والمقارنة. ومن هنا، يطرح "روسو" سؤالًا ضمنيًا: من مِنّا سمع يومًا عن إنسانٍ بريٍّ انتحر بلا هداية، لمجرد أن عشيقته خانته؟ ومن منا سمع عن إنسانٍ بريٍّ غارقٍ في الغيرة والانحراف؟ من منا وصله خبر " ثأر الأزواج " في حالة الطبيعة، حين كان الاجتماع البشري ضعيفًا إن لم يكن منعدمًا؟
هكذا يفصل "روسو" بين حبٍّ طبيعي فطري فيزيقي، وحبٍّ مصطنع مجتمعيّ ميتافيزيقي يُفضي إلى التعاسة، ليعيد الإنسان إلى سؤال جوهري: ما الحب الحق الذي يليق بطبيعته الأولى؟
من جهة أخرى، فإن هذا الشعور الأخلاقي ( الحب الميتافيزيقي ) كان معدومًا لدى الإنسان البري، لأسبابٍ تعود إلى غياب الأفكار المجردة حول الانتظام والتناسب في ذهنه، وإلى قصورٍ في مخيّلته عن تنظيم مشاعره؛ في الوقت الذي كان يُصغي فيه، بدرجة عالية، إلى مزاجه الذي كان هو الآخر طبيعيًّا، يستسلم له في نزواته الفطرية وهو مطمئن البال، دون تفكيرٍ في الاختيار، أو ترجيحٍ بين بديلين.
وفي موضع آخر من نفس الكتاب (ص. 201)، يرى "روسو" أنه من غير الصائب الخلط بين الحب الشخصي وحب الذات عينها. فعلى الرغم من اعتباره لهما ميلَين، إلا أنه يؤكد اختلافهما في الطبيعة والنتيجة؛ فحب الذات، في نظره، شعورٌ طبيعي يدفع كلّ كائن حي إلى السعي لحفظ بقائه، ومتى استشعر أو امتلك مبدأ التحنّن، نتج عنه فضائل ومشاعر إنسانية راقية.
في المقابل، فإن الحب الشخصي ــ بحسب روسو ــ يُعتبر سببًا في الصراعات والنزاعات، بل أكاد أقول مجازفا: إنه مصدر الشر! ذلك لأنه شعور نسبيٌّ مصطنع ذو حمولة اجتماعية صرفة، يختلف جوهريًّا عن حب الذات الذي لا يخضع للتفاضلات، ولا يدخل في لعبة التملّك، أو الكراهية، أو الرغبة في الانتقام، ولا يُقاس بمعايير التقييم والتقدير.
إن هذا النوع من الحب ــ أي الحب الشخصي ــ لا وجود له البتّة في الحالة البدائية البرية، وفق تصور "روسو"؛ لأن الإنسان البري يعيش حياةً هنيئة، بعيدة عن كل ما قد يكون دافعًا للإهانة، أو مثيرًا للغيرة، أو باعثًا على الشعور بالنقص أمام الآخر.
----------------
الإحالات:
1- جان جاك، روسو. خطاب في أصل التفاوت في أُسسه بين البشر. ترجمة: بولس غانم، تدقيق وتعليق ومراجعة، عبد العزيز لبيب، الطبعة الأولى. بيروت: نشر المنظمة العربية للترجمة، توزيع: مركز الوحدة العربية، حزيران (يونيو) 2009، الهامش (24)، ص100.
2- نفسه، ص102.
3- نفسه، ص104.