شريف محيي الدين إبراهيم - أبو حودة...

حينما فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل، تجمّد عند العتبة، ثم صاح في دهشةٍ: "فيه إيه؟!
مالك يا أبا… مين الرجلين دول؟!"

لم يجبه أبوه… أو مَن ظنّه أباه. كان يجلس كما لو أن الحكم صدر للتو، وقرار الإعدام وُقّع باسمه.

تقدّم أحد الرجلين خطوة، وفتح ملفًا سميكًا:
"اسمك الحقيقي… عُمَر.
مش حودة."

ارتدّ خطوةً للخلف، اصطدم بالحائط، كأن الجدار وحده هو الشيء الوحيد الثابت في عالمٍ ينقلب أمامه. صرخ: "بتقول إيه؟!"

قال الرجل الثاني بحدّة ممزوجة بواجب وظيفي لا يعرف العطف:
"اتخطفت من خمستاشر سنة…"

التفت عمر — أو حودة الذي كان — نحو الرجل الذي ربّاه.
عيناه تتوسّلان أي كلمة:
"قول حاجة… كذّبهم!"

لكن أبو حودة لم يرفع رأسه.
قال عمر بصوت مبحوح:
"إنت… خطفتني؟"

كانت الكلمة كحجر يُلقى من قمة جبل، يضرب كل شيء في طريقه.
نكس أبو حودة رأسه.
اقترب عمر بخطوات حادّة:
"إنت سرقتني?!
طيب فين أبوي وأمي الحقيقيين؟!"

الرجلان كانا يرتديان ملابس داكنة حيادية بلا رتب، لكن الحدة التي في عيونهم، وتشدّد وقفتهم، قالت إنهما من رجال القانون.

تقدّم أحدهما وفتح الملف مرة أخرى:
"إحنا جايين بعد ما جالنا بلاغ فيه تفاصيل صعب يعرفها غير حد كان متورّط.
واضح إن فيه واحد كان شغال مع أبو حودة زمان… اختلفوا، وقرّر ينتقم.
البلاغ فيه أماكن… تواريخ… وصف لبيت قديم في بحري… وصورة لطفل مولود."

قال الآخر: "التفاصيل كلها مطابقة للمحضر اللي اتعمل من عشرين سنة.
حتى الوحمة اللي في وشك
وأثر الجرح اللي في جبهتك من يوم الولادة…
كلّه موثّق.
مش ناقص غير تحليل الدي إن إيه."

أبو حُوْدة خفض رأسه أكثر، كأنه يحاول الاختباء من نفسه، من خطيئته، ومن البحر الذي شهد كل شيء.

صرخ عمر: "أهلي فين?!
أبوي الحقيقي؟
… أمي؟!"

أجاب الرجل بهدوء: "أمك لسه عايشة… ولسه بتدور.
والبلاغ ده فتح القضية من جديد."

أبو حُوْدة…
لم يصرخ.
لم يدافع.
قال بصوت مكسور يشبه موجًا فقد قوّته: "كنت عارف… إن اليوم ده لازم هييجي…"

صرخ عمر: "ليه؟ ليه أنا؟!"

داخل قلبه كان عالقًا بين صورتين:
أبٍ ربّاه… وأبٍ سرقه.
وكلاهما واحد… أبو حُوْدة.


***

القصر

سياج من حديد، حدائق، أبواب عالية كأنها مغلقة منذ ألف عام.
بدا القصر وكأنه عالم آخر …
بعيد عن روائح البحر، عن طعم الملح، عن السلالم التي تتأكل أطرافها من الرطوبة.

امرأة واقفة عند المدخل.
عيناها تلمعان بالدموع،همست في لهفة:
"عمر… ابني."

تراجع خطوة... لم يعرف إن كان يريد العناق أم الهروب.

جاء رجل طويل يشبهه كثيرًا، وضع يده على كتفه بقوة:
رجعت يا عمر.
جذبه إلى حضنه.
كان ذاهلًا، مضطربًا، ضائعًا بين بكاء وأحضان أمه وأبيه الحقيقيين.
عندما دخل إلى البيت، ظل واقفًا كمن دُفع داخل لوحة مرسومة بألوان لا يعرفها.
الرخام اللامع تحت قدميه، الثريات الضخمة، السجاد المخملي الممتد بلا نهاية…
… بلا رائحة سمك… بلا أثر ملح.

سار عمر يتفقد المكان كأنه داخل عالم من زجاج.
كل شيء بدا كبيرًا جدًا.

رفع رأسه يتأمل السقف العالي والممرات الواسعة.
حتى رائحة البيت كانت مختلفة… عطور غالية تختلط بخشب مصقول.
مدّ يده يتحسّس الحائط، كأنه يريد التأكد أن هذا المكان حقيقي.
نظر والده إليه بابتسامة واثقة:
"ده بيتك يا عمر."

دخل خطوة… ثم خطوة…
وكان يشعر أنه يرتقي من ضيق إلى سعة بلا حدود.

جلس على المائدة الطويلة.
الخدم يضعون الأطباق كأنهم يؤدّون طقسًا مقدّسًا.
الكراسي ناعمة،
الملابس الجديدة عليه بدت غريبة… وجميلة.

أعجبته صورته في المرآة.
انسابت داخله نشوة لم يعرفها من قبل.

كان منبهرًا… صامتًا… كأن القصر ابتلعه.

بعد دقائق سأل:
"هو فين!؟
الراجل إللي كان خاطفني؟
نظر الأب إلى الأم.
الأم خفضت عينيها.
الأب قال:
"محتجز… وهيتحاكم."
شعر عمر أن صدره يضيق،
كأنه أصيب بسكين حادة.
وقف أمام المرآة، لمس وجهه، وهمس:
"أنا مين؟"


***
في السجن - غرفة الزيارة


دخل أبو حُوْدة—هزيلًا، كأنه موج انكسر.
جلس ببطء: "جيت؟"
لكن عمر لم يبتسم، ولم يبكِ.
كان صلبًا، كالحجر.
قال: "أذيتني… وأذيت أمي وأبويا… وضيّعت حياتي!"
رفع أبو حودة نظره ببطء، وقال:
"عارف… بس ما قدرتش أسيبك"
ضرب عمر الطاولة بقبضته:
"إنت سرقت طفولتي! زي ما بتسرق أي حاجة!"
قال أبو حودة:
"أيوه… أنا مقدرش أنكر إني حرامي.
كنت بسرق عشان ما أموتش… وعشان أنت تعيش."
هذه الجملة ضربت صدر عمر.
قال بغضب: "منك لله."
همس أبو حودة:
"سامحني يا بني… سامح لو تقدر."

تذكر بحري…
الحارة الضيقة…
الروائح المالحة…
صوت المراكب عند الفجر…
تذكر الست سميحة وهي تعطيه رغيفًا ساخنًا.
تذكر عم علوان القهوجي وهو يناديه:
"تعالى خدلك كباية شاي باللبن يا حودة!"
رائحة السمك المقلي، صوت الباعة، الأطفال يلعبون في التراب، والغسيل المعلّق يهتز كأعلام صغيرة فرِحة…
رفع عمر عينيه نحو أبو حودة، حاول كتم دمعة، ثم خرج.

***

المرض

بعد سنوات…
بدأ المرض ينهش في جسد عمر.
الدوخة، القيء المتكرر، تورّم اليدين والكاحلين، فقدان الشهية، والضعف العام.

دموع أم تُسكب بلا توقف، ويد أبٍ ترتجف وهو يضمّ ابنه الذي خسر معظم وزنه.

الأجهزة في العناية المركزة تلمع كأنها “فنار بحري".
الأضواء حادة لا ترحم،
والروائح الكيماوية تملأ المكان.

قال الطبيب بصوت مثقل بالقلق:
"جلسات الغسيل الكلوي لم تعد كافية… محتاجين زراعة كلية عاجلة… للأسف فصيلة دمه نادرة، والوقت ضيق لإيجاد متبرع مناسب."

… كل من ظنّهم أحبابه، كل البكوات،و الباشوات كل المحيطين بعالم الأثرياء… انفضّوا.
عيون باردة، بلا رحمة،
كأن المرض اختبر محبتهم فوجدها فارغة.
الفلوس هنا لا تساوي شيئًا؛ لا تشتري صحة ولا قلبًا دافئًا.
الأم حاولت… لكن ضعفها كان عائقًا.
الأب كبير، لا يصلح للتبرع .
الكل توقّف عند حدود ذاته.
***
في المستشفى


دخل أبو حودة… خطواته مثقلة، لكنه كان مختلفًا… عيناه ممتلئتان بالأمل والخوف معًا. همس:
"عايز أشوف ابني."
وقف عند باب غرفة عمر، نظر إلى أبيه وأمه ،همس :
"إنت لسه غضبان مني، ومش عاوز تسامحني؟ حقك…"
اقترب من السرير، ووضع يده على صدر عمر، كأنه يتحسّس الحياة فيه.
بكى عمر:
"إيه اللي جابك؟"
قال أبو حودة:
"جاي أشوف ابني؟!"
عمر: "ابنك إيه… إنت حرامي… .. إطلع برّه."
تدخلت أم عمر ،وضعت يدها على فمه،همست :
عيب يا عمر.
:صاح أبو عمر في تأثر
"أبو حودة هيتبرّع لك بكليته."
تغيرت مشاعر عمر فجأة من الكره والغضب إلى الخوف!!
نعم هو خاف على الرجل الذي رباه، وظل فترة طويلة يحسبه أباه!!!
هل ما زالت مشاعر الابن تربطه به؟!
هي حالة من حالات التناقض الإنساني العجيب، ربما هو يكرهه، ويحبه في نفس الوقت!!
همس عمر في أسى : "أنت كبير ومريض… كده خطر على حياتك!"
أبو حودة، وهو يتنهد:
"… ما أنا عيشتي كلها خطر… حياتي نفسها خطر."
عمر: "إنت كده بتنتحر!"
أبو حودة بهدوء :
"يبقى على الأقل أموت… وأنا بعمل حاجة صح."
جلس أبو حودة بجوار الحائط، وأسند ظهره إليه كمن يستعدّ لاعترافٍ لا يريد منه سوى الخلاص.
جلس يحكي… عن طفولته في بحري…
عن الجوع…
عن الضرب:
"أنا اتولدت في حارة ضلمة… ورموني وأنا عندي يومين.
ربّتني ستّ عميانة… كانت تشحت وتأكلني من إللي يترمي.
كبرت على الجوع… على البرد… وكنت بخاف من الليل، من الضلمة.
ابتلع ريقه بصعوبة.
"لما كان عندي ١٢ سنة… اتضربت علقة موت عشان كسرت فنجان ،وأنا بخدم في قهوة.
لما كملت ١٦ سنة … اشتغلت في مخزن… ووقع عليّ صندوق حديد ، اترميت بوجعي ،ودمي زي الكلب في الشارع، وما حدش وداني مستشفى … ولحد دلوقتي أنا لسه بعرج بسبب الحادثة دي.
مسح دمعة سقطت رغمًا عنه.
"اتجوزت… وخلفت ولد… مات من السخونية.
ماكنش معاي فلوس أجيب له دوا…
ياه... الفقر ده وحش قوي...صدقني أنا عمري ما حسيت بعجزي قدام الفقر إلا في اللحظة دي.
ساعتها كرهت كل الأغنياء… اللي عايشين في العز وسايبين ناس تانية تموت من الجوع والمرض.
عارف ابني اللي مات كان اسمه إيه؟... حودة.
تخيل أنه كان شبهك الخالق الناطق.
مراتي… سابت البيت بعد موته بأسبوعين.
فضلت لوحدي… لوحدي يا ابني.
كنت بروّح البيت ألاقي الحيطان بترد عليّ."

قال عمر بصوت مبحوح:
"بس إنت سرقت حياتي!"

همس أبو حودة:
"إنت كنت الحاجة الوحيدة اللي خلت قلبي يدقّ."
انهار عمر… لكنه لم يسمح لنفسه بالبكاء أمامه.
قال أبو حودة بصوت هادئ :
"أنا يوم ما سرقتك كنت ناوي اسلمك لتجار الأعضاء يقطعوا لحمك ويبعوه."
تنهد طويلًا، ثم تابع:
"بس مقدرتش تعلقت بك، فكرتني بابني حودة اللي مات.
بعد ما سلمتك لتجار الموت، مقدرتش أنام.
قمت الفجر، وقبل ما يقطعوك… سرقتك وهربت بيك.
كنت ناوي ارجعك لأهلك قلت أساومهم عليك مقابل مبلغ كبير… بس حتى دي مقدرتش أعملها…
مش عارف ليه كنت كل يوم أقول بكره، وكل يوم أتعلق بيك أكتر…

***

العملية

صوت الأجهزة يشبه موج بعيد… يعلو… ثم يهبط.
الأنفاس تتباطأ…
نبضٌ يُسمَع… يضعف… ثم يخبو.
بعد ساعات…
فتح عمر عينيه.
انزلقت دمعة على خده.
قال بتهدّج:
"فين أبو حودة؟
فين أبويا… أيوه… أبويا…"

تبادل الطبيب والممرض نظرةً قصيرة،
اقترب الطبيب بصوت يمزج بين البشر والحرص:
"العملية نجحت… جسمك استجاب بسرعة غريبة."

قال عمر بصوت مكسور:
"طب… هو فين؟"

لم يرد الطبيب.
ارتجفت شفتا عمر:
"عايز أشوفه."
قادوه إلى غرفة صغيرة بجوار العمليات؛
غرفة باردة، ستائرها نصف مسدلة.
كان أبو حودة مسجّى على السرير.
وجهه ساكن… كأنه نام أخيرًا بعد عمرٍ طويل من التعب.
يده ممدودة… اليد التي خطفته، وربّته، وأطعمته، ومسحت دموعه.
اقترب عمر ببطء.
جلس.
أمسك اليد الدافئة قليلًا، الدفء الأخير الذي يلوّح ببقايا حياة.
همس:
"أبو حودة... أبويا
أبويا…"
وللحظةٍ خاطفة… تحرّكت يد أبو حودة.
فتح عينيه ، ابتسم ابتسامة، أضاءت وجهه كله ، نظر إليه نظرة تختصر عمرا بأكمله...
وقال بصوت واهن:
" أخيراً سامحتني؟"
ثم خمد.
هدأت يده.
سكن صدره.
وغادرت الروح التي ظلت تركض أكثر من نصف قرن من الجوع والبرد والخوف.
وضع عمر جبينه على يد أبيه، وبكى بكاءً مكتومًا… عميقًا…
تمتم:
… يا ريت إنت إللي تسامحني.

***

العودة

خرج عمر من المستشفى…
لم يعرف لماذا ساقته قدماه إلى بحري…
إلى الحارة…
كان الليل يهبط ببطء، والهواء باردًا كأنه يشارك القلب حزنه.
لم يعرف لماذا اختار أن يسير وحده…
إلى أن وجد نفسه أمام المدخل الضيق الذي عاش فيه طفولته.
الحارة كانت كما تركها…
المصابيح الصفراء تُلقي بظلال طويلة،
رائحة السمك المقلي تفوح من بيت بعيد،
والغسيل المعلّق يهتزّ كأعلام صغيرة تلوّح بذكرى قديمة كقهقهات تأتي من بعيد.
وقبل أن يدخل إلى بيت أبو حودة سمع الصوت…
"حودة?!
يا ولدي…"
التفت.
كانت الست سميحة واقفة عند بابها، بملامح الزمن القديم،تجفف يديها في طرف مريلتها.
اقتربت منه
قالت بصوت مبحوح:
حمدا لله على السلامة
دايما كنت بدعيلك.
لم يستطع عمر النطق.
أمسك يدها… اليد التي كانت تمد إليه رغيفًا ساخنًا حين كان طفلًا جائعًا.
ثم سمع قهقهة يعرفها…
ظهر عم علوان القهوجي من عند ناصية القهوة البحرية، رائحة النعناع كانت تفوح من الإبريق الذي يحمله بينما الكرسي الخشب يترنح وراءه.
كان يرتدي
نفس الجلباب القديم ، وبنفس الصوت الخشن قال في فرح :
"يا نهار أبيض… ده حودة!
رجع يا جدعان!
يا حارة… يا ناس… حودة رجع!"
وبدأت الأبواب تُفتح…
وجوه تطل من العتمة…
رجال، نساء، أطفال…
حدّقوا فيه بفرح ممزوج بدهشة، كأنهم يستقبلون عائدًا من الموت.

اقترب عم علوان وربت على كتفه:
الله يرحم أبو حودة، أبوك، إللي ربي ما ماتش.

اخترقت كلماته قلب عمر.
نظر للست سميحة وقال:
"كان دايمًا يقول إنك ستّ طيبة…"
ردّت بابتسامة حزينة:
"هو كان طيب، وحنين … بس الدنيا كانت جاحدة معاه."
رفع عمر رأسه، وشعر فجأة بأن الحارة كلها تُحيّي روحًا رحلت للتو…..
سمع البحر من بعيد…
كأنه يودّع روح أبيه..
روح رجل عاش هنا...
وسقط هنا...
وأحب هنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى