رسالة من غانية ملحيس الى يحيى بركات

27-

الصديق العزيز يحيى بركات،
هذا النص البديع ليس مجرّد قراءة في تحوّلٍ فرديّ، بل هو التقاطٌ عميق لنقطة التحوّل الكبرى التي فجّرَتها غزّة في الوعي العالمي. لقد جعلتَ من قصة كاندِس أوينز مثالًا صارخًا على ما يحدث اليوم في قلب أمريكا: انشقاقاتٌ أخلاقية تتولّد من مواجهة الحقيقة العارية، وانكسارٌ داخل سردياتٍ رسّختها عقودٌ من الهيمنة الإعلامية والسياسية.
غزّة - بثباتها وصلابة مقاومتها واستعصائها على الخضوع - لم تُعِد رسم حدود الصراع فحسب، بل أعادت تعريف الإنسان نفسه في مواجهة عقل أداتي لا يتقن إلا الإبادة والتدمير. ومن هذا الجرح المفتوح انطلقت شرارة الوعي الجديد الذي نراه اليوم تتجسّد في أصوات آخذة في الاتساع: من كاندِس أوينز إلى تاكر كارلسون، ومن زهران ممداني إلى آلاف الطلبة والأساتذة والناشطين في ساحات الجامعات والمدن الكبرى.
هذه الأصوات ليست «مصادفات» عابرة، بل حلقات في مسار عالميّ يتشكّل تحت ضغط الحقيقة الفلسطينية. غزّة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل بوابة أخلاقية كبرى تعبر منها الإنسانية نحو فصل جديد فصل يتراجع فيه الخوف، وتتقلّص فيه فاعلية البروباغندا، ويعلو فيه صوت الضمير على ضجيج القوة.
لقد أحسنت التقاط اللحظة يا يحيى… اللحظة التي ينتقل فيها العالم - من العمى إلى البصيرة - بفضل دم لم يُهدر هباء، وصمود لم ينكسر، وشعب عظيمٍ قابض على الجمر علّم الكوكب أن الحقّ حين يتجسّد يصبح قوةً كونية لا تُهزم.
نعم… ما نعيشه اليوم هو بداية فجر إنسانيّ واعد، يتقدّم بثبات، ويؤكّد تفوّق قوة الحق على حقّ القوة.

دام حضورك المميّز، فمواصلة الحفر في جدران الوعي تُؤتي ثمارها، وتبشّر بانبثاق فجر إنسانيّ جديد ومستقبل مشرق يصنعه الأحرار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى