اللقاء الذي يَحْضُرنا وليس نحضره فقط، كأنه جسد من لحم ودم، هو اللقاء الذي يدمغ أثراً بليغاً وامتدادياً في النّفس والذاكرة؛ وكذلكم كان موعدنا مع الشاعر المغربي الكبير محمد بنيس، مساء السبت 25 يناير 2014، الذي حرَّرنا من الرِّبقة الإسمنتية لمدينة الرباط، لِتَلَمُّس شيء من الروح، فوجدتني مساءئذ أتوسَّل بخيال الشعر، لاختراق جدارات المادَّة التي تُطَيِّنُ عيشنا بقلَّة الإحساس، بل إن حتى ظلالنا الإنسانية تنكسر حين تصطدم بجدارات الحياة التي تَعْدَمُ ماء ورُواء الجمال الإبداعي، وتلتوي هذه الظلال وتطول حتى نفقد قاماتنا في الأرض ونصير أشباحاً، ولكن لا نستطيع عبر هذه الجدارات انْسِراباً إلا بماء الشعر؛ أجل لقد حَرَّرنا محمد بنيس من أنفسنا مسافة خيال رمزية، لندرك أننا آدميون قبل كل شيء، وما تبقَّى كاد يكون محض هُراء، لولا بعض الميلادات الثانية التي نحققها بكتابة قصيدة تجعل الحياة مستساغة ومضاعفة بأرواح لا تُقيدها الروزنامات ومُشرعة على الأبد؛ لنقل، إن كل هذه القيم الجمالية التي لا تُقاس إلا بميزان الذهب بعيداً عن الصفقات التي تستبخس الإنسان، هي ما حَضَرنا ونحن نحْضُر للقاء بنيس بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية بالرباط؛ وقد التأم حول شاعر «ورقة البهاء» الذي لا يحتاج حبره الثر والخلاَّق لِضماد، ثلة من الشعراء النقاد الألمعيين، هم؛ المهدي أخريف وعز الدين الشنتوف وأحمد العمراوي، وقام بتسيير أو تنضيد هذا العِقد الشعري الفريد، الشاعر عبد الحميد شوقي، أما الإعداد لهذا اللقاء الذي دبرت أطواره في الخفاء، فهو للمبدعة عزيزة رحموني؛ هكذا أصخنا الحواس للشاعر عز الدين الشنتوف الذي حدثنا عن الكتابة الأطروحة الساخنة التي جرى أوارها عام 1979، وسمّاها بنيس «ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب»، وقد صدرت طبعتها الثالثة هذه السنة، أنيقة، عن دار توبقال بالدار البيضاء؛ وكيف أن هذا الكتاب، خلَّف لدينا تناقضات صارخة، تفيد أن الرؤية النقدية التي يكتنفها هذا العمل، متطورة عن الواقع الشعري المغربي زمنئذ؛ مما جعل السؤال النقدي دالا في بنية غير دالة؛ أما الشاعر المهدي أخريف، فقد أفرد جناحي قراءته المستهيمة، في سماء «سبعة طيور» القصيدة وليس الديوان، فوجد أن عنصري الالتفات والتجريد، يتبادلان مواقع الخطاب في هذا العمل الشعري، أو هو صوت الشطح، صوت منحدر من مكان ما، آت من المستقبل، ليظهر الماضي والمستقبل معا بنغمين مختلفين، ولا يصنع الإيقاع الشعري إلا الكلمات.
وآثر الشاعر أحمد العمراوي الاغتراف من «نبيذ» محمد بنيس، ليمزج في قراءته العاشقة بين فعلي الشرب والكتابة، التي تعتبر إفراجا عن المشروب والمقروء معاً؛ وهو بهذه القراءة، إنما يعيد للأذهان تجربة العشق والسكر الصوفي الذي قد يحول حتى الحبر إلى خمرة يوصل شطحها لسدرة المنتهى...!
أعترف أننا في هذا اللقاء الشعري الذي بنظير سخونته تستنبت العذراوات الورود في الخدود، قد وضعتُ أكثر من جدار عن كاهلي، بل إن كل جدران الرباط ذابت في الحوارية الراقية التي يسري بمائها الشعر، ولا يلوح في أفقها إلا بعض الصداقات النبيلة التي تجعلنا - بتعبير بنيس - نستمر في الكتابة؛ أما أنا فعكس شاعرنا، أشكر الحياة على شِعرها وليس قِصَرها، لأنها بالشعر تطول أبعد من الأبد...!
وآثر الشاعر أحمد العمراوي الاغتراف من «نبيذ» محمد بنيس، ليمزج في قراءته العاشقة بين فعلي الشرب والكتابة، التي تعتبر إفراجا عن المشروب والمقروء معاً؛ وهو بهذه القراءة، إنما يعيد للأذهان تجربة العشق والسكر الصوفي الذي قد يحول حتى الحبر إلى خمرة يوصل شطحها لسدرة المنتهى...!
أعترف أننا في هذا اللقاء الشعري الذي بنظير سخونته تستنبت العذراوات الورود في الخدود، قد وضعتُ أكثر من جدار عن كاهلي، بل إن كل جدران الرباط ذابت في الحوارية الراقية التي يسري بمائها الشعر، ولا يلوح في أفقها إلا بعض الصداقات النبيلة التي تجعلنا - بتعبير بنيس - نستمر في الكتابة؛ أما أنا فعكس شاعرنا، أشكر الحياة على شِعرها وليس قِصَرها، لأنها بالشعر تطول أبعد من الأبد...!