مصطفى معروفي ــ التمليط

نقول "ارتجال" و"بديهة"و"تمليط"، ثلاث كلمات يكون المنضوي تحت كل واحدة منها شعرا، ونحن في هذا المقال تهمنا كلمة "تمليط" بالضبط، وما تعنيه وإعطاء مثال يوضح معنى التمليط وضوحا وخصوصا للقارئ الذي يقرأ عنها لأول مرة.
التمليط هو أن يجرب شاعران أو شعراء ما يجول بخاطرهم حول موضوع واحد حتى ينقطع نفس أحدهما أو أحدهم، وهو نوع من السجال بحيث يأتي الشاعر بقسم من البيت صدرا أو عجزا ، ويأتي صاحبه بالقسم الباقي ، ويكون ذلك في معنى واحد فقط لا يتعدى إلى غيره.
ومن أمثلة التمليط ما كان بين امرئ القيس والتوأم اليشكري واسمه الحارث بن قتادة اليشكري .
قَالَ أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَانَ امْرُؤُ الْقَيْسِ مِعَنًّا عِرِّيضًا يُنَازِعُ كُلَّ مَنْ قَالَ إِنه شَاعِرٌ، فَنَازَعَ التوأَم الْيَشْكُرِيَّ فَقَالَ لَهُ: إِن كُنْتَ شَاعِرًا فَمَلِّطْ أَنصاف مَا أَقول وأَجِزْها، فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
أَصاح أُريك بَرْقًا هَبَّ وَهْنًا
فَقَالَ التوأَم:
كَنَارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ استعارا
فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
أَرِقْتُ لَهُ ونامَ أَبو شُرَيحٍ
فَقَالَ التوأَم:
إِذا مَا قلْتُ قَدْ هَدَأَ اسْتَطارا
فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كأَنَّ هَزيزَهُ بِوَراءِ غَيْبٍ
فَقَالَ التوأَم:
عِشارٌ وُلَّهٌ لاقَتْ عِشارا
فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَلَمَّا أَنْ عَلا كَنَفَي أُضاخٍ
فَقَالَ التوأَم:
وَهَتْ أَعْجازُ رَيِّقِهِ فَحارا
فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَلَمْ يَتْرُكْ بِذاتِ السِّرِّ ظَبْيًا
فَقَالَ التوأَم:
وَلَمْ يَتْرُكْ بجَلْهَتِها حِمَارا
أشير إلى أن هناك كتابا طريفا أعجبني جدا وهو كتاب:
بدائع البدائه
تأليف :
جمال الدين أبي الحسن علي بن ظافر بن حسين الأزدي الخزرجي
المتوفي سنة 613 هجرية
في غلاف الكتاب وتحت العنوان مباشرة ما يلي:
جمع فيه مؤلفه أخبار الشعراء في البدائه والارتجال و محاسن أشعارهم في مواطن الإسراع والإعجال وأورد منها حكايات لم يسبق إليها.
والله ولي التوفيق وهو المستعان.

تعليقات

تحيات طيبات اخي السي مصطفى

ينفرد الشعر بعدة أغراض ومنها كما ذكرت "التمليط" وهو مصطلح من عدة مترادفات تعني سرعة البديهة والقدرة على الارتجال. وشدة المبارزة، وتعني أيضا المماتنة، أي القوة ومتانة النظم على السليقة
وعن التمليط علاوة عما تفضلت بذكره،
ما ارتجله المعتمد ابن عباد الذي اخذ اسمه من اسم جارية فائقة الحسن والجمال والذكاء اذ قال واصفا ماء النهر
( حاكت الريح من الماء زرد)
وطلب من وزيره الذي كان شاعرا أن يتمم له البيت فعجز، فسمع صوتا نسويا يرد :
(أي درع لقتال لو جمد)
فاُعجب المعتمد ابن عباد بذكائها، وجمالها، وسرعة بديهتها، فأغرم بها، فعشقها، فتزوجها، وجعل منها سيدة الأندلس الاولى.
والمعتمد من احب الشعراء إلى روحي، وواحد من الشعراء العاشقين الذين ابتلوا في حياتهم، وعاشوا عيشة بائسة.
وقد حضرت في بادية الرحامنة خلال زياراتي المتكررة لها لمثل هذه المسامرات بين شيوخ "حُمّادة"، أو بعض الشيوخ "لَعْرَبْ" ذوو الأصول الصحراوية -لتمييزهم عن "الغَرَّابة" أي الغرباء من سكان البادية - وهم يتبارون حول إتمام الگِيفان أو مجاراتها...
 
شكرا جزيلا لك السي المهدي على هذه الإضافة الممتعة ،وأغبطك على تذوقك السليم السامي للشعر وأقول:
في كتابه الرائع الممتع الجميل"بدائع البدائه" ينقل لنا ابن ظافر وهو يتحدث عن التمليط ما يلي:
من ذلك ما رواه أبو عزبة ،قال: أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع، فلحق الربيع بن أبي الحقيق نازلاً من أطمه، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقاً عظيمة، فحاصت بالنابغة ناقته. فقال:
كادت تهلل من الأصوات راحلتي
ثم قال: يا ربيع أجز. فقال:
والنفْر منها إذا ما أوجست حلق
فقال: ما رأيت كاليوم شعراً! ثم قال: أجز:
لولا أنهنهها بالزجر لاجتذبت
فقال:
متى الزمام وإني راكب لبق
فقال النابغة:
قد ملّت الحبس في الآطام واشتعفت
فقال:
إلى مناهلها لو أنها طلق
فقال النابغة: يا ربيع أنت أشعر الناس.
حياك الله وبيّاك مولانا
 
التعديل الأخير:
أعلى