ما انفكت مسألة المشاعر تشغلني: ماهيتها ومكانتها في حياتنا النفسية والاجتماعية، لأسباب عديدة من بينها : التسليم الواهم بأن الثقافة الحديثة بما حققته من معارف وعلوم أسست على العقل، باعتباره قادرا على اكتشاف الحقيقة الخالية من كل عنصر ذاتي أو شعوري.
وكذلك الاعتقاد بانفصال المشاعر انفصالا كليا عنه وعما ينتجه من أفكار من تصورات، الفكرة السائدة أن التعبير عن المشاعر يؤدي الى الفوضى والعنف أو الى ضعف إرادة الشخص أو الجماعة وقابلية كل منهما الى الاستغلال والعيش في عالم وهمي.
ومن بينها أيضا، التصنيف الشائع للثقافة الغربية الحديثة بأن أساسها العقل كما بيننا، لذلك فهي متفوقة على الثقافات الأخرى، خاصة منها تلك التي لها مرجعيات أخرى دينية عقائدية، لأنها تقوم على الايمان، أي على الاحساس باعتباره جوهر العقيدة.
ما يشاع من تمييز بين الرجل والمرأة لتباين صفات كل منهما، باعتبار أن الرجل عقلاني والمرأة عاطفية، ومن بينها أيضا أن السلطة بجميع مظاهرها الرمزية والمادية والمعنوية وآلياتها الفكرية السياسية الاجتماعية قد كونت لنفسها عدة طرق وأساليب للتحكم في هذه الطاقة الحيوية العظيمة التي نسميها مشاعر وأحاسيس، باعتبارها مصدرا من مصادر تهديدها وزعزعتها وزوالها.
وأن المعارف الحديثة لا تقوم على الإحساس أو المشاعر بل على التجربة الملموسة والعقل والنظريات.
جميع هذه المسائل أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى، لظهور الذكاء الاصطناعي وقدرته على الاستجابة لأكثر حاجياتنا تعقيدا مثل الازمات النفسية وما تكتنفه من تناقضات وتراكمات داخل وعينا.
وهي ملحة لانتشار الاحتجاجات والمظاهرات في جل البلدان والدول دفاعا على القضايا العادلة أو للمطالبة بحقوق والتي يحركها بالأساس الإحساس الجماعي بالظلم والقمع، أي كتلة معينة من المشاعر.
وهي ملحة أيضا، لما نراه من بوادر انهيار ما أنتجته الثقافة الحديثة من هوس البحث عن الرفاهة بالحث على استهلاك كل شيء: الماء، الكهرباء، المواد الغذائية، اللباس، الآلات بأصنافها، حتى الأماكن والأشجار والنباتات وغيرها التي لم تحقق ما يسعى اليه الانسان من سعادة، بل عمقت إحساسه بالاغتراب عن نفسه، وقد أدى ذلك الى انتشار مذاهب ومدارس وتيارات ذات أبعاد روحية متعددة الثقافات تطمح الى التعافي من مخلفات ذلك الاغتراب.
وسأحاول في هذا المقال التطرق لبعض هذه المسائل المتعددة والمتشابكة والواسعة، بطرح السؤال التالي: ما هي الأسطورة التي أسس عليها القرن الحادي والعشرون قيمه الإنسانية؟
طبعا، مثل هذا الطرح يكتنف إشكالية جوهرية تتمثل في التنكر لخصوصيات الثقافات الأخرى وافتراض ثقافة واحدة كونية، إلا أن الامر ليس كذلك، فالمقصود في السؤال المطروح هي الثقافة المهيمنة والمنتشرة عبر الوسائل السمعية البصرية والانترنت وهي الثقافة الغربية، كما تبدو لنا لا في الدول الغربية فحسب، بل كما تناقلتها وتبنتها دول وثقافات أخرى.
والمقصود بالأسطورة في هذا المقال هو معناها المعروف، المتداول: أي حكاية من نسج الخيال لا علاقة لها بالواقع، لكنها مع ذلك قادرة على أن تأسس لمرجعية ما، بفضل ما تحمله من رموز ومعان، أي جملة من الآليات الباعثة لأجوبة محتملة، حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والوجود الانساني.
وأسطورة القرن الحادي والعشرون المنبثقة من الثقافة الغربية، بوصفها الثقافة المهيمنة أسست على جملة من ركائز، نذكر بعضها فيما يلي:
العقل الذي يعتمد النظرية والتجربة هو من ابتدع التكنولوجيا ومن أخضع الطبيعة لإرادة الانسان ورغباته بحيث جعله سيد مصيره.
بذلك يكون العقل قد أثبت سيادته فعليا على الطبيعة بأن جعل الانسان مركزا للكون، بالتالي لا بد من منح هذا الانسان العاقل جميع الحقوق الكفيلة بحمايته من القمع والظلم والاضطهاد، باعتباره صانعا لمصيره ومتحكما فيه، والاعتراف له بحرية الاختيار دون قيود، ما عدا تلك التي تحجر عليه الاعتداء على غيره من الناس.
ونتيجة للاعتراف بسيادة الانسان على نفسه وحقه في الحرية، لا بد من الاعتراف للشعوب والجماعات بنفس تلك السيادة لضمان ممارستها واستمراريتها.
فما هو الجانب الأسطوري في هذه الركائز؟
أن عقل الانسان ليس إلا ملكة تعمل على توفير أمنه واستمراره، بالتالي فهي غير مستقلة عن الملكات الأخرى التي تحركه من الداخل مثل الرغبات والاهواء والمشاعر والاحاسيس، بل تفيد اكتشافات علم النفس، أن العقل هو الذي يسخر من قبل الانسان لخدمة الرغبات والاهواء والمشاعر وليس العكس. لذلك استعملت التكنولوجيا أسوأ استعمال، لأنها استغلت لتحقيق سلطة الانسان وتحكمه في العالم الخارجي الى حد تدميره تدميرا تدريجيا لا رجعة فيه، لان ما ابتدعه العقل كانت غايته سيطرة الانسان على الكون، الذي هو شكل من أشكال الاحساس بالخوف.
أن الانسان ليس مركزا للكون لا يسيره ولا يتحكم فيه، بل إنه مازال يجهل جل قوانينه ونواميسه، ولا يعد مركز مجتمعه ولا ثقافته ،بل هو حلقة تابعة لسلسلة من العلاقات، تجعله يتفاعل مع ما يحيط به من أشخاص و كائنات وموجودات، وأن الحقوق الممنوحة له من الناحية النظرية والمعروفة بمنظومة حقوق الانسان ليست قابلة للتطبيق في جميع جوانبها، لعدم انسجامها مع العديد من الثقافات، رغم ما تدعيه من كونية ،لكونها اعتبرت الانسان كائنا مستقلا الاستقلال التام عن الظروف الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي أنشأت هويته ،هذا علاوة على تنكرها للجانب المسيطر فيه وهي رغباته وأهواؤه .
أن ما يفرز بنية السلطة السياسية ومؤسساتها، ليست السيادة الشعبية النابعة من الإرادة الجماعية، بل ما تمارسه الجماعات النافذة بما تمتلكه من إمكانيات مادية ومعنوية من تأثير، لتوجيه تلك الإرادة وتوظيفها خدمة لمصالحها، مثل المؤسسات المالية والإعلامية.
هذه الأسطورة التي تنكرت لما يحرك الانسان ولو جزئيا تشكلت من جملة من الأوهام، إذ اعتبرت أن العالم شيء قابل للاستهلاك وللامتلاك، وأن الانسان سيد نفسه لقدرته على كشف حقيقة نفسه والكون من حوله بواسطة العقل، وأن "تشيء" العالم واستغلاله لتوفير راحته وأمنه سيوفر له الرفاهة والسعادة، فكان لا بد لهذه الأسطورة أن تقوم على قتل الاله من الناحية الرمزية واعتبار الاحاسيس والمشاعر ملكات هامشية، من شأنها أن تقوده للضياع والفوضى.
وفي الحقيقة، فإن الانسان السعيد هو إنسان الذي مازال قادرا على الشعور، لم تتبلد لديه هذه الملكة، بفعل القيود والضوابط الاجتماعية والتجارب والأيديولوجيات، وهو ليس الانسان الذي يفكر حسب التفسير السائد للتراث الفلسفي اليوناني، الذي يفصل الجانب النظري للتفكير عن جانبه التطبيقي والمخالف لتاريخ هذا الفكر، عند نشأته الذي كان يجمع بين الفكر والممارسة.
أما القول بتفوق الرجل على المرأة، لغلبة العقل لديه، فهو اعتقاد مخالف للواقع، لقدرة المرأة على تواصل في تجربة الامومة مع الأبناء بفضل الشعور والعاطفة، خاصة في مراحل طفولتهم الأولى، قبل تعلم الكلام والمشيء وقبل اكتمال ملكة الادراك لديهم، ومعنى ذلك أن الإحساس هو الملكة التي تمكن الانسان من النمو النفسي والجسدي، ثم تؤهله للتواصل مع الغير وتجعله يستقبل الحياة من حوله. وبالتالي فهو ليس مصدرا للضياع والفوضى، إلا في حالات معينة من الاختلال، إما الناجم عن ألم داخلي أو عن ضغوطات خارجية.
أن الفكرة المجردة المنبعثة عن العقل والمنقطعة عن الجسم أي عن مصدرها وعن أسباب نشأتها، هي أخطر من الإحساس المنفلت عنه والمندفع دون ضوابط، لأنها قد تدمر كل ما يحيط بها من خلال ما تبعثه من تصور نظري بحت.
فالعالم الذي يحيط بنا ليس شيئا إلا من منطلق الأفكار المجردة، بل هو منبع للحياة وهو متكون من كائنات حية تمتلك لغة الخاصة بها ولها تركيبتها المميزة، لم تخلق من أجل الانسان لكي يحقق سعادته ورفاهته.
والانسان بدوره هو كائن حي، يمتلك خصائص تميزه عن بقية الكائنات، ليس شيئا قابلا للاستغلال والامتلاك من طرف غيره من الناس.
فالنظرة التي تعتبر العالم شيئا قابلا للملاحظة والاستكشاف والتجربة، لا يمكنها أن تستثني الانسان ولئن اعتبرته نظريا مركز الكون أيديولوجيا كما سبق وبيننا، باعتباره جزءا لا يتجزأ من هذا العالم منبعث منه، وإليه يعود.
فهو تارة مركز الكون مادام قادرا على السيطرة عليه وامتلاكه، وطورا الشيء الممكن امتلاكه وإخضاعه والسيطرة عليه، لا تتشكل هويته من ذكرياته وأحاسيسه وهوائه فحسب، بل من علاقته العضوية بالأشياء، فبيته وسيارته ولباسه هي في الحقيقة امتداد له، لذلك يفقد الفقراء المهمشون الفاقدون لاي ملجأ أو عمل كل هوية اجتماعية بل جميع علاقاتهم لتأويهم الشوارع، ويقتصر وجودهم على تلبية أبسط حاجياتهم، في حين يتمتع الأغنياء باعتراف اجتماعي واسع يمكنهم من التأثير والسيطرة.
وصفوة القول، أن الانسان الحديث هو كائن يشكو من فراغ عاطفي ونفسي كبير، مدمن على الاستهلاك والامتلاك، يبحث عن نفسه في كتب علم النفس وعيادات الأطباء النفسيين، يسكنه الخوف من المرض والفقر، يستهلك المعرفة مثلما يستهلك الاكل واللباس، دون الاستفادة منها في حياته اليومية، يخشى الارتباط ولا يثق في غيره من الناس، يجد صعوبة قصوى في الانسياب مع مشاعره، قد نسي أن الشعور ليس إلا رابطة تجعله يتواصل بعمق مع الاخرين، بفقدانها يصبح الغير أداة وشيئا لتحقيق أهداف وأعراض شخصية.
لا معنى إذا، يمكن أن نسنده لصفتي العقلاني مقابل العاطفي، إنهما حركتان متداخلتان إلى أبعد الحدود، مرتبطتان ارتباطا وثيقا بعضهما ببعض، يتمثل دورهما في تمكين الانسان من التأقلم والانسجام مع محيطه والتواصل مع الاخرين، فعلى سبيل المثال: لا يمكن أن نتحدث عن أي نشاط فكري لدى الانسان في غياب الدهشة والحيرة ولا عن عاطفة باعتبارها تفاعل للنفس والجسد ينشأ في لحظة ما، دون أن يكون نابعا من تركيبة نفسية وتاريخ وذاكرة.
سيستمر العلم بالاعتماد على العقل، إذ لا يمكن له القطع مع ما أسسه من قواعد ونظريات وقوانين، لكن أسسه هذه لا تمنع من إدماج العاطفة والشعور أي البعد الإنساني عند التطبيق، حفاظا على الحياة في كل تجلياتها، سواء الطبيعية أو الخاصة بالمجتمعات الإنسانية.
فالمهم ليس علوية العاطفة على العقل ولا علوية العقل عليها، بل كيف يعيد الانسان التأسيس لعلاقة أخرى مع ذاته ومع العالم، لا تقوم على السيطرة ولا على الاستغلال، بل على الانسجام مع الحياة باعتبارها قيمة عليا، فإن لم يفلح في مثل هذا المسعى، لا يمكن الحديث عن المستقبل من وجهة نظري .
كاهنة عباس
وكذلك الاعتقاد بانفصال المشاعر انفصالا كليا عنه وعما ينتجه من أفكار من تصورات، الفكرة السائدة أن التعبير عن المشاعر يؤدي الى الفوضى والعنف أو الى ضعف إرادة الشخص أو الجماعة وقابلية كل منهما الى الاستغلال والعيش في عالم وهمي.
ومن بينها أيضا، التصنيف الشائع للثقافة الغربية الحديثة بأن أساسها العقل كما بيننا، لذلك فهي متفوقة على الثقافات الأخرى، خاصة منها تلك التي لها مرجعيات أخرى دينية عقائدية، لأنها تقوم على الايمان، أي على الاحساس باعتباره جوهر العقيدة.
ما يشاع من تمييز بين الرجل والمرأة لتباين صفات كل منهما، باعتبار أن الرجل عقلاني والمرأة عاطفية، ومن بينها أيضا أن السلطة بجميع مظاهرها الرمزية والمادية والمعنوية وآلياتها الفكرية السياسية الاجتماعية قد كونت لنفسها عدة طرق وأساليب للتحكم في هذه الطاقة الحيوية العظيمة التي نسميها مشاعر وأحاسيس، باعتبارها مصدرا من مصادر تهديدها وزعزعتها وزوالها.
وأن المعارف الحديثة لا تقوم على الإحساس أو المشاعر بل على التجربة الملموسة والعقل والنظريات.
جميع هذه المسائل أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى، لظهور الذكاء الاصطناعي وقدرته على الاستجابة لأكثر حاجياتنا تعقيدا مثل الازمات النفسية وما تكتنفه من تناقضات وتراكمات داخل وعينا.
وهي ملحة لانتشار الاحتجاجات والمظاهرات في جل البلدان والدول دفاعا على القضايا العادلة أو للمطالبة بحقوق والتي يحركها بالأساس الإحساس الجماعي بالظلم والقمع، أي كتلة معينة من المشاعر.
وهي ملحة أيضا، لما نراه من بوادر انهيار ما أنتجته الثقافة الحديثة من هوس البحث عن الرفاهة بالحث على استهلاك كل شيء: الماء، الكهرباء، المواد الغذائية، اللباس، الآلات بأصنافها، حتى الأماكن والأشجار والنباتات وغيرها التي لم تحقق ما يسعى اليه الانسان من سعادة، بل عمقت إحساسه بالاغتراب عن نفسه، وقد أدى ذلك الى انتشار مذاهب ومدارس وتيارات ذات أبعاد روحية متعددة الثقافات تطمح الى التعافي من مخلفات ذلك الاغتراب.
وسأحاول في هذا المقال التطرق لبعض هذه المسائل المتعددة والمتشابكة والواسعة، بطرح السؤال التالي: ما هي الأسطورة التي أسس عليها القرن الحادي والعشرون قيمه الإنسانية؟
طبعا، مثل هذا الطرح يكتنف إشكالية جوهرية تتمثل في التنكر لخصوصيات الثقافات الأخرى وافتراض ثقافة واحدة كونية، إلا أن الامر ليس كذلك، فالمقصود في السؤال المطروح هي الثقافة المهيمنة والمنتشرة عبر الوسائل السمعية البصرية والانترنت وهي الثقافة الغربية، كما تبدو لنا لا في الدول الغربية فحسب، بل كما تناقلتها وتبنتها دول وثقافات أخرى.
والمقصود بالأسطورة في هذا المقال هو معناها المعروف، المتداول: أي حكاية من نسج الخيال لا علاقة لها بالواقع، لكنها مع ذلك قادرة على أن تأسس لمرجعية ما، بفضل ما تحمله من رموز ومعان، أي جملة من الآليات الباعثة لأجوبة محتملة، حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والوجود الانساني.
وأسطورة القرن الحادي والعشرون المنبثقة من الثقافة الغربية، بوصفها الثقافة المهيمنة أسست على جملة من ركائز، نذكر بعضها فيما يلي:
العقل الذي يعتمد النظرية والتجربة هو من ابتدع التكنولوجيا ومن أخضع الطبيعة لإرادة الانسان ورغباته بحيث جعله سيد مصيره.
بذلك يكون العقل قد أثبت سيادته فعليا على الطبيعة بأن جعل الانسان مركزا للكون، بالتالي لا بد من منح هذا الانسان العاقل جميع الحقوق الكفيلة بحمايته من القمع والظلم والاضطهاد، باعتباره صانعا لمصيره ومتحكما فيه، والاعتراف له بحرية الاختيار دون قيود، ما عدا تلك التي تحجر عليه الاعتداء على غيره من الناس.
ونتيجة للاعتراف بسيادة الانسان على نفسه وحقه في الحرية، لا بد من الاعتراف للشعوب والجماعات بنفس تلك السيادة لضمان ممارستها واستمراريتها.
فما هو الجانب الأسطوري في هذه الركائز؟
أن عقل الانسان ليس إلا ملكة تعمل على توفير أمنه واستمراره، بالتالي فهي غير مستقلة عن الملكات الأخرى التي تحركه من الداخل مثل الرغبات والاهواء والمشاعر والاحاسيس، بل تفيد اكتشافات علم النفس، أن العقل هو الذي يسخر من قبل الانسان لخدمة الرغبات والاهواء والمشاعر وليس العكس. لذلك استعملت التكنولوجيا أسوأ استعمال، لأنها استغلت لتحقيق سلطة الانسان وتحكمه في العالم الخارجي الى حد تدميره تدميرا تدريجيا لا رجعة فيه، لان ما ابتدعه العقل كانت غايته سيطرة الانسان على الكون، الذي هو شكل من أشكال الاحساس بالخوف.
أن الانسان ليس مركزا للكون لا يسيره ولا يتحكم فيه، بل إنه مازال يجهل جل قوانينه ونواميسه، ولا يعد مركز مجتمعه ولا ثقافته ،بل هو حلقة تابعة لسلسلة من العلاقات، تجعله يتفاعل مع ما يحيط به من أشخاص و كائنات وموجودات، وأن الحقوق الممنوحة له من الناحية النظرية والمعروفة بمنظومة حقوق الانسان ليست قابلة للتطبيق في جميع جوانبها، لعدم انسجامها مع العديد من الثقافات، رغم ما تدعيه من كونية ،لكونها اعتبرت الانسان كائنا مستقلا الاستقلال التام عن الظروف الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي أنشأت هويته ،هذا علاوة على تنكرها للجانب المسيطر فيه وهي رغباته وأهواؤه .
أن ما يفرز بنية السلطة السياسية ومؤسساتها، ليست السيادة الشعبية النابعة من الإرادة الجماعية، بل ما تمارسه الجماعات النافذة بما تمتلكه من إمكانيات مادية ومعنوية من تأثير، لتوجيه تلك الإرادة وتوظيفها خدمة لمصالحها، مثل المؤسسات المالية والإعلامية.
هذه الأسطورة التي تنكرت لما يحرك الانسان ولو جزئيا تشكلت من جملة من الأوهام، إذ اعتبرت أن العالم شيء قابل للاستهلاك وللامتلاك، وأن الانسان سيد نفسه لقدرته على كشف حقيقة نفسه والكون من حوله بواسطة العقل، وأن "تشيء" العالم واستغلاله لتوفير راحته وأمنه سيوفر له الرفاهة والسعادة، فكان لا بد لهذه الأسطورة أن تقوم على قتل الاله من الناحية الرمزية واعتبار الاحاسيس والمشاعر ملكات هامشية، من شأنها أن تقوده للضياع والفوضى.
وفي الحقيقة، فإن الانسان السعيد هو إنسان الذي مازال قادرا على الشعور، لم تتبلد لديه هذه الملكة، بفعل القيود والضوابط الاجتماعية والتجارب والأيديولوجيات، وهو ليس الانسان الذي يفكر حسب التفسير السائد للتراث الفلسفي اليوناني، الذي يفصل الجانب النظري للتفكير عن جانبه التطبيقي والمخالف لتاريخ هذا الفكر، عند نشأته الذي كان يجمع بين الفكر والممارسة.
أما القول بتفوق الرجل على المرأة، لغلبة العقل لديه، فهو اعتقاد مخالف للواقع، لقدرة المرأة على تواصل في تجربة الامومة مع الأبناء بفضل الشعور والعاطفة، خاصة في مراحل طفولتهم الأولى، قبل تعلم الكلام والمشيء وقبل اكتمال ملكة الادراك لديهم، ومعنى ذلك أن الإحساس هو الملكة التي تمكن الانسان من النمو النفسي والجسدي، ثم تؤهله للتواصل مع الغير وتجعله يستقبل الحياة من حوله. وبالتالي فهو ليس مصدرا للضياع والفوضى، إلا في حالات معينة من الاختلال، إما الناجم عن ألم داخلي أو عن ضغوطات خارجية.
أن الفكرة المجردة المنبعثة عن العقل والمنقطعة عن الجسم أي عن مصدرها وعن أسباب نشأتها، هي أخطر من الإحساس المنفلت عنه والمندفع دون ضوابط، لأنها قد تدمر كل ما يحيط بها من خلال ما تبعثه من تصور نظري بحت.
فالعالم الذي يحيط بنا ليس شيئا إلا من منطلق الأفكار المجردة، بل هو منبع للحياة وهو متكون من كائنات حية تمتلك لغة الخاصة بها ولها تركيبتها المميزة، لم تخلق من أجل الانسان لكي يحقق سعادته ورفاهته.
والانسان بدوره هو كائن حي، يمتلك خصائص تميزه عن بقية الكائنات، ليس شيئا قابلا للاستغلال والامتلاك من طرف غيره من الناس.
فالنظرة التي تعتبر العالم شيئا قابلا للملاحظة والاستكشاف والتجربة، لا يمكنها أن تستثني الانسان ولئن اعتبرته نظريا مركز الكون أيديولوجيا كما سبق وبيننا، باعتباره جزءا لا يتجزأ من هذا العالم منبعث منه، وإليه يعود.
فهو تارة مركز الكون مادام قادرا على السيطرة عليه وامتلاكه، وطورا الشيء الممكن امتلاكه وإخضاعه والسيطرة عليه، لا تتشكل هويته من ذكرياته وأحاسيسه وهوائه فحسب، بل من علاقته العضوية بالأشياء، فبيته وسيارته ولباسه هي في الحقيقة امتداد له، لذلك يفقد الفقراء المهمشون الفاقدون لاي ملجأ أو عمل كل هوية اجتماعية بل جميع علاقاتهم لتأويهم الشوارع، ويقتصر وجودهم على تلبية أبسط حاجياتهم، في حين يتمتع الأغنياء باعتراف اجتماعي واسع يمكنهم من التأثير والسيطرة.
وصفوة القول، أن الانسان الحديث هو كائن يشكو من فراغ عاطفي ونفسي كبير، مدمن على الاستهلاك والامتلاك، يبحث عن نفسه في كتب علم النفس وعيادات الأطباء النفسيين، يسكنه الخوف من المرض والفقر، يستهلك المعرفة مثلما يستهلك الاكل واللباس، دون الاستفادة منها في حياته اليومية، يخشى الارتباط ولا يثق في غيره من الناس، يجد صعوبة قصوى في الانسياب مع مشاعره، قد نسي أن الشعور ليس إلا رابطة تجعله يتواصل بعمق مع الاخرين، بفقدانها يصبح الغير أداة وشيئا لتحقيق أهداف وأعراض شخصية.
لا معنى إذا، يمكن أن نسنده لصفتي العقلاني مقابل العاطفي، إنهما حركتان متداخلتان إلى أبعد الحدود، مرتبطتان ارتباطا وثيقا بعضهما ببعض، يتمثل دورهما في تمكين الانسان من التأقلم والانسجام مع محيطه والتواصل مع الاخرين، فعلى سبيل المثال: لا يمكن أن نتحدث عن أي نشاط فكري لدى الانسان في غياب الدهشة والحيرة ولا عن عاطفة باعتبارها تفاعل للنفس والجسد ينشأ في لحظة ما، دون أن يكون نابعا من تركيبة نفسية وتاريخ وذاكرة.
سيستمر العلم بالاعتماد على العقل، إذ لا يمكن له القطع مع ما أسسه من قواعد ونظريات وقوانين، لكن أسسه هذه لا تمنع من إدماج العاطفة والشعور أي البعد الإنساني عند التطبيق، حفاظا على الحياة في كل تجلياتها، سواء الطبيعية أو الخاصة بالمجتمعات الإنسانية.
فالمهم ليس علوية العاطفة على العقل ولا علوية العقل عليها، بل كيف يعيد الانسان التأسيس لعلاقة أخرى مع ذاته ومع العالم، لا تقوم على السيطرة ولا على الاستغلال، بل على الانسجام مع الحياة باعتبارها قيمة عليا، فإن لم يفلح في مثل هذا المسعى، لا يمكن الحديث عن المستقبل من وجهة نظري .
كاهنة عباس