4- رسالة من غانية ملحيس إلى الاستاذ الكاتب الصحفي البشير عبيد
الصديق العزيز الكاتب الصحفي البشير عبيد
قرأت مقالك القيّم " غزة والتحولات الإقليمية: حدود القوة وامكانات التغيير"بتمعن ، ولا يسعني إلا أن أحيّي فيك هذا الوعي المنهجي الذي يلتقط غزة بوصفها "مختبرا استراتيجيا" تتقاطع فيه القوة، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية.
لقد أحسنت قراءة الطبقات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تتحرّك فوق سطح الحدث.
لكن ما لفتني هو أنّ غزة، في لحظتها الراهنة، تخطّت حدود المقاربة الاستراتيجية نفسها. فالمشهد الذي تصفه - بكل تعقيداته وتحولاته - لا يطال تلك الطبقة العميقة من المعنى التي انفجرت من قلب الاصطدام:
ذلك المعنى الحضاري الذي لم يعد ممكنا تجاهله، لأنه لم يعد نتيجة الحدث، بل أصبح الفضاء كله الذي يعيد تعريف الحدث.
نعم، غزة تعيد رسم التحالفات.
نعم، تختبر صدقية القوى الإقليمية والدولية.
لكن ما يحدث في غزة يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية إلى ما يشبه الزلزال المعرفي الذي يهز بنية الحداثة المادية الغربية نفسها:
• الآلة العسكرية فقدت احتكارها للحسم.
• التحالفات فقدت قدرتها على صناعة رواية مقنعة.
• والإنسان- بصرف النظر عن موقعه في المعادلة - عاد مركزا لصناعة التاريخ.
في تحليلك للفاعلين الإقليميين والدوليين، تبرز بدقة حدود القوة التقليدية، لكن غزة اليوم تُظهر ما هو أبعد: أن "القوة" لم تعد مفهوما عسكريا أو سياسيا فقط، بل تحوّلت إلى قيمة أخلاقية و"معنى" و"تماسك مجتمعي" يعجز الفاعلون التقليديون عن قياسه، أو التأثير فيه، أو تجاوزه.
إنّ ما تسميه "الصمود المدني" هو في جوهره يقظة روحية – إنسانية تُربك الحسابات العسكرية وتؤسس لتحوّل حضاري لا يملك النظام الإقليمي ولا الدولي أدوات احتوائه.
لهذا، يبدو لي أن غزة اليوم ليست مجرد "كاشف استراتيجي" ، بل مسبار حضاري يختبر حدود النموذج الغربي نفسه: حداثته، قيمه، سرديته، ومشروعيته الأخلاقية.
وأجد أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط وفق السيناريوهات التي ذكرتها - وهي دقيقة ومبنية على معطيات واضحة - بل وفق سؤال آخر لم يعد ممكنا تجاهله:
ما الذي سيفعله النظام الدولي حين يكتشف أن القوة لم تعد قادرة على احتواء المعنى؟
هنا، في هذا السؤال، يبدأ المستقبل الحقيقي.
أقدّر عاليا جهدك التحليلي العميق، وأتمنى أن تتوسع هذه المقاربة لتلامس هذا البعد الجديد الذي فرض نفسه من قلب غزة:
البعد الذي يجعل من الصراع ليس مجرد قضية إقليمية، بل نقطة انعطاف حضارية تعيد تعريف الإنسان، والشرعية، والقوة، والمصير.
كل التقدير لك ولمسارك المعرفي.
غانية ملحيس
الصديق العزيز الكاتب الصحفي البشير عبيد
قرأت مقالك القيّم " غزة والتحولات الإقليمية: حدود القوة وامكانات التغيير"بتمعن ، ولا يسعني إلا أن أحيّي فيك هذا الوعي المنهجي الذي يلتقط غزة بوصفها "مختبرا استراتيجيا" تتقاطع فيه القوة، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية.
لقد أحسنت قراءة الطبقات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تتحرّك فوق سطح الحدث.
لكن ما لفتني هو أنّ غزة، في لحظتها الراهنة، تخطّت حدود المقاربة الاستراتيجية نفسها. فالمشهد الذي تصفه - بكل تعقيداته وتحولاته - لا يطال تلك الطبقة العميقة من المعنى التي انفجرت من قلب الاصطدام:
ذلك المعنى الحضاري الذي لم يعد ممكنا تجاهله، لأنه لم يعد نتيجة الحدث، بل أصبح الفضاء كله الذي يعيد تعريف الحدث.
نعم، غزة تعيد رسم التحالفات.
نعم، تختبر صدقية القوى الإقليمية والدولية.
لكن ما يحدث في غزة يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية إلى ما يشبه الزلزال المعرفي الذي يهز بنية الحداثة المادية الغربية نفسها:
• الآلة العسكرية فقدت احتكارها للحسم.
• التحالفات فقدت قدرتها على صناعة رواية مقنعة.
• والإنسان- بصرف النظر عن موقعه في المعادلة - عاد مركزا لصناعة التاريخ.
في تحليلك للفاعلين الإقليميين والدوليين، تبرز بدقة حدود القوة التقليدية، لكن غزة اليوم تُظهر ما هو أبعد: أن "القوة" لم تعد مفهوما عسكريا أو سياسيا فقط، بل تحوّلت إلى قيمة أخلاقية و"معنى" و"تماسك مجتمعي" يعجز الفاعلون التقليديون عن قياسه، أو التأثير فيه، أو تجاوزه.
إنّ ما تسميه "الصمود المدني" هو في جوهره يقظة روحية – إنسانية تُربك الحسابات العسكرية وتؤسس لتحوّل حضاري لا يملك النظام الإقليمي ولا الدولي أدوات احتوائه.
لهذا، يبدو لي أن غزة اليوم ليست مجرد "كاشف استراتيجي" ، بل مسبار حضاري يختبر حدود النموذج الغربي نفسه: حداثته، قيمه، سرديته، ومشروعيته الأخلاقية.
وأجد أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط وفق السيناريوهات التي ذكرتها - وهي دقيقة ومبنية على معطيات واضحة - بل وفق سؤال آخر لم يعد ممكنا تجاهله:
ما الذي سيفعله النظام الدولي حين يكتشف أن القوة لم تعد قادرة على احتواء المعنى؟
هنا، في هذا السؤال، يبدأ المستقبل الحقيقي.
أقدّر عاليا جهدك التحليلي العميق، وأتمنى أن تتوسع هذه المقاربة لتلامس هذا البعد الجديد الذي فرض نفسه من قلب غزة:
البعد الذي يجعل من الصراع ليس مجرد قضية إقليمية، بل نقطة انعطاف حضارية تعيد تعريف الإنسان، والشرعية، والقوة، والمصير.
كل التقدير لك ولمسارك المعرفي.
غانية ملحيس