د. أحمد الحطاب - السلطة والسلطة المُضادة

سؤالان يفرضهما علينا عنوان هذه المقالة، وهما : ما هي السلطة وما هي السلطة المُضادة؟

يسري الحديثُ عن السلطة عندما شخصٌ ما أو جماعةٌ من الأشخاص يعطي/تعطي لنفسِه/ها، بمشروعية أو بغير مشروعية، القدرة على ممارسة حُكمٍ، اجتماعي أو سياسي، أو ممارسة تأثير، كذلك، اجتماعي أو سياسي، على الغير. وهذا الغيرُ يمكن أن يكونَ بلداً بأكملِه، بما في ذلك سكَّانّه. كما يمكن أن يكونَ الغيرُ جزأً من هذا البلد أو جزأً من سكانه.

أما السلطة المضادة، فهي، كذلك، سلطة، بمعنى قوةٍ مُهمَّتها الأساسية هي وضع حدٍّ لممارسة السلطة. وبمعنى آخر، وضع حدٍّ لما قد يحدث من غلوٍّ في استغلالِ السلطة أو النفوذ. إذن، السلطة المضادة هي نوعٌ من القوة المُنظَّمة هدفُها الأساسي، هو إحداث توازنٍ بين السلطتين.

وفي هذا الصدد، يجب التذكير بأن هاتين السلطتين تتِم مُمارستها داخل المجتمع. وهذا الأخير، من المفترض أن تسودَ فيه سلمٌ اجتماعية une paix sociale، أي وضعٌ يكون فيه غيابٌ تام للصراعات والاختلالات الاجتماعية التي، في غالب الحالات، تكون نتيجةً لإدراكات conceptions مختلفة لأمور الحياة، بصفة عامة.

غير أن هذا النوع من المُجتمعات لا يوجد إلا في الخيال، إذ لا يوجد مجتمعٌ خالي من المشاكل والصراعات والاختلالات التي لا يمكن إيجاد حلولٍ لها إلا عن طريق العقل la raison والحِكمة la sagesse والحوار بين السلطتين.

وفي هذا الاتِّجاه، اخترع الإنسانُ السياسةَ والسلطةَ والسلطةَ المضادةَ بمشروعِية. وعندما أقول"مشروعية"، المقصود هو أن السلطةَ والسلطة المُضادة أرادهما وقبلها المجتمعُ.

بعد توضيح هذين المفهومين، سؤالٌ السلطة والسلطة المُضادة، هناك سؤالٌ آخر يتبادر للذهن، وهو : "مَن الذي، من جهةٍ، يُمارِس السلطة، ومن جهةٍ أخرى، مَن الذي يُمارس السلطة المضادة"؟

من وِجهة نظرٍ سياسية وديمقراطية، مُممارسة السلطة المشروعة يكون وراءها حزبٌ أو مجموعة أحزاب سياسية اجتازت بنجاح مرحلةَ الانتخابات التَّشريعة. غير أن السلطةَ المُمارسَة من طرف الأحزاب الحاكِمة، لا يجب أن تكونَ، بأي حال من الأحوال، مُطلقة absolue، أي بدون حدود ولا قيود restrictions. بمعنى أنها سلطة تسلطِية autoritaire، إكراهِية contraignante وشمولية ťotalitaire. وهنا، تظهر أهمية السلطة المُضادة لإيجاد توازنٍ بين السلطة والسلطة المُضادة.

وهذا الدور، أي إيجاد توازن، تلعبُه، في البلدان الديمقراطية، مؤسسات أرادها وقبِلها المجتمع. وفي هذا الصدد، يمكن، على سبيل المثال، أن نذكرَ الأشخاص، البرلمانات، النقابات، المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني، وبالأخص، الجمعيات غير الحكومية les ONG.

نعم البرلمانات والجهات الأخرى، وجودها في الساحة السياسية، هو ضمان توازنٍ بين السلطتين، الذي، بدورِه، يضمن عدمَ التَّجاوزات في استغلال السلطة.

وخلافاً لما يظن بعض الناس، البرلمانات (الأحزاب التي فازت في الانتخابات التشريعية) لا توجد فقط لصياغة القوانين. إنها، كذلك، تراقِب العمل الحكومي. وبمراقبتِها هذه للعمل الحكومي، فإنها تمارس سلطةً مُضادةً، علما أن البرلمان، بمجردِ تنصِيبِه، يصبح مُمثِّلاً للشعب وليس ممثِّلا للأغلبية.

وهنا، سؤالٌ آخر يفرض نفسَه علينا، هو : "هل سلطتُنا وسلطتُنا المضادة يوجد بينهما توازنٌ؟

الجواب على هذا السؤال، هو لا من أول وهلة. لماذا؟

لأن مشهدنا السياسي فاسِدٌ حتى النُّخاع. والأحزاب السياسية، هي نفسُها، مَن تكون وراءِ هذا الفساد. إلى درجة أن المُبرِّر الأساسي لوجود هذه الأحزاب، هو التَّسابُق نحو كراسي السلطة من أجل السلطة بدون ضمير وبدون أخلاق.

الوسائط الإعلامية les médias أو ما يُسمى ب"السلطة الرابعة"مقسمة إلى فئتين. هناك الفئة التي تصفِّق، دائماً، للسلطة وتغض الطرفَ عن انحرافاتِها أو تفسِّرها حسب أهوائها. وهناك الفئة التي، عن طواعية، تريد أن تلعبَ دورَ السلطة المُضادة، لكنها تجد نفسَها أمام مُضايقاتٍ مُدبَّرة مسبقا ومنظمة. والدليل على ذلك حدفُ المجلس الوطني للصحافة والمُضايقات التي ذهب ضحيتَها كثيرٌ من الصَّحفيينن. وقد سبق لأحدِهم أن نشر فيديو تبيِّن المُؤامرة المُحبكة التي يتعرَّض لها الصحفيون والضرر الذي تتعرَّض له حرية الرأي والصحافة.

أما النقابات والجمعيات غير الحكومية، المُنتمِيات معا للمجتمع المدني، كان من واجِبِهما، أن تؤثِّرَ على القرارات السياسية الصادرة عن الحكومة. لكنها، بكل أسفٍ، تتعرَّض لمناوراتٍ غير أخلاقية ولمحاولات الارتشاء، إلى درجة أن النقابات ضاع منها سرُّ وجودِها والجمعيات غير الحكومية لم تعد ترى أمامها إلا الإعانات المالية les subventions التي توفِّرها لها السلطة العمومية. فكلما كانت هذه الإعانات وافِرة، كلما تضاءلت خدمةُ الصالح العام.

أما المعارضة البرلمانية، فإنها أبانت عن غيابٍ تام عن الساحة السياسية الوطنية. رغم أنها ترى، بأم أعيُنها، المناورات غير الأخلاقية الصَّادِرة عن الحكومة الحالية. في الحقيقة، أحزاب المعارضة، مرَّت كلها من إحدى الحكومات السابِقة. فإن وجودها في المعارضة، ما هو إلا انتظارٌ ريثما تعود للحكومة بعد الانتخابات التَّشريعة المُقبِلة. في هذه الحالة، فلماذا تثقِل كاهلَها بلعب دور السلطة المضادة؟

وفي الختام، في هذا البلد السعيد، الموصوف بالديمقراطي، التَّوازن بين السلطة والسلطة المُضادة، دخل مرحلةَ التَّآكلِ نظرا لمُضايَقات الحكومة (السلطة القائمة) التي، عوض أن تتصدَّى للمشكلات التي تنخُرُ جسمَ المجتمع المغربي (الفقر، البطالة، الامية، التوزيع العادل للثروة التي تُنتِجها البلاد، تمويل البحث العلمي، جودة التعليم…)، فإنها تتصدَّى لأبسط الحقوق التي لم تعد موضعَ نقاشٍ في امصارٍ أخرى. إن هذه الحقوق يتِمُّ تُعزَّيزها وتقويتُها لتتطوَّر من حستٍ إلى أحسن. في الحقيقة، الحكومة الحالية تريد أن تبقى حرة اليدين، أي بدون سلطة مضادة تُضايِقها، وكذلك، بدون فصلٍ للسلط التشريعية، التنفيذية والقضائية. وهذا هو ما نجحت فيه بتصدِّيها للمؤسسات الرسمية للبلاد كالمنذوبية السامية للتخطيط التي تُصدِر بانتظام تقارير مخالِفة لما تزعمه الحكومة والهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الفساد، التي، هي الأخرى، تُصدِر تقارير سنوية تبيِّن فيها المستوى الذي وصل إليه الفساد، بجميع أنواعِه، في هذا البلد السعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى