ثلاث رسائل بين غانية ملحيس والكاتبة المغربية نزهة الإدريسي حول مقال غانية ملحيس"حين تُختزل الظاهرة الكونية في مشكلات محلية"

1- رسالة نزهة الادريسي

عند حديثنا عن المرأة فإننا نتحدث عن الأسرة. لان المرأة هي العمود الفقري للأسرة. قديما كانت الأسرة هي الهدف وهي شيء مقدس. تساهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وحفظ المصالح الإقتصادية والمكانات الاجتماعية وتعداد أفراد العائلات والقبائل.. ولم تكن المرأة وحدها الأداة لذلك، بل الرجل أيضا اذ كان مجبرا هو أيضا للخضوع لتقاليد مجتمعه فيفرض عليه الزواج من ابنة عمه او قبيلته او طبقته. والمرأة تذوب ضمن هذا النظام وتلقى فرصا اوفر للزواج وتكوين أسرة.
اليوم ما نشهده هو تضارب مفاهيم وصراع حضارات. بين مفاهيم توصم بالقديمة لدى العرب والمسلمين ونظامهم الاجتماعي الكلاسيكي. وبين المفاهيم التي اتت بها الحداثة الغربية. وهي مفاهيم مرتبطة بمنظومة احتلالية تعادي الموروث العربي والإسلامي جملة وتفصيلا. ومنه مفهوم الزواج الذي صار خيارا فرديا وليس ضرورة اجتماعية مقدسة. تجربة شخصية وليس تقرير مصير. تحييد المقدس والمبادئ العليا لحساب الحرية الجنسية والعلاقات الخاصة بلا قيود. واعتقد ان هذا العامل اي العامل الاخلاقي هو سبب الأزمة. فالزواج وحرمة المرأة تقف دائما أمام مفاهيم الحداثة التي تستبيح حرمة المرأة بادعاء حريتها الشخصية وجعلها فريسة سهلة لنهم الرجل الجنسي
وقضية المساواة المطلقة التي خففت الكثير من المسؤوليات عن
الرجل واضافت متاعب أخرى للمرأة خاصة ما تعلق بالنفقة وتلبية حاجيات الأسرة. اذ صار لزاما عليها مواصلة التعليم والتكوين ليس من أجل التثقيف والارتقاء بمستواها العلمي وانما من أجل الحصول على عمل وراتب شهري حتى تستطيع تكوين أسرة والمساهمة في اعالتها. وهذا الأمر طبعا سبجعلها تنفق سنوات من العمر وبالتالي سن الزواج يرتفع الى ما فوق الثلاثين غالبا. وخلال رحلتها المضنية هذه. لا تسلم من سهام النقد والتجريح والوصم بالعنوسة. رغم أنها في الأخير تستطيع الزواج وتكوين أسرة وهي أكثر وعيا وقدرة على تحمل المسؤولية.
المهم ان يبقى " المعنى " حاضرا اي ان الهدف من الزواج هو تكوين أسرة الخلية الأولى للمجتمع. أسرة متماسكة على مبادئ رفيعة تضمن سلامة واستمرار هذه الخلية. ولا نعتبر الزواج تجربة عابرة أو مجرد جواز سفر لغرفة النوم. او تحايل على قيم المجتمع للوصول لجسد المرأة بطرق " شرعية "

نزهة الادريسي
25/11/2025



/////

2- رسالة غانية ملحيس

عزيزتي نزهة،

أقدّر ما طرحتهِ حول التحولات الاجتماعية وصراع المفاهيم بين البنى التقليدية العربية الإسلامية وبين منظومة الحداثة الغربية، لكن من المهم التأكيد على أن عمل المرأة ومشاركتها في المجال العام ليسا نقيضًا للحضارة العربية الإسلامية ولا مهدّدين للأسرة كما ظهر عبر التاريخ.
ففي الإسلام نفسه نماذج راسخة لنساء تميزن في العلم والعمل والإدارة، دون أن يتعارض ذلك مع قيم الأسرة أو ثوابت المجتمع.
فالسيدة خديجة بنت خويلد كانت تاجرة تدير نشاطًا اقتصاديًا واسعًا، وحفصة بنت سيرين كانت فقيهة وعالمة ونسّاجة، وزينب بنت جحش كانت تعمل في صناعة الجلود، وأسماء بنت أبي بكر شاركت في العمل الزراعي والإنتاجي، إضافة إلى نماذج في الطب والتمريض والمشاركة الميدانية مثل رفيدة الأسلمية وأم عطية الأنصارية ونسيبة بنت كعب.
كما ظهرت نساء في مهام إشرافية وإدارية رسمية مثل الشفاء بنت عبد الله التي تولّت الحسبة ومراقبة السوق في عهد عمر بن الخطاب.
كل هذه النماذج تؤكد أن تعليم المرأة وعملها واستقلالها الاقتصادي لم يكونوا يومًا ضدّ الأسرة، بل جزءًا من منظومة الحياة في المجتمع الإسلامي.
ولهذا فالمشكلة اليوم ليست في خروج المرأة أو مشاركتها أو ارتقائها العلمي، بل في تفكيك “المعنى” المرتبط بالأسرة وتحويل الزواج من مشروع لبناء خلية اجتماعية قوية إلى مجرد تجربة فردية أو قرار شخصي منفصل عن قيم المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة.
إن ضغوط الفردانية المادية الحديثة هي التي غيّرت مفهوم الزواج، لا عمل المرأة ولا علمها. وحين يفقد الزواج معناه، يصبح كل نقاش حول أدوار الرجل والمرأة محصورا في صراع نماذج بدل أن يكون جزءا من مشروع حضاري متكامل.
ومن المهم أيضا التمييز بين الدين والعادات الاجتماعية. فالممارسات مثل زواج ابنة العم أو الزواج داخل القبيلة ليست من الدين، بل من التقاليد. فالقرآن الكريم يبيّن بوضوح أن الغاية من الزواج هي السكن والمودة والرحمة:
"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً…”
نحن لا نريد للمرأة أن تذوب في النظام الاجتماعي، ولا للرجل أيضًا. ما نريده هو مجتمع متوازن، يحفظ دور كل فرد ومسؤوليته، ويجعل من الأسرة خلية قوية قائمة على المعنى والقيم العليا، لا مجرد عقد اجتماعي شكلي أو تجربة عابرة.

غانية ملحيس
25/11/2025


/////

3- رسالة نزهة الإدريسي


اتفق مع حضرتك بكل كلمة والحقيقة ان أزمتنا لا تكمن بهذه الظواهر الاجتماعية التي تظهر للعيان لأنها نتيجة وليست السبب. فالسبب الحقيقي هو تفكك انساقنا الفكرية وتشوهها بفعل الهجوم الكاسح الذي لحقنا من طرف التيارات الفكرية القادمة من الخارج والتي تصادمت مع ثقافتنا واعرافنا وضميرنا الجمعي. الذي يكفل تماسكنا فعندنا كما ذكرت حضرتك سيدات نبغن في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية أيضا حيث برزت نساء فارسات لا يشق لهن غبار في التاريخ و العربي والإسلامي مثل خولة بنت الازور. ليست هنا المشكلة لكن المشكلة في النظرة الى القضية. من المنظور العربي والإسلامي فتلك المهام تدخل في نسيج الشخصية ويحترمها المجتمع وتعد أيضا فلتات يقدرها المجتمع ويعتز بها لكنها لا تضيع اجر ومقام من أحسنت عملا من باقي النساء اللواتي يقبعن في البيوت. لكن من المنظور الغربي فهي مطلوبة لذاتها ولا تقدر المرأة الا بها حتى لو كانت شهادة لا تغدو عن حبر على ورق. لذلك تأتي بعض الاحصائيات التي تهتم بمستويات وحقوق المرأة تضع المرأة الغربية في الدرجات العلا نظرا للمستويات التعليمية التي أدركتها او نسبة المتعلمات والعاملات. والمرأة العربية في مستويات أدنى نظرا لمستويات التعليم او الشهادات المتدنية أو نسبة العاملات. في حين أن مجتمعاتنا العربية أكثر استقرارا وسعادة في البيوت والمرأة العربية حققت مستويات أعلى في نجاحهن في الحفاظ على الأسرة. وتنظيمها من كل النواحي. فان غابت ظاهرة العنوسة والتي (اراها ظاهرة مختلقة) فقد حضرت في مجتمعاتهم ظواهر أخطر مثل العزوف على الزواج والتهرب من مسؤوليات الأسرة مما اوقعهم في مشاكل أكثر خطورة وهي التفكك الذي اصاب المجتمع كله وارتفاع نسبةالشيخوخة التي باتت تهدد الجنس الأوربي نفسه ناهيك عن المشاكل الاقتصادية التي تمخصت عن قلة الشباب والكفاءات الشابة.
نزهة الإدريسي
25/11/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى