العقيد بن دحو - مات المسرح أم مات الممثلون أم مات الجمهور

ما الذي يحدث بالعلبة الإيطالية الجزائرية؟

الضربة القوية التي تلقتها المأساة أو / التراجيديا الإغريقية ، تلك التي وجهها لها الشاعر الدرامي الكوميدي (أرستوفانز) في ملهاة (الضفادع) The frogs comedy ؛ منذ ما قبل التاريخ ق:(_405) ق.م. لم تكن يومها تهكما او سخرية و نكاية في المآل التي آلت اليه التراجيديا ، و لا في رموز شعرائها الكبار الثلاث : (يوريوبيدز - صوفوكليس - اسخيلوس) انما كانت أولى المؤشرات عن نهاية المسرح برمته بنيات نحتية و فوقية ، مادية و معنوية و بشرية . كل شيء انتهى بهذا الفن الجميل ، الفن الرابع الذي أضحك و أبكى ، أسعد و أشقى أمة باكملها في مجرى التاريخ ، قبل التدوين و بعد التدوين.
لم يعد في هذه الحضارة المسرحية ذات التقليد الاغريقي الأخلاقي العريق امكانية الإبداع أكثر مما كان ، لا تفكيرا و لا محاكمة.
يوم جسد الشاعر الدرامي الكوميدي على المسرح (الأثيني) أدرك الجمهور الاغريقي بأنه أمام عرض مأساة أكثر منها عرضا كوميديا ،تثنية الفعل الدرامي و نقيضه ، ضحك كالبكاء و بكاء كالصحك !
اعتبر النقاد الألمان و على رأسهم (جوته) Hothe بأن ملهاة (الضفادع) أول نص في النقد في التاريخ يتوجه الى الدراما بشكل عام.
ذاك أن مُسّت التراجيديا بأزمة ما فلم يعد للأغارقة إلا صورة اللحم و الدم!
تنص فقرة النهاية بما يلي : "حين ذهب الإله (ديونيسيوس) الى العالم الآخر ليسترد واحدا من شعراء التراجيديا (يوريوبيدز - صوفزكليس - اسخيلوس) لم يبق منهم أحدا ، ذاك أن المأساة اليونانية انتهت بموت الشعراء الثلاث" !
منذ ذاك العرض الملهاة المأساة ، اعتيرت عقابيل شؤم على المسرح عامة ، كما اعتبر في المعتقد الشعبي (الضفدع) الحيوان البرمائي فأل نحس على الطبيعة.
قد نحسب الوقيعة الدرامية مجرد لعبة محاكاة أرسطية لأفعال نبيلة ، القصد جراها اعادة التوازن بيم الإنسان و المحيط ، و بعث عاملي التكفير و التطهير ، سواء عن طريق البكاء الألم أو الضحك السعادة و الفرح و السرور ، في سبيل التكفير و التطهير من أدران انفعالات النفس
لكن الزائر اليوم الى تلك المسارح الجهوية و الوطنية بالجزائر ؛ تلك (العلب الإيطالية) يكتشف بأم عينيه حجم المأساة التي مست المأساة الدرامية ذاتها عندنا ، يلمس حجم الملهاة أو الكوميديا التي وصلت اليها الماهاة الكوميدية ذاتها ، على من تبكي و على من تضحك !
لك أن تتأكد بأن فعلا المسرح انتهى منذ عهد الاغريق ، أما ماهو ماثل أمامنا يؤكد فعلا مات و شبع موتا ، الى أفول لا يؤوب منه مسافر !
عندما يصل الاسفاف و الإفلاس باحد هذه العلب تجعل من سلسلة مقالات أو هي (أقوال) - لست أدري - نصا دراميا ، يغيب فيه الحوار مخ العبادة التمثيلية ، و محور مركز ثقل أي نجاح مسرحي !
ما الذي يحدث في مسارحنا صالات عرضه تؤجر كوحدات بيداغوجية للجامعة ، و هكذا عم الصمت الممل المكل ، و كأن المسرح أصبح على كابوس أورثه هذه الإستكانة و هذا الفقر الثقافي و الفني ، أين صار يستعين بممثلين و مخرجين خارج الديار !
فإذا كان الشلعر و المخرج و الممثل ابن بيئته تاريخيا و سيكولوجيا و عرقيا فمن أين يأتي النجاح !؟
وعندما نجد (نصا) بلا حسيب و لا رقيب ، كل ماهو شطط و عط و مط ، تركيبة من سلسلة اجنحة لعصفةر واحد فمن أين تأتي الفرجة وقتئذ !
كاتب و مؤلف يصرح بملء فيه بأن ليست ليه خبرة مسرحية ، و مخرج يصرح بأنه يعيش خارج الجزائر فأين المسرح بن بيئته ، و حين تؤثر الجغرافية في الثقافة....
و حين يصل و يهيمن من ليس لخم خبرة مسرحية أو تدنى موهبة فنية ، مجرد رجع صدى لكراسي فارغة ، أواني مستطرقة ، أشباه و أشباح و أنصاف تغلق اللعبة المسرحية ، بغترب الجمهور و بعتبرها خيانة عظمى لا تقل عنفا وزراية عن خيانة الأوطان و الإخوان !
أليست كل هذه المآسي نهاية من نهايات المسرح !؟
يحز في أنفسنا بمرارة ما تعيشه هذه العلب الإيطالية من تجارب راديكالية ، تصنع النصوص على المقاس ، التمثيل على المقاس ، الإخراج على المقاس ، و حتى اذا ما وقع الفأس بالرأس سجلت التهمة ضد مجهول !
عبث لم يسبق له مثيل ، وليته كان عبث (ألبير كامو) ، سيزيف كلما أوشك أن يوصل حجره تعود صعدا نحو الأسفل !
يؤسفنا أن نكون شهود اعيان على اغتيال مسرح ، فن ، فن راق جميل بين أيدي تعجنه عجنا صبحا و مساءا و لا خبز و لا شعب عظيم.
ما كدنا أن نصدق ما درسناه و تعلمتاه في الجامعات و المعاهد و على أيدي كبلر أساتذة قس الدراما عرب و عجم ، حتى يصدمنا المفكر ذو الأصول الأسيوية (فوكوياما) عن فكرة "تهاية التاريخ" بمعنى نهاية القيّم ، وواحدة من هذه النهايات ، نهاية المسرح !.
دعنا لا نصدق هذه النهاية أو هذه الميتتة الفجيعة ، لكن أن تسبق العربة الحصان ، و يسبق العرض تأليف النص ، و يسبق الممثل المخرج ، و حتى ان كان الجمهور مجرد كراسي فارغة ، و حتى انت مناقشت العرض المسرحي كمحاكم تفتيش الحرب العالمية الثانية قراراتها النهائية تقرر في الدهاليز المحكمة !
ما يههم (العرض) وبعدهم الطوفان !
كنا نعلم أن هذا الفن الجميل انتهى منذ عهد الاغريق ، لكن ما نشاهده على الركح الهندسي و الجغرافي المعماري ، ز مع هؤلاء الأوليغاركيين تأكد لنا بأنه فعلا مات دون رجعة.
و ما نشهده و نشاهده مع هؤلاء ما هم إلا خصوم عزول ، اخوة اعداء ، قدموا على الركح اعادة تمثيل وقيعة الجريمة ، و كيف تصارعوا على غنائم وأسلاب صاحب الإرث المتوفى ، قبل أن تسدل الستارة على أكبر كذبة يسمونها (مسرخية) و على أكبر كذبة يسمونه (اخراج) خارجي ، و عن نص تم تركيبه كما تركب الدعاية و اليروبجندا تتغذى بالتراكم و الإضلفات !
صحيح المأساة الوطنية ، العشرية الحمراء الدموية (1992 - 2002) أكلت الأخضر و اليابس ، قضت على خيرة أبناء الجزائر المسرحيين و الفنانين و المثقفين : عبد القادر علولة ، عز الدين مجوبي....
أما اليوم فاض الركح لامثال هؤلاء الذين يؤلفون الشتات و يخرجون الخراج و الذين مولون التمويل ، ليبزغ في الاخير (المارد) من قمقم (الرداءة) لها أهلها المناسبين في المكان المناسب و بالوقت المناسب ليعلنوا جميعا لا عن نهاية فصل مسرحية أنتهى ، ز انما عن نهاية مسرح انتهى ، عقد عليه الجمهور أمالا كبيرة في أن يراجعه فيما يتعلق بمشاكله الحياتية ، و اذ قراصنة الرمل صادرته الى هشيم مسخرة تدرها الرياح !
يؤسفنا أن يؤول هذا الفن الجميل الذي أعطى للثورة الجزائرية قرابين دمائه ، أن يؤسر بهذا الشكل أسيرا مكبلا باغلال الجهلة والاقل موهبة و ابداعا.
مات المسرح ، و مات الممثلون ، و مات المخرج ، و لم يعد الا ذاك المتحف الذي يجعل الصليب يغدو أن يكون نحثا / (مالرو).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى