د. زهير الخويلدي - الإنسان الكامل والإنسان الأرقى بين التصوف والفلسفة، مقاربة أنطولوجية

مقدمة

في قلب كل تقليد روحي أو فلسفي كبير يقف سؤال واحد لا يُسكت: ما الذي يمكن أن يصبح عليه الإنسان إذا تجاوز كل حدوده؟

في التصوف يُسمَّى هذا الحدّ الأقصى «الإنسان الكامل»، وفي الفلسفة الحديثة والمعاصرة يُسمَّى «الإنسان الأرقى» أو «الإنسان ما بعد الإنسان» أو «الذات المطلقة» أو «الكائن-في-العالم الذي تجاوز الاغتراب». رغم التباعد الظاهري بين اللغتين، فإن كلتيهما تطرحان السؤال الأنطولوجي نفسه: هل هناك طبيعة ثانية للإنسان، أو وضع وجودي ثانٍ، يتجاوز فيه الكائن البشري محدوديته الأولى ويصبح مرآة الكمال المطلق أو صانع قيمه المطلقة؟

هذه الدراسة لا تريد أن تُقارن بين شخصيات تاريخية أو نصوص بعينها، بل أن تُقارن بين بنيتين أنطولوجيتين: بنية «الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي (خاصة عند ابن عربي والتيار الأكبري) وبنية الإنسان الأرقى في الفلسفة الغربية (من هيجل ونيتشه إلى هيدجر ودولوز وسلوتردايك). المقاربة ليست تاريخية ولا ثقافوية، بل وجودية-أنطولوجية بحتة: ما الذي يحدث للوجود البشري حين يُدفع إلى حده الأقصى؟

١. الإنسان الكامل: مرآة الوجود المطلق ومظهره الأتمّ

في الرؤية الأكبرية، الإنسان الكامل ليس كائناً متميزاً بين البشر، بل هو الاسم الأعلى الذي يُطلق على الوجود البشري حين يصبح مظهراً تاماً لجميع الأسماء والصفات الإلهية. هو «البرزخ الأعلى» و«النقطة التي تحتها جميع النقاط» و«القطب الذي عليه تدور الأكوان».

أنطولوجياً، الإنسان الكامل ليس نتيجة تطور أو ارتقاء، بل هو كينونة أصلية سابقة على الخلق وعلى الزمن. هو «الحقيقة المحمدية» أو «اللوغوس الأول» الذي خُلق العالم لأجل تجلّيه. ولهذا فإن كل إنسان يحمل في داخله إمكانية أن يصبح إنساناً كاملاً، لكنه لا يصبح كذلك إلا بالفناء في الله (فناء الفناء) ثم البقاء به. الطريق إذن ليس طريق اكتساب، بل طريق رفع الحجب وكشف ما هو كائن أصلاً.

الإنسان الكامل لا يتجاوز الإنسانية، بل يحققها تحقيقاً تاماً. هو ليس فوق الإنسان، بل هو الإنسان في أتم صورة ممكنة. ولهذا فهو يجمع بين التنزيه المطلق والتشبيه المطلق: هو عبد الله الأتمّ، وهو مظهر الله الأتمّ. لا يوجد فيه أي تمرد على الحدّ البشري، لأن الحدّ البشري نفسه هو أوسع الأوعية وأكملها لاستيعاب المطلق.

.٢. الإنسان الأرقى: تجاوز الإنسانية وخلق قيم جديدة

في الفلسفة الغربية الحديثة، يظهر مفهوم الإنسان الأرقى كرد فعل على موت الله وعلى انسياب الوجود الإنساني في عالم خالٍ من المعنى المسبق. منذ هيجل، الذي رأى أن الروح المطلقة تصل إلى ذاتها فقط عبر تاريخ الإنسانية ومعاناته، مروراً بفويرباخ الذي قال إن الله ليس إلا إسقاطاً لجوهر الإنسان، وصولاً إلى نيتشه الذي أعلن أن «الإنسان حبل مشدود بين الحيوان والإنسان الأرقى»، نجد بنية أنطولوجية مختلفة تماماً.

الإنسان الأرقى ليس مظهراً لكمال سابق، بل هو اختراع مستقبلي. ليس كشفاً لجوهر مخفي، بل خلقاً لجوهر جديد. الطريق إليه ليس الفناء، بل التجاوز . يجب أن يموت الإنسان القديم (الإنسان الأخير الذي يرمش) كي يولد الإنسان الجديد. ولهذا فالإنسان الأرقى ليس تحقيقاً للإنسانية، بل نفياً لها وتجاوزاً لها. هو ليس عبداً ولا سيداً لله، لأن الله قد مات، بل هو صانع القيم، المشرِّع الأعلى، الطفل الذي يلعب على شاطئ اللامتناهي. في القرن العشرين، سيأخذ هذا المفهوم أشكالاً متعددة: عند هيدجر هو الدازاين الذي يقبل قلقه الأصيل ويتحرر من الـناس)، عند دولوز هو الجسم بلا أعضاء والصيرورة المطلقة، عند سلوتردايك هو الإنسان الذي يمارس «تمارين وجودية» لكي يربّي نفسه بنفسه بعد أن انهارت كل تربية إلهية أو إنسانية تقليدية.

.٣. مقارنة أنطولوجية جذرية

أ. موقع الكمال


الإنسان الكامل: الكمال سابق على الإنسان وخارج عنه، والإنسان يكتمل بقدر ما يصير مرآة صافية لهذا الكمال.

الإنسان الأرقى: الكمال لاحق على الإنسان وداخل إمكاناته الخلاّقة، والإنسان يكتمل بقدر ما يخلق كمالاً لم يكن موجوداً من قبل.

ب. طبيعة التجاوز

الإنسان الكامل: لا يتجاوز الإنسانية، بل يغوص فيها إلى أعماقها فيلتقي بالمطلق داخلها. التجاوز هنا عمودي وداخلي (الفناء ثم البقاء).

الإنسان الأرقى: يتجاوز الإنسانية بالضرورة، ويخرج منها إلى شيء لم يعد ليس إنسانياً بالمعنى القديم. التجاوز هنا أفقي ومستقبلي (موت الإنسان القديم وولادة الجديد).

ج. علاقة بالله أو بالمطلق

الإنسان الكامل: لا يمكن أن يوجد إلا بالله وبواسطة الله، حتى لو كان في أعلى مراتب الوحدة.

الإنسان الأرقى: يوجد بعد موت الله، وفي مكان الله الفارغ.

د. الزمن والتاريخ

الإنسان الكامل: خارج التاريخ بمعناه الخطي. يمكن أن يظهر في كل زمان ومكان، لأن الكمال أزلي.

الإنسان الأرقى: ابن التاريخ ونتيجته. لا يمكن أن يولد إلا بعد أن يمر العالم بأزمة المعنى الكبرى وبموت القيم القديمة.

هـ. الجسدية الكمال

الإنسان الكامل: جسده مكرَّم، لأنه مظهر الأسماء الحسنى، لكن الجسد في النهاية وعاء يُرفع الحجاب عنه.

الإنسان الأرقى: جسده هو المادة الخام الوحيدة للتجاوز، ولا خلاص إلا عبر تقوية الجسد وتجاوز حدوده البيولوجية (نيتشه، سلوتردايك).

٤. هل يمكن أن يلتقيا؟

في الظاهر، لا يلتقي الاثنان أبداً: أحدهما يقول «أنا الحق» وهو يعني أنه صار مظهراً للحق المطلق، والآخر يقول «الله مات» وهو يعني أن الإنسان سيصبح إلهاً بنفسه.

لكن في العمق، يشتركان في شيء واحد حاسم: كلاهما يرفضان الإنسان كما هو الآن. كلاهما يقول إن الوضع البشري الحالي ليس قدراً نهائياً، بل مرحلة انتقالية. كلاهما يؤمن بإمكانية تحول جذري في الكينونة البشرية. والأهم: كلاهما يرى أن هذا التحول لا يحدث بالتدريج الأخلاقي أو بالتربية التقليدية، بل بصدمة وجودية عنيفة: إما الفناء في الله، أو الإرادة-القوة التي تقول نعم للحياة بكل ألمها وفرحها.

ربما الفرق الأعمق ليس في الهدف، بل في اللهاث:

الإنسان الكامل يلهث لكي يعود إلى البيت الأول الذي خُلق منه.

الإنسان الأرقى يلهث لكي يخلق بيتاً لم يوجد من قبل.

لكن في لحظة نادرة جداً، حين يصل الإنسان الكامل إلى مقام «لا مقام» ويصبح «مع الله بلا كيف»، وحين يصل الإنسان الأرقى إلى درجة أن يحب القدر حباً أزلياً (العود الأزلي عند نيتشه)، يحدث شيء غريب: كلاهما يقف في المكان نفسه، مكان لا يوجد فيه لا عبد ولا رب، لا قديم ولا محدَث، لا إنسان ولا ما بعد إنسان، بل بهجة صافية، صمت كامل، وضحك طفل يلعب بالكون كأنه كرة زجاجية.

عندئذٍ فقط يتلاشى الخلاف، ويبقي سؤال واحد لا جواب له:هل كان هذا الضحك ضحك مَن عاد إلى الله، أم ضحك مَن صار الله؟

وربما لم يعد السؤال مهماً.
كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى