35- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكر لكِ هذا التعليق الذي لا يشرح فقط تعقيدات اللحظة،
بل يضعها في إطار أوسع:
إطار الشعوب…
والوعي…
والتاريخ الذي يتحرك من تحت أقدام الذين يظنون أنهم يملكون مفاتيحه.
ما تفضلتِ به يفتح نافذة مهمة على حقيقة غالبًا ما تُهمل في دوامة الخرائط الكبرى:
أن الرجل الذي يظهر أمام العالم كصانع قرار مطلق
ترامب
ليس سوى لاعب داخل منظومة تتشقق من الداخل،
وأن الشارع الأمريكي نفسه، الذي خرج بالملايين تحت شعار “لا ملوك”،
يقول للعالم إن قوة الأقوياء ليست مطلقة،
وإن كل نظام مهما بدا متماسكًا
يحمل داخله بذور الارتباك.
وأن نتنياهو،
الذي تحوم طائراته فوق رؤوسنا بلا خوف،
لا يتحرك من موقع قوة خالصة،
بل من هشاشة يتستر عليها بالضجيج،
وهروب من محاكمة لا تؤجل حقيقة أن مشروعه يمشي نحو نهايته،
ولو بدا في الظاهر أنه يُمسك زمام المبادرة.
لقد أصبتِ تمامًا حين قلتي إن كل حركة تُقدَّم كقوة
تكشف هشاشة أعمق.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية
ليست مجرد سباق بين جيوش أو أجهزة استخبارات،
بل سباق بين سرديتين:
سردية القوة التي تتآكل،
وسردية الشعوب التي تستعيد دورها
رغم كل القمع،
ورغم كل الخرائط التي تُرسم فوقها دون استشارتها.
أجمل ما في هذا الزمن - رغم قسوته -
أنه يردّ الاعتبار لمن كان يُفترض أن يبقى على الهامش.
الشعوب التي حاولت المنظومات الكبرى أن تلغي صوتها
تعود اليوم لتقول:
نحن هنا…
وسنكون جزءًا من الصورة،
لا مجرد خلفية لها.
شكراً لكِ على هذا الحوار الذي يرفع الفكرة،
ولا يُغلق النص بل يفتح أفقه،
كما يفعل دائمًا صوت يمتلك الوعي والشجاعة معًا.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
1/12/2025
///
36- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى،
أشكرك على تعليقك العميق الذي يلتقط جوهر اللحظة بوصفها اهتزازا في البنية الرمزية للعالم. فما تسميه تشققا في المنظومات هو في حقيقته انكشافٌ للعقد المضمَر الذي قامت عليه الحداثة المادية: وهم السيطرة الذي تخيّل أنه قادر على حبس التاريخ في قبضة القوة.
إن شخصيات مثل ترامب ونتنياهو ليست فواعل تصنع المآلات، بل أعراضا تكشف ما تراكم في الطبقات السفلى من الوعي العالمي: تعرّي السردية التي جعلت القوة مركزا للمعنى، والإنسان مجرّد تفصيل يمكن شطبه عند الحاجة. وحين تتصدّع هذه السردية، يغدو الضجيج السياسي محاولة يائسة لستر فراغ لم يعد ممكنا إخفاؤه.
لقد أصبتَ حين أشرتَ إلى أن الصراع اليوم هو بين سرديتين: سردية تحتضر لأنها استنزفت قدرتها على إنتاج معنى، وسردية تولد لأنها تعيد الإنسان إلى موقع الأصل في التاريخ، لا إلى موقع مادته الخام.
وما نشهده في الشوارع والاحتجاجات وانكسار هيبة القوة ليس حدثا سياسيا فحسب، بل ارتداد للوعي إلى ذاته، إلى تلك النقطة التي يبدأ فيها العالم بإعادة تعريف نفسه بعيدا عن مركزية السلطة وجبروت القوة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحوار أنه ينزل إلى العمق، إلى تلك المنطقة التي يتحوّل فيها اهتزاز الجغرافيا إلى سؤال فلسفي عن المصير والمعنى والشرعية. وهي منطقة نادرا ما يبلغها النقاش العام.
خالص المودّة والتقدير.
غانية ملحيس
1/12/2025
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكر لكِ هذا التعليق الذي لا يشرح فقط تعقيدات اللحظة،
بل يضعها في إطار أوسع:
إطار الشعوب…
والوعي…
والتاريخ الذي يتحرك من تحت أقدام الذين يظنون أنهم يملكون مفاتيحه.
ما تفضلتِ به يفتح نافذة مهمة على حقيقة غالبًا ما تُهمل في دوامة الخرائط الكبرى:
أن الرجل الذي يظهر أمام العالم كصانع قرار مطلق
ترامب
ليس سوى لاعب داخل منظومة تتشقق من الداخل،
وأن الشارع الأمريكي نفسه، الذي خرج بالملايين تحت شعار “لا ملوك”،
يقول للعالم إن قوة الأقوياء ليست مطلقة،
وإن كل نظام مهما بدا متماسكًا
يحمل داخله بذور الارتباك.
وأن نتنياهو،
الذي تحوم طائراته فوق رؤوسنا بلا خوف،
لا يتحرك من موقع قوة خالصة،
بل من هشاشة يتستر عليها بالضجيج،
وهروب من محاكمة لا تؤجل حقيقة أن مشروعه يمشي نحو نهايته،
ولو بدا في الظاهر أنه يُمسك زمام المبادرة.
لقد أصبتِ تمامًا حين قلتي إن كل حركة تُقدَّم كقوة
تكشف هشاشة أعمق.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية
ليست مجرد سباق بين جيوش أو أجهزة استخبارات،
بل سباق بين سرديتين:
سردية القوة التي تتآكل،
وسردية الشعوب التي تستعيد دورها
رغم كل القمع،
ورغم كل الخرائط التي تُرسم فوقها دون استشارتها.
أجمل ما في هذا الزمن - رغم قسوته -
أنه يردّ الاعتبار لمن كان يُفترض أن يبقى على الهامش.
الشعوب التي حاولت المنظومات الكبرى أن تلغي صوتها
تعود اليوم لتقول:
نحن هنا…
وسنكون جزءًا من الصورة،
لا مجرد خلفية لها.
شكراً لكِ على هذا الحوار الذي يرفع الفكرة،
ولا يُغلق النص بل يفتح أفقه،
كما يفعل دائمًا صوت يمتلك الوعي والشجاعة معًا.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
1/12/2025
///
36- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى،
أشكرك على تعليقك العميق الذي يلتقط جوهر اللحظة بوصفها اهتزازا في البنية الرمزية للعالم. فما تسميه تشققا في المنظومات هو في حقيقته انكشافٌ للعقد المضمَر الذي قامت عليه الحداثة المادية: وهم السيطرة الذي تخيّل أنه قادر على حبس التاريخ في قبضة القوة.
إن شخصيات مثل ترامب ونتنياهو ليست فواعل تصنع المآلات، بل أعراضا تكشف ما تراكم في الطبقات السفلى من الوعي العالمي: تعرّي السردية التي جعلت القوة مركزا للمعنى، والإنسان مجرّد تفصيل يمكن شطبه عند الحاجة. وحين تتصدّع هذه السردية، يغدو الضجيج السياسي محاولة يائسة لستر فراغ لم يعد ممكنا إخفاؤه.
لقد أصبتَ حين أشرتَ إلى أن الصراع اليوم هو بين سرديتين: سردية تحتضر لأنها استنزفت قدرتها على إنتاج معنى، وسردية تولد لأنها تعيد الإنسان إلى موقع الأصل في التاريخ، لا إلى موقع مادته الخام.
وما نشهده في الشوارع والاحتجاجات وانكسار هيبة القوة ليس حدثا سياسيا فحسب، بل ارتداد للوعي إلى ذاته، إلى تلك النقطة التي يبدأ فيها العالم بإعادة تعريف نفسه بعيدا عن مركزية السلطة وجبروت القوة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحوار أنه ينزل إلى العمق، إلى تلك المنطقة التي يتحوّل فيها اهتزاز الجغرافيا إلى سؤال فلسفي عن المصير والمعنى والشرعية. وهي منطقة نادرا ما يبلغها النقاش العام.
خالص المودّة والتقدير.
غانية ملحيس
1/12/2025