[هناك في أعمال محمود درويش ثلاث قصائد تحمل اسم ريتا. الأولى قصيدة "ريتا والبندقية" التي ظهرت عام 1967 ضمن مجموعة "آخر الليل". وهناك قصيدة "ريتا .. أحبيني" من مجموعة "العصافير تموت في الجليل" 1969. وهناك ريتا الثالثة في قصيدة "شتاء ريتا"، ضمن أهم مجموعات درويش على الإطلاق "أحد عشر كوكباً" 1992، ومن أنضج قصائد الشاعر وأهم ما كتب من قصائد حبّ. تحفة فنية بحدّ ذاتها في تاريخ الشعر العربي.]
تدخل "ريتا" هنا مرحلة الوعي بأولوية الفن في قصيدة درويش ولكن ليس من خلال النبرة الغنائية المبكرة، كما في القصيدة الأولى "ريتا والبندقية". القصيدة في الحقيقة خلاصة نضج عاطفي وفنيّ في الوقت نفسه، والوعي الناضج بالعاطفة يحض الوعي الناضج بأولوية الفن على استيفاء شروطه والعكس بالعكس.
لا يقل حضور ريتا هنا وضوحاً عن حضورها في القصيدة الأولى ولكنه ليس الوضوح البريء. ريتا هنا هي الحبيبة المرأة بالحضور الحسيّ المكثف للمرأة. إنها المرأة، وبخلاف ريتا الأولى والثانية، غير سياسية الربط والسياق. [حينما أقول "غير سياسية" وخلافاً لما قد يتبادر إلى عقول البعض فإنني لا أحاول أن أدفع تهمة. لا أبداً. السياسة ليست تهمة كما أشاع بعض الفلاحين الذين غزوا الوسط الثقافي العربي. السياسة هي التي تميّزنا عن الحمير والبغال والبقر والزرافات والقطط. غير سياسية بالمعنى المحايد للكلمة]
"ريتا ترتب ليل غرفتنا" العبارة الأولى في القصيدة. وفي استهلال المقطع الثاني "تنام ريتا في حديقة جسمها/ توت السياج على أظافرها يُضيءُ الملحَ/ في جسدي. أُحبكِ. نام عصفوران تحت يدي.." ويصل الأمر الغاية القصوى في الإفصاح لاحقاً "قبّلني على شفتيَّ- قالت"
هذا الحضور الحسيّ المكثف للمرأة الحبيبة يكشف طبيعة الحب القائم بينهما، الحب الممنوع. فالحضور الحسيّ للمرأة هو مقاومة للغياب المفاجئ الذي لا مناص منه. الحبيبة إمرأة متزوجة، على الأرجح، ولا تستطيع المكوث مع الشاعر الحبيب إلا لوقتٍ محدود. وهذا التواصل الحسي الجسماني، وكما يعلم كل من أقام علاقة حبٍ مع إمرأة متزوجة، محاولة لاستثمار مكثف للوقت المحدود. اللقاء الجسماني تعبيرٌ مختصر عن الشوق والشغف والحسرة على الفراق الذي سرعان ما سيحصل.
ريتا الثالثة هذه هي الحبيبة الأعمق أثراً في العبارة الشعرية لدى درويش. وكما سبق الإشارة، النضج العاطفي الذي تكشف عنه القصيدة مساوق للوعي بأولوية الفن، أو النضج الفني. القصيدة حافلة بالعبارات التي تكشف عن ذلك، ولكن سأكتفي بعبارتين:
الأولى- "الحبّ المحاصر بالمرايا"-
".. أُقلد فارساً في أغنية
عن لعنة الحبّ المُحاصر بالمرايا"
والثانية- "وتنتحر الخيولُ في آخر الميدان"-
"لا أدرك المعنى، تقولُ
ولا أنا، لغتي شظايا
كغياب إمرأةٍ عن المعنى، وتنتحر الخيول
في آخر الميدان.."
في العبارة الأولى تعريف أرقى، عما سبق في القصيدتين الأولى والثانية، وأدق لتعقيدات الحب الممنوع. أما العبارة الثانية فمجاز مُدهش ومحيّر، ولكنه وثيق الصلة ببعض أهم مفردات القصيدة الدرويشية، الغياب والإنتحار والخيول، هنا حيث المعنى الجديد للحب يكشف عن طريق مختلف وغير مطروقٍ بعد. هناك دعوة للتكهن، فنيّة، نعم!
#كتاب_الحبّ
تدخل "ريتا" هنا مرحلة الوعي بأولوية الفن في قصيدة درويش ولكن ليس من خلال النبرة الغنائية المبكرة، كما في القصيدة الأولى "ريتا والبندقية". القصيدة في الحقيقة خلاصة نضج عاطفي وفنيّ في الوقت نفسه، والوعي الناضج بالعاطفة يحض الوعي الناضج بأولوية الفن على استيفاء شروطه والعكس بالعكس.
لا يقل حضور ريتا هنا وضوحاً عن حضورها في القصيدة الأولى ولكنه ليس الوضوح البريء. ريتا هنا هي الحبيبة المرأة بالحضور الحسيّ المكثف للمرأة. إنها المرأة، وبخلاف ريتا الأولى والثانية، غير سياسية الربط والسياق. [حينما أقول "غير سياسية" وخلافاً لما قد يتبادر إلى عقول البعض فإنني لا أحاول أن أدفع تهمة. لا أبداً. السياسة ليست تهمة كما أشاع بعض الفلاحين الذين غزوا الوسط الثقافي العربي. السياسة هي التي تميّزنا عن الحمير والبغال والبقر والزرافات والقطط. غير سياسية بالمعنى المحايد للكلمة]
"ريتا ترتب ليل غرفتنا" العبارة الأولى في القصيدة. وفي استهلال المقطع الثاني "تنام ريتا في حديقة جسمها/ توت السياج على أظافرها يُضيءُ الملحَ/ في جسدي. أُحبكِ. نام عصفوران تحت يدي.." ويصل الأمر الغاية القصوى في الإفصاح لاحقاً "قبّلني على شفتيَّ- قالت"
هذا الحضور الحسيّ المكثف للمرأة الحبيبة يكشف طبيعة الحب القائم بينهما، الحب الممنوع. فالحضور الحسيّ للمرأة هو مقاومة للغياب المفاجئ الذي لا مناص منه. الحبيبة إمرأة متزوجة، على الأرجح، ولا تستطيع المكوث مع الشاعر الحبيب إلا لوقتٍ محدود. وهذا التواصل الحسي الجسماني، وكما يعلم كل من أقام علاقة حبٍ مع إمرأة متزوجة، محاولة لاستثمار مكثف للوقت المحدود. اللقاء الجسماني تعبيرٌ مختصر عن الشوق والشغف والحسرة على الفراق الذي سرعان ما سيحصل.
ريتا الثالثة هذه هي الحبيبة الأعمق أثراً في العبارة الشعرية لدى درويش. وكما سبق الإشارة، النضج العاطفي الذي تكشف عنه القصيدة مساوق للوعي بأولوية الفن، أو النضج الفني. القصيدة حافلة بالعبارات التي تكشف عن ذلك، ولكن سأكتفي بعبارتين:
الأولى- "الحبّ المحاصر بالمرايا"-
".. أُقلد فارساً في أغنية
عن لعنة الحبّ المُحاصر بالمرايا"
والثانية- "وتنتحر الخيولُ في آخر الميدان"-
"لا أدرك المعنى، تقولُ
ولا أنا، لغتي شظايا
كغياب إمرأةٍ عن المعنى، وتنتحر الخيول
في آخر الميدان.."
في العبارة الأولى تعريف أرقى، عما سبق في القصيدتين الأولى والثانية، وأدق لتعقيدات الحب الممنوع. أما العبارة الثانية فمجاز مُدهش ومحيّر، ولكنه وثيق الصلة ببعض أهم مفردات القصيدة الدرويشية، الغياب والإنتحار والخيول، هنا حيث المعنى الجديد للحب يكشف عن طريق مختلف وغير مطروقٍ بعد. هناك دعوة للتكهن، فنيّة، نعم!
#كتاب_الحبّ