في الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر كتبت أن ما قبل الطوفان لن يكون كما بعده.
يومها لم أكن أكتب جملة عاطفية تحت تأثير الصدمة، ولم أكن أتنبأ بما سيحدث بعد أسابيع أو أشهر.
كنت أحاول قراءة لحظة شعرت أنها أكبر من الحرب نفسها.
لحظة قد لا تغيّر ميدان القتال فقط، بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم هذا الصراع كله.
واليوم، بعد أكثر من عامين ونصف، أعتقد أن السؤال لم يعد ما الذي حدث في السابع من أكتوبر.
بل ما هو العالم الذي خرج من بعده؟
وهل بدأ هذا العالم فعلاً بالخروج من الظل؟
في البداية ظن كثيرون أن ما يجري مجرد حرب أخرى.
حرب قاسية، نعم.
لكنها ستنتهي كما انتهت حروب سابقة.
إلا أن ما ظهر لاحقاً كان مختلفاً.
فالحرب لم تكشف فقط حجم الدمار في غزة.
بل كشفت تصدعات عميقة في السياسة الدولية، وفي الإعلام، وفي الوعي العام، وفي السرديات التي حكمت المنطقة لعقود.
بدأت أشياء كانت تبدو ثابتة وكأنها تتحرك.
وأشياء كانت تبدو محرمة وكأنها أصبحت قابلة للنقاش.
وأشياء كانت تقال همساً أصبحت تُقال على الملأ.
بعد أوسلو، نجح العالم، أو أراد أن ينجح، في إقناع نفسه بأن القضية الفلسطينية أصبحت في طريقها إلى الحل.
ظهرت السلطة الفلسطينية.
وعُقدت المؤتمرات.
وتحدث الجميع عن السلام.
وشيئاً فشيئاً تراجع أصل الصراع إلى الخلف.
اختفت كلمة الاحتلال من عناوين كثيرة.
وتراجع الحديث عن الاستيطان.
وصارت فلسطين تظهر أحياناً بوصفها مشكلة أمنية أكثر منها قضية تحرر وطني.
وبدأ الفلسطيني المقاوم للاحتلال يُقدَّم باعتباره المشكلة.
أما الاحتلال نفسه، فغاب عن الصورة.
لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر أعاد شيئاً أساسياً إلى الواجهة.
أعاد السؤال الذي حاول كثيرون تجاوزه:
إذا كان كل هذا العنف يتكرر، فما السبب؟
وإذا كانت كل هذه الحروب لا تنتهي، فما الجذر الذي تنتج عنه؟
وهنا بدأت فلسطين تعود إلى مركز المشهد.
لا كخبر.
بل كقضية.
ولا كحدث.
بل كتاريخ.
حاولت إسرائيل أن تجعل الحرب حرباً على حماس.
ثم حرباً على غزة.
ثم حرباً على حزب الله.
ثم حرباً على إيران.
لكن شيئاً مختلفاً كان يحدث في العالم.
كلما ابتعدت الرواية عن فلسطين، كانت الأسئلة تعود إليها.
في الجامعات الأمريكية والأوروبية.
في النقابات.
في المهرجانات الثقافية والسينمائية.
في الشوارع.
وفي وسائل الإعلام الجديدة.
بدأ جيل كامل يعود إلى البداية.
إلى النكبة.
إلى الاحتلال.
إلى الاستيطان.
إلى الحصار.
إلى الأرض نفسها.
كأن الكاميرا التي حاول الجميع تحريكها بعيداً عن فلسطين بدأت تعود إليها من جديد.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التحول لم يظهر فقط في الشارع.
بل في اللغة نفسها.
في الإعلام الغربي الذي لم يعد يكتب بالطريقة نفسها.
في الصحف التي بدأت تطرح أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً.
في الكتب التي تصدر اليوم عن غزة والإعلام والاحتلال.
في الجدل الدائر حول معنى الإبادة الجماعية ومعنى الاستعمار الاستيطاني ومعنى الفصل العنصري.
ليس لأن هناك إجماعاً جديداً.
بل لأن النقاش نفسه أصبح ممكناً.
وهذا بحد ذاته تحول كبير.
حتى الاتهام الجاهز بمعاداة السامية لم يعد يعمل بالطريقة نفسها التي عمل بها لعقود.
أصبحنا نسمع مسؤولين أمريكيين يفرقون علناً بين انتقاد سياسات إسرائيل وبين معاداة اليهود.
وأصبحنا نرى سجالات مفتوحة في الأمم المتحدة لا تنتهي دائماً كما كانت تنتهي في الماضي.
وأصبح الرد على الرواية الإسرائيلية يحدث على الهواء مباشرة، وأمام جمهور عالمي واسع، دون الخوف القديم نفسه من الاتهام أو العزل.
قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة.
لكن السياسة كثيراً ما تبدأ من اللغة.
وحين تتغير اللغة، تبدأ أشياء أخرى بالتغير معها.
أما في السياسة، فالصورة لا تقل دلالة.
رئيس أمريكي مثل ترامب، الذي قدم لإسرائيل ما لم يقدمه كثير من أسلافه، يدخل اليوم في خلافات علنية مع نتنياهو حول الحرب والتفاهمات الإقليمية.
ونائب رئيس أمريكي يتحدث بلغة مختلفة عن اللغة التي سادت سنوات طويلة.
وصحافة إسرائيلية تتحدث عن اليوم التالي لنتنياهو.
وتسريبات تتحدث عن اتصالات مع المعارضة الإسرائيلية.
وأوروبا التي كانت تتحدث بصوت واحد تقريباً، أصبحت أكثر انقساماً وأكثر نقداً.
هذه ليست أحداثاً منفصلة.
بل علامات على أن شيئاً أعمق يتحرك تحت السطح.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح الحرب في إخفاء ما يجري على الأرض الفلسطينية.
فالاستيطان توسع.
واعتداءات المستوطنين تصاعدت.
والقرى الفلسطينية تعرضت لهجمات متكررة.
والأراضي الزراعية استهدفت.
ومواسم الزيتون تعرضت للتخريب.
أي أن الواقع نفسه أعاد التذكير بما حاول كثيرون تجاهله:
أن جوهر الصراع ما زال هو الاحتلال.
وأن كل ما يدور حوله من حروب وصراعات وتحالفات لا يمكن فهمه بعيداً عن هذه الحقيقة.
لا يعني ذلك أن العالم تغير بالكامل.
ولا أن موازين القوى انقلبت فجأة.
ولا أن الطريق أصبح واضحاً.
لكن شيئاً ما بدأ يظهر.
شيئاً لم يعد من السهل إخفاؤه.
العالم الذي وُلد بعد السابع من أكتوبر لم يكتمل بعد.
لكنه لم يعد مختبئاً كما كان.
بدأ يظهر في السياسة.
وفي الإعلام.
وفي الجامعات.
وفي الثقافة.
وفي الشارع.
وفي الأسئلة التي يطرحها الناس.
بل ربما يكون التحول الأكبر أن العالم بدأ يعود إلى رؤية الأسباب بعد سنوات طويلة من الانشغال بالنتائج.
عاد إلى الجذور بعد زمن طويل من التوقف عند الفروع.
وعاد إلى فلسطين بعد سنوات من محاولة إبعادها عن مركز الصورة.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم ماذا حدث في السابع من أكتوبر.
بل ماذا كشف السابع من أكتوبر؟
وماذا جعل العالم يرى؟
وربما الأهم من ذلك كله:
هل بدأ العالم أخيراً يعود إلى أصل الحكاية؟
إلى الأرض.
إلى الشعب.
إلى الاحتلال.
إلى الحقيقة التي حاول كثيرون دفنها تحت طبقات من السياسة والحروب والروايات المتنافسة.
لأن كل ما نراه اليوم، مهما بدا متشعباً ومتباعداً، يعيدنا في النهاية إلى النقطة نفسها.
فلسطين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24/6/2026
يومها لم أكن أكتب جملة عاطفية تحت تأثير الصدمة، ولم أكن أتنبأ بما سيحدث بعد أسابيع أو أشهر.
كنت أحاول قراءة لحظة شعرت أنها أكبر من الحرب نفسها.
لحظة قد لا تغيّر ميدان القتال فقط، بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم هذا الصراع كله.
واليوم، بعد أكثر من عامين ونصف، أعتقد أن السؤال لم يعد ما الذي حدث في السابع من أكتوبر.
بل ما هو العالم الذي خرج من بعده؟
وهل بدأ هذا العالم فعلاً بالخروج من الظل؟
في البداية ظن كثيرون أن ما يجري مجرد حرب أخرى.
حرب قاسية، نعم.
لكنها ستنتهي كما انتهت حروب سابقة.
إلا أن ما ظهر لاحقاً كان مختلفاً.
فالحرب لم تكشف فقط حجم الدمار في غزة.
بل كشفت تصدعات عميقة في السياسة الدولية، وفي الإعلام، وفي الوعي العام، وفي السرديات التي حكمت المنطقة لعقود.
بدأت أشياء كانت تبدو ثابتة وكأنها تتحرك.
وأشياء كانت تبدو محرمة وكأنها أصبحت قابلة للنقاش.
وأشياء كانت تقال همساً أصبحت تُقال على الملأ.
بعد أوسلو، نجح العالم، أو أراد أن ينجح، في إقناع نفسه بأن القضية الفلسطينية أصبحت في طريقها إلى الحل.
ظهرت السلطة الفلسطينية.
وعُقدت المؤتمرات.
وتحدث الجميع عن السلام.
وشيئاً فشيئاً تراجع أصل الصراع إلى الخلف.
اختفت كلمة الاحتلال من عناوين كثيرة.
وتراجع الحديث عن الاستيطان.
وصارت فلسطين تظهر أحياناً بوصفها مشكلة أمنية أكثر منها قضية تحرر وطني.
وبدأ الفلسطيني المقاوم للاحتلال يُقدَّم باعتباره المشكلة.
أما الاحتلال نفسه، فغاب عن الصورة.
لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر أعاد شيئاً أساسياً إلى الواجهة.
أعاد السؤال الذي حاول كثيرون تجاوزه:
إذا كان كل هذا العنف يتكرر، فما السبب؟
وإذا كانت كل هذه الحروب لا تنتهي، فما الجذر الذي تنتج عنه؟
وهنا بدأت فلسطين تعود إلى مركز المشهد.
لا كخبر.
بل كقضية.
ولا كحدث.
بل كتاريخ.
حاولت إسرائيل أن تجعل الحرب حرباً على حماس.
ثم حرباً على غزة.
ثم حرباً على حزب الله.
ثم حرباً على إيران.
لكن شيئاً مختلفاً كان يحدث في العالم.
كلما ابتعدت الرواية عن فلسطين، كانت الأسئلة تعود إليها.
في الجامعات الأمريكية والأوروبية.
في النقابات.
في المهرجانات الثقافية والسينمائية.
في الشوارع.
وفي وسائل الإعلام الجديدة.
بدأ جيل كامل يعود إلى البداية.
إلى النكبة.
إلى الاحتلال.
إلى الاستيطان.
إلى الحصار.
إلى الأرض نفسها.
كأن الكاميرا التي حاول الجميع تحريكها بعيداً عن فلسطين بدأت تعود إليها من جديد.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التحول لم يظهر فقط في الشارع.
بل في اللغة نفسها.
في الإعلام الغربي الذي لم يعد يكتب بالطريقة نفسها.
في الصحف التي بدأت تطرح أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً.
في الكتب التي تصدر اليوم عن غزة والإعلام والاحتلال.
في الجدل الدائر حول معنى الإبادة الجماعية ومعنى الاستعمار الاستيطاني ومعنى الفصل العنصري.
ليس لأن هناك إجماعاً جديداً.
بل لأن النقاش نفسه أصبح ممكناً.
وهذا بحد ذاته تحول كبير.
حتى الاتهام الجاهز بمعاداة السامية لم يعد يعمل بالطريقة نفسها التي عمل بها لعقود.
أصبحنا نسمع مسؤولين أمريكيين يفرقون علناً بين انتقاد سياسات إسرائيل وبين معاداة اليهود.
وأصبحنا نرى سجالات مفتوحة في الأمم المتحدة لا تنتهي دائماً كما كانت تنتهي في الماضي.
وأصبح الرد على الرواية الإسرائيلية يحدث على الهواء مباشرة، وأمام جمهور عالمي واسع، دون الخوف القديم نفسه من الاتهام أو العزل.
قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة.
لكن السياسة كثيراً ما تبدأ من اللغة.
وحين تتغير اللغة، تبدأ أشياء أخرى بالتغير معها.
أما في السياسة، فالصورة لا تقل دلالة.
رئيس أمريكي مثل ترامب، الذي قدم لإسرائيل ما لم يقدمه كثير من أسلافه، يدخل اليوم في خلافات علنية مع نتنياهو حول الحرب والتفاهمات الإقليمية.
ونائب رئيس أمريكي يتحدث بلغة مختلفة عن اللغة التي سادت سنوات طويلة.
وصحافة إسرائيلية تتحدث عن اليوم التالي لنتنياهو.
وتسريبات تتحدث عن اتصالات مع المعارضة الإسرائيلية.
وأوروبا التي كانت تتحدث بصوت واحد تقريباً، أصبحت أكثر انقساماً وأكثر نقداً.
هذه ليست أحداثاً منفصلة.
بل علامات على أن شيئاً أعمق يتحرك تحت السطح.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح الحرب في إخفاء ما يجري على الأرض الفلسطينية.
فالاستيطان توسع.
واعتداءات المستوطنين تصاعدت.
والقرى الفلسطينية تعرضت لهجمات متكررة.
والأراضي الزراعية استهدفت.
ومواسم الزيتون تعرضت للتخريب.
أي أن الواقع نفسه أعاد التذكير بما حاول كثيرون تجاهله:
أن جوهر الصراع ما زال هو الاحتلال.
وأن كل ما يدور حوله من حروب وصراعات وتحالفات لا يمكن فهمه بعيداً عن هذه الحقيقة.
لا يعني ذلك أن العالم تغير بالكامل.
ولا أن موازين القوى انقلبت فجأة.
ولا أن الطريق أصبح واضحاً.
لكن شيئاً ما بدأ يظهر.
شيئاً لم يعد من السهل إخفاؤه.
العالم الذي وُلد بعد السابع من أكتوبر لم يكتمل بعد.
لكنه لم يعد مختبئاً كما كان.
بدأ يظهر في السياسة.
وفي الإعلام.
وفي الجامعات.
وفي الثقافة.
وفي الشارع.
وفي الأسئلة التي يطرحها الناس.
بل ربما يكون التحول الأكبر أن العالم بدأ يعود إلى رؤية الأسباب بعد سنوات طويلة من الانشغال بالنتائج.
عاد إلى الجذور بعد زمن طويل من التوقف عند الفروع.
وعاد إلى فلسطين بعد سنوات من محاولة إبعادها عن مركز الصورة.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم ماذا حدث في السابع من أكتوبر.
بل ماذا كشف السابع من أكتوبر؟
وماذا جعل العالم يرى؟
وربما الأهم من ذلك كله:
هل بدأ العالم أخيراً يعود إلى أصل الحكاية؟
إلى الأرض.
إلى الشعب.
إلى الاحتلال.
إلى الحقيقة التي حاول كثيرون دفنها تحت طبقات من السياسة والحروب والروايات المتنافسة.
لأن كل ما نراه اليوم، مهما بدا متشعباً ومتباعداً، يعيدنا في النهاية إلى النقطة نفسها.
فلسطين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24/6/2026