د. خالد محمد عبدالغني - بشارة الرؤى قراءات نفسية تحليلية لروايات علي لفتة سعيد (1)

بشارة الرؤى
قراءات نفسية تحليلية
لروايات علي لفتة سعيد
هوية الكتاب
بشارة الرؤى
قراءات نفسية تحليلية
لروايات علي لفتة سعيد
تأليف: د.خالد محمد عبدالغني
تصميم الغلاف
طباعة ونشر دار وتريات للطباعة والنشر- العراق/ بابل/ الحلة
هاتف: 07807222790 ( واتساب- تلغرام)
فيسبوك/ الحسين ابن خليل
ISBN

1-

مقدمة:
عندما بدأت الكتابة النقدية للأدب "شعرا ونثرا" قبل ثلاثين عاما -1991- لم أكن أعرف أني أدعو لفرع جديد في الدراسات النقدية النفسية إذ كنت اهتم بشخصية المبدع في علاقته بنصه الذي أعكف على دراسته وبالوسط الاجتماعي والنفسي والثقافي لأبطاله وكذلك المؤلف الذي يكون في كل ذلك حاضرا وبقوة لا تخطئها العين، فوجدت بعد سنوات من العطاء امتد لمائة قراءة نقدية أو أكثر ظهرت على صفحات المجلات والجرائد على امتداد البلاد العربية والمواقع الالكترونية وسلسلة من الكتب كان أشهرها كتابي "نجيب محفوظ وسردياته العجائبية" الذي طبع بالمجلس الاعلى للثقافة بالقاهرة 2011 بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على ميلاده ونشرت طبعته الأخيرة عن مؤسسة هنداوي للثقافة بلندن عام 2021، إني أدعو لفرع جديد "هو النقد النفسي الثقافي للأدب". وقبل عشر سنوات كان اثنان نالا من اهتمامي ما لم ينله آخرين نجيب محفوظ وعلى لفتة سعيد، ثم انضم إليهما بفعل الزمن طه حسين والأديبة المغربية ثريا لهي والأديب السوري عيسى الشيخ حسن والأديبة المصرية عزة رشاد، ومنذ قرأت على لفتة سعيد روائيًا وشاعرًا وقاصًا وناقدًا ومسرحيًا أدركت أن ثمة شيئا في أعماقه يحرّكه وانها لاية المبدع الحق والابداع الحق الذي يأتي من عمق الشخصية فيكون متعدد الجنبات وقد شبهته في البداية بيوسف ادريس كما ذكرت ذلك في كتابي النقدي المحرر عنه "على لفتة سعيد وعالمه الروائي " ولما تعمقت في ذاتي وجدتني كتبت عنه ثمانية دراسات لماذا؟؟ إن ثمة أشياء مشتركة بيننا فهو من الهامش العراقي - الجنوب وأنا من الهامش المصري من الدلتا بعيدا عن القاهرة ، وهو من خارج السلطة وأنا كذلك خارج السلطة وهو خارج الوظيفة الثقافية الرسمية وأنا كذلك ، هو متعدّد في جنبات الابداع كما رأيت وأنا متعددد الهوايات فكتبت في علم نفس الادب والاكلينيكي والقياس النفسي والاسلام والتيارات الوافدة وعلم النفس السياسي. هو ينفق على مشروعه الابداعي وانا انفق على مشروعي العلمي، هو يضحي بالكثير من الفرص المادية من اجل ان يصل صوته للاخرين ولقد حورب كثيرا من بني جلدته ، وأنا كذلك ،، إنه مبدع يستحق كل الاهتمام والمتابعة حتى وجدته يرثى لحاله فهو يحارب كما حوربت أنا بالتجاهل من الوسط الاكاديمي في بلادي فيقول :"هناك من يشكل على الاديب تعدد مواهبه وأنه يكتب في أكثر من مجال أدبي ويعدها سبة أو منقصة أو انها تأكل من جرف الابداع او انه الشعور بالنقص من عدم امتلاك الموهبة والكثير من التهم او التوصيفات وحتى المصطلحات التي ترمى هنا وهنا في هذا المجال وكأن الكاتب عامل ميكانيك أو مهندس كهرباء او اختصاص طبي معين لا أدري من اين جاء هذا الراي ولماذا يتعب الذي يتهم نفسه ليكتب هذا الامر وينتظر أراء المتشابهين معه في تزكية قوله. أعتقد ان التعددية ليست سبة او منقصة بل هي مخيلة قادرة علتى الانتاح ومعرفة طرق التدوين وان الذي يتهم غيره فأنه يشعر بكل تأكيد بنقص المخيلة لديه وأنها لا تتمكن من صناعة أو انتاج اي شيء آخر سوى ما هو فيه من اتجاه واحد. والاغرب من ذلك ان الكثير من الذين اتهموا وانتقصوا اتجهوا الى كتابة الرواية بعد ان كان شاعرا أو اتجه الى النقد بعد ان كان شاعرا فاشلا وإلا ما معنى ان يكتب أحدهم أنه لا يكون غير ما هو عليه لانه يحترم نفسه؟
فهل التنوع الكتابي هو عدم احترام النفس؟ أن الامر لا يعدو عن كونه نضوب المخيلة والموهبة او انه مخلوق لانتاج جنس أدبي معين وفيه غيره قد اعلن فشله أو انه وجد نفسه مبدعا في هذا الاتجاه ولا يمكن للمخيلة ان تنتج له غير ما هو فيه وعليه وإليه..
يمثل الأديب على لفتة سعيد - المولود عام 1961 وعضو اتحاد الأدباء العرب. وعضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.. وعضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين - مشكلة وعقبة حقيقية أمام أنصار هذا التيار.. إذ كيف سيفسرون ذلك التنوع في إبداعه ما بين الشعر والقصة والرواية والنقد والصحافة والتفكير والكتابة في القضايا الاجتماعية والسياسة وغيرها.وهم الذين بدأوا الدراسة النفسية المنظمة منذ مصطفى سويف عام 1949 وحتى الآن، والصحيح أنه مع اعتزال سويف الإشراف على الأطروحات الجامعية بات هذا التيار في مأزق ولم يعد يقدم شيئا طوال الثلاثين سنة الأخيرة تقريبا، وإن كان عبدالستار إبراهيم قد عني عناية خاصة بدراسة الإبداع والأصالة كواحدة من خصائص المبدعين وربطها بعلم النفس الايجابي والتفكير الايجابي ، بيد أنه عني عناية خاصة بنجيب محفوظ في أكثر من كتاب ولو أنه بقي في أرض الوطن ولم يغادره لأمريكا ولا لمنطقة الخليج منذ عام 1974 لكان لعلم نفس الإبداع والأدب موقع آخر ولكن العزاء أنه حقق نجاحا باهرا عالميا في مجالات العلاج النفسي السلوكي المعرفي وعلم الطب السلوكي.
هذا كتاب ينطق بثلاثة معاني متصلة، هي الحق والخير والحب. فأما الحق فهو يضم عددًا من الدراسات حول العالم الروائي للأديب العراقي على لفتة سعيد، وفي آن هو عمل خير أتمنى أن يقلده الآخرون مع عدد من مبدعي العراق الجميل الأصيل، وأما عن الحب فلا أنكر أني أحببت الروائي على لفتة سعيد، وأكاد أجزم أن هذا الاحتشاد لعمل الكتاب عنه، يعود إلى أهمية المشروع الروائي الخاص بالأديب على لفتة سعيد ومدى تعبيره عن الواقع العراقي بأزماته ومشكلات الإنسان به وكيفية التطلع لعلاج تلك الأزمات، والأمر الثاني يتعلق بما يتصف به الأديب على لفتة سعيد من سماحة وبساطة وقدرة على جذب الآخرين إليه وإن اختلف معهم أو غضب منهم ، ويبدو أن نشأته الأولى حفزت لديه أمورا منها الاحتفاظ بشبكة العلاقات الاجتماعية تحت أية ظروف أو معان. ولعل أن هناك عاملًا مشتركًا يجمعني به، وقد عرفته حديثا وتوطدت العلاقة.. حملت في البدء ملمحا طرحيا من حب يعرفه كل المشتغلين بالتحليل النفسي بين المحلل ومريضه، أو بين الإنسان والآخر أو بين الناقد والمبدع الذي يتناوله بالدرس والتحليل، تجلى ذلك الطرح في عدة ندوات حول السقشخي باتحاد الكتاب بالزمالك بالقاهرة 2017،و"مزامير المدينة" بجريدة الحياة المصرية 2018". وفضاء ضيق ببيت السناري بالقاهرة الفاطمية 2019، ومواسم الإسطرلاب باتحاد الكتاب بالزمالك بالقاهرة 2018 . وقد يحتاج القارئ الكريم لكتاب نقدي آخر يتعلق بالعالم القصصي للأديب على لفتة سعيد أيضا وقد تحتاج حواراته الصحفية والإعلامية ومشروعاته النقدية أيضا لقراءات تحليلية وكذلك لأعماله الشعرية، إنه موهبة جبارة تحتاج للوقوف بجانبها ومساندتها حتى يحقق خطابه الإبداعي بيسر خدمة للثقافة والإبداع العربي، فلقد ضحى من أجل ذلك الخطاب الإبداع بالكثير والكثير فهو من تلك المشكاة التي أخرجت لنا الجواهري والسياب والرصافي ..الخ . كما أرجو ألا أكون قد أطلت،،، فلزاما قبل الختام تحية واجبة لمن منحنا هذه الفرصة للاجتماع حول منجزه ومشروعه الروائي إنه الأديب على لفتة سعيد، أو نجيب محفوظ الرواية العراقية، أو متنبي الرواية فما قرأت له الا وقد سكنته العراق والحرب التي سمع عنها وعاشها وتحدث عنها حوالي ٥٠ عاما من عمره يدور في فلك العراق /الحرب وفجأة جرت علي لساني دون تفكير او اعداد او تخطيط سابق وصفه بمتنبي العراق... ولما فكرت في السياق النفسي الذي جرت فيه الكلمة علي ذهني وجدت انها جاءت من لاشعوري العميق الذي رأي المتنبي الفارس المقاتل والسياسي والمبدع في آن موجود في المبدع والمحارب والمقاتل والمهموم بقضية العراق علي لفتة سعيد وكأن اللاشعور جمع بينهما فانطلق لساني يهتف بما اختبأ في اعماقي...والتحية لكل متنبي حيثما كان.
كانت النية منعقدة على تناول كل الابداع الروائي للاديب علي لفتة سعيد ولكن ظروف صحية منعتني من تناول عدة روايات صدرت له في السنوات الثلاث الأخيرة بعد أحدث رواياته التي وقفت عندها وهي حب عتيق . ثم رواية "البدلة البيضاء للسيد الرئيس" وفي الختام نتقدم للقارئ العراقي والعربي بكل الامنيات الطيبة بأن يجد في هذ الكتاب صورة تقريبية لبعض معالم النقد النفسي في روايات الأديب العراقي المعروف علي لفتة سعيد


-1-
التطهير العرقي الثقافي والجنون في رواية مواسم الإسطرلاب

يعتبر أرسطو أول من طرح التطهير بمعنى الانفعال الذي يحرر من المشاعر الضارة ، وذلك في كتبه "فن الشعر" وقد حدده كغاية للتراجيديا من حيث تأثيرها الطبي والتربوي على الفرد. فقد ربط أرسطو بين التطهير والانفعال الناتج عن متابعة المصير المأساوي للبطل، واعتبر أن التطهير الذي ينجم عن مشاهدة العنف يشكل عملية تنقية وتفريغ لشحنة العنف الموجودة عند المتفرج مما يحرره من أهوائه وقد حافظ التطهير في التراجيديا على نفس المنحى الإيديولوجي، فالبطل فيها هو الضحية ، والعقاب الذي يحل به ، هو خلاص مما هو استثنائي وطارئ على الجماعة وبذلك فإن التطهير الذي يشعر به المتفرج، يدعم انتماءه كمواطن فرد إلي الجماعة المترابطة . ولقد حلل علم الجمال وعلم النفس الحديث التطهير وتناوله من موضع التأثير على المتلقي، فقد تم ربطه بالمتعة، واعتبر أن انفعال المتفرج عندما يشاهد انفعالات الآخر على الخشبة هو متعة نفسية تنجم عن التمثل والإنكار، وتتأتى أصلاً من اكتشاف أن المسرح هو وهم واصطناع وليس حقيقة . ومن الجدير بالذكر أن سيجموند فرويد هو أول من استخدم عام 1895 مصطلح التطهير بمعنى التفريج – من فرج الله كربتك - الانفعالي، وذلك عندما وصف طريقة علاجه لمرضاه المصابين بالهستيريا حيث اعتبر فرويد أن المرضى أثناء التحليل يميلون إلى تنفيس صراعاتهم بدلا من تذكرها- . قهر التكرار- وكانت المهمة التحليلية هي "مساعدة المريض الذي لا يتذكر أي شيء من ما قم بنسيانه أو قمعه، ولكنه قام بتنفيسه ليحل النشاط الحالي محل الذاكرة الماضية. وأضاف أوتو رانك أن التنفيس في بيئة التحليلي يحتمل أن يعرض أفكار قيمة بالنسبة للطبيب المعالج. لكنه كان الرغم من ذلك مقاوم من الناحية النفسية بقدر تعامله فقط مع الحاضر على حساب إخفاء التأثير الكامن في الماضي تحدث جاك لاكان أيضا عن " القيمة التصحيحية للتنفيس. كما اعتمدت السيكودراما التطهير كغائِيّة ، وذلك في توجهها لاستخدام المسرح كوسيلة علاج تقوم على إخراج ما هو مكبوت في داخل المشارك ، واستحضاره على مستوى الوعي، وهذا هو التطهير فيها . ويمكن إعادة النظر بقدرة المسرح على التطهير، ومحاولة البحث عن هذا التأثير في أشكال فنية جديدة كالسينما والتلفاز، ذلك أن هذه الفنون، لها قدرة على المحاكاة والإيهام، وتبدو أقرب إلي واقع المتفرج أكثر من المسرح " الآن. ويُعرّف التطهير العرقي بأنه الإزالة الممنهجة القسرية لمجموعات إثنية أو عِرقية من منطقة معينة، وذلك مِن قبل مجموعة عرقية أخرى أقوى منها، غالباً بنيّة جعل المنطقة متجانسة عرقياً، وتتنوع أساليب القوى المُطبقة لتحقيق ذلك، كأشكال التهجير القسري (مثل الترحيل أو إعادة التوطين)، والترهيب، بالإضافة إلى الإبادة الجماعية . ويترافق التطهير العرقي عادة مع جهود مبذولة لإزالة الدلائل المادية والثقافية على وجود المجموعة المستهدَفة، من خلال تدمير منازلها، ومراكزها الاجتماعية، ومزارعها، وبُناها التحتية، وكذلك بتدنيس آثارها، ومقابرها ودور عبادتها. وفي هذه الرواية ([ - على لفتة سعيد. مواسم الإسطرلاب. دار الشؤون الثقافية .بغداد. 2004 .
]) التي ليس فيها اسم لمكان أو لشخصية أو لزمن محدد لكنها مفهومة للقارئ الذي سيعي إنه المعني بصناعة الدكتاتور. محاولة صناعة واقع ثقافي واجتماعي محدد على أرض غير محددة وسط جماعات من البشر غير محددة أيضا باعتباره "تطهير ثقافي اجتماعي"، وهذه الجماعات استطاعت صناعة ديكتاتور في تلك الأرض ولهذا فشخصية بطل الرواية من مرضى فصام البارانويا والنرجسيين في آن الذين صنعوا مجتمعا وفق ثقافة محددة أرادها تقوم على عبادة الفرد البطل الممتلك لكل أدوات القوة السحرية . وكان من الواضح منذ الفصل الأول أنه صنع عالما خياليا عاش فيه منذ أن هبطت عزيمته مع زوجته وقرر هجرها وكل ما كان منه سواء بناء القصور والسيطرة والحكم والسلطة وما كان متشابها مع كل ذلك، ما هو إلا من صنع العالم الوهمي المتخيل الذي عاش فيه والرغبة في امتلاك القدرة المطلقة ، ولما كانت نرجسيته عالية فكان ولابد أن تتحقق كل معالم الأسطورة من حيث عشق الذات والعزلة والموت لتحدث الإبادة – التطهير العرقي الفعلي – للديكتاتور كدلالة على أن التطهير الثقافي عقلا ومنطقا لابد وحتما أن يؤدي بأصحابه للإبادة والتطهير العرقي، إنه شكل مغاير في شكله لمفهوم التطهير العرقي التقليدي ولكنه في آن قد يكون من المقبول في مستوى "السطحي" أن تقول إنها رواية سياسية واقعية تشير إلى العراق في شخصية الزوجة التي انتصرت في النهاية على حاكمها الديكتاتور. فمن تداعيات المؤلف الذي يقول هذه الرواية إنهاك عقلي وضرب في أعصاب الوقت والخوف من تالي الانتهاء منها.. المواسم أخذت مني تسعة أعوام من الكتابة التي بدأت بسؤال.. من يصنع الدكتاتور؟ كنا نعيش في وسط مزدحم بالخوف والموت والرعب والحروب ونحن نصفق ونهتف كأنما نستجدي الحياة.. ولكن كيف السبيل لإنتاج رواية تجيب على هذا السؤال.. فكانت مواسم الإسطرلاب التي أعدها الرواية التي تحكي كل شيء دون أن تشير إلى أي شيء وعلى القارئ أن يفهم وهو يفهم.. والمواسم تعني التحول من فصل إلى فصل مع الحكم والسلطة التي تعبث بنا وتحولنا إلى مسالك لها ومهالك من أجلها.. مواسم الإسطرلاب الرواية التي ليس فيها اسم لمكان أو لشخصية أو لزمن محدد لكنها مفهومة للقارئ الذي سيعي إنه المعني بصناعة الدكتاتور ومن أقصده في الرواية.. حتى أن خبيرا في الشؤون الثقافية كان أكثر خوفا مني حين وصفها بالقصة وقال إنها لا تذكر اسم الدكتاتور ولا المدينة ولا الدولة ولا القارة التي ينتمي إليها لذا فاقترح عند الموافقة على القصة.. وهذا الأمر تكرر معي حين قدمتها للطبع على حسابي الخاص لأحصل على موافقة وزارة الثقافة فكان خبيرها الناقد حسب الله يحيى الذي كتب عنها اعتذر وحين التقينا قبلني وسألني.. هل دخلت السجن؟ قلت له لا.. قال أنا دخلته 12 مرة ولا أريد أن ادخله مجدا.. وحين سقط النظام كتب عنها مقالا قصيرا في جريدة المدى ذكر فيها إن الروائي كان شجاعا في سرده لأجرأ رواية لو طبعت في حينها كما أخبرني لكانت تهز الوسط الأدبي. ومن المقبول في مستوى "السطحي" أن تقول إنها رواية سياسية واقعية تشير إلى العراق في شخصية الزوجة التي انتصرت في النهاية على حاكمها الديكتاتور كما يختم المؤلف الرواية، وأن تقول أن الحكيم هو الشعب المثقف المستنير الذي يتمتع بالوعي والمعرفة والحكمة هو من ساعد العراق وصبر على أزماتها وواقعها حتى تحقق له الهناء مع العراق – الحكيم والعراق :" رفعوها وحملوا معها الرجل الحكيم. وبقي القصر والقصور الأخرى تحت رحمة المعاول. هربت الأشياء وسط الريح وتحوّل المكان إلى شاهدة صغيرة لا معنى له.. يبصقون على ما يذكرهم به ويرمونه بالأحجار، كل عام. بينما ظلّت المرأة نائمة على صدر من حسبته ذات يوم أكثر الرجال ثرثرة.(ص 302). ولكن من الجائز قبول إن العالم الروائي لعلى لفتة سعيد مؤلف رواية مواسم الإسطرلاب مسكون بعالم الأساطير بلا جدال فها نحن أمام أسطورة أو أكثر مع توظيفات متفقة معها واحيانا مخالفة لها، وثمة استحضار لعالم الفصام البارانوي – جنون الإضطهاد والعظمة – وهذا ما يمكن رؤيته في "مواسم الإسطرلاب". حين نجد عملا روائيا رمزيا فلا اسم لأي من شخصياته ولا اسم لأي مكان، كأننا أمام أصول الحياة ومفرداتها المعقدة فليس من المهم أن يكون للشخصية اسم لأن المهم هو وجود الشخصية بأفعالها ومعتقداتها ومكوناتها وتأسيسها النفسي والاجتماعي، وهذا أيضا ردنا لعالم الأسطورة الذي عنى بالحدث الأسطوري أكثر من اسم الشخصية وما الاسم إلا لتيسير التعامل معها. ولهذا فشحصية بطل الرواية من مرضى فصام البارانويا والنرجسيين في آن. وكان من الواضح منذ الفصل الأول أنه صنع عالما خياليا عاش فيه منذ أن هبطت عزيمته مع زوجته وقرر هجرها وكل ما كان منه سواء بناء القصور والسيطرة والحكم والسلطة وما كان متشابها مع كل ذلك ، ما هو إلا من صنع الخيال والعالم الوهمي الذي عاش فيه والرغبة في امتلاك القدرة المطلقة ، ولما كانت نرجسيته عالية فكان ولابد أن تتحقق كل معالم الأسطورة من حيث عشق الذات والعزلة والموت.

البطل البارانوي:
عندما هجر البطل البيت خلف وراءه رسالة عثر عليها الرجل الحكيم ، وأود أن نقرأها لنرى ماذا كتب فيها البطل لنكتشف أنه مصاب بالبارانويا فقد كتب يقول: (أنا الهارب من جور زمنٍ ملعون. ومكانٍ موبوء بالموت وصدورٍ يملؤها الحقد والضيق. وأفواهٍ غاب عنها الصدق، وأيادٍ استأنست لعبة الخمول، وعقولٍ تعودت الخدر وأرجلٍ راكضةٍ خلف اكتناز الأشياء.. وأنفسٍ بلا حلم.. متصورين أن ما يجري من أحداث وويلات لا علاج لها. إلا في السباق نحو الصمت دون أن يفكّروا بجدوى وجودهم أو يفهموا كيف يغلبون الموت. معتقدين انه الغاية الأخيرة والهدف الذي لا يحتاج إلى تخطيط.. لم يحركوا ذرات عقولهم أبداً. ولأنني مولود لأنبش في الصحو. منذ لحظة معرفتي بوجودي على وجه الأرض . رحت أصارع أفكاري التي تأتيني عنوة وبلا مقدمات حتى صارت جزءاً من تكويني. وكان واجبي هو أن أشذّب الفوضى لأُمنح الاستقرار الأبدي ولأنني منساق خلف الأقدام التي تقودها الأفكار التي تقودها أيضاً تأملاتي وتفسيراتي الخاصة. فلم أجد من يصغي إلي حتى ضقت ذرعاً وضاق صدري حد الاختناق من هول ما رأت عيناي وسمعت أذناي حتى داخ رأسي. ولم يعد ينفع الاستمرار مع الوجود المستلب . فأنبأتني الأحلام برؤياها العظيمة أن لا نفع من المكوث في نفس المكان. والدوران حول الزمن ذاته. لماذا لا أكون أنا من يمسك بصولجان الأمر؟أريد أن أكون عظيما . لأنني هنا كطير كُسرت جناحاه. فأنا أختلف عن الآخرين في كل شئ. حتى لكأني لا أنتمي إلى عالمهم الخاص. لذلك قررت الرحيل والبحث عن خطواتي. فهناك من ينادي بعزلتي لأنسج عالمي .. ٍسأكون هارباً في نظركم. لابأس. فأنا هارب من زمن لا يتحرك ..لأحرك ذراتي وأبحث عن مبتغاي .. لن تعرفوا طريق ذهابي. فأنا لا اعرفه أيضاً. لأني مقاد لأكون في زمن أقود فيه أشيائي. لذلك عليكم (من يجد هذه الورقة).. ألا تسألوا عني أبداً. حتى لا ترسلوا الموت خلف خطواتي.. أنتم لا تصدقون ذلك. ولكن يجب أن أقاوم الموت مهما كان الثمن .. لأني سأمسك بالريح..وأخاطب الغيوم أينما تكون.. فمصيرها سيكون لي حتماً )) (ص 41-43).
صناعة البطل الخارق:
إن صنع البطل الخارق متعدد القدرات الراغب في امتلاك القوة المطلقة عالما متوهما خياليا بدأه المؤلف وهو متأطر بالعالم الخرافي الأسطورى الذي يؤكد أن هناك أمارات وقوى خفية تتعامل مع البطل الخارق في أزمنة قديمة كالطفولة أو المراهقة كأنه تعده للمستقبل ، فيقول المؤلف على لسان بطل الرواية (لقد صدقت تلك العرّافة عندما نظرت إلى باطن كفّي. لقد أصيبت حينها بالعجب. يا ليتها كانت على قيد الحياة لساعدتني كثيراً. لعنة على الموت الذي يسرق الأحلام ويبقي الجسد عرضة للانصهار تحت التراب. قالت لي.. أنني أسير مثلها ولكني سأصل. لأنني اكتشفت ما أعانيه من ضيق التفسير مبكراً. لقد جعلتني العرّافة لا أنام. أطرق أبواب الرؤية لأتطلع إلى الضوء المنبعث من كل الجهات وفي كل الألوان وأستمع إلى كل صوت يختلف عن بحة أصوات البشر. قالت: ستخرج من بئر الظلام إلى واحة الانطلاق الكبيرة حيث تتسع خطواتك. قالت: إن في عينيك بياضاً في السواد وسواداً في البياض. عليك بأتساع الصدر وأن تمرّغ وجهك بمسحوق الصبر. نفّذ كل ما تراه وتسمعه. لأنه أمر صادر من رؤياك العظيمة. ولا تسأله عن شيء. قالت: هنيئاً لك المستقبل. ولم أفهم منها شيئاً في بادئ الأمر.(61-62).

المرآة والنرجسية:

بطل الرواية كما وصفه المؤلف اعتمد في سلطته وقدرته الخارقة على المرآة التي كانت توجهه ، وما المرآة هنا إلا صورته المنعكسة فيها، فقد عشق صورته المرآوية وبالتالي فقد أخذ اللاشعور يوجهه ، ومن ثم تحقق البعد الثاني في الأسطورة وهو العزلة فيقول المؤلف: كانت عيناه على المرآة الطافحة بين يديه. اعتدل في جلسته.. مبتعداً عن جذع الشجرة... قبلها.. آه أيتها المرآة.. أنت حياتي.. وسأكون أنا حياتك أيضاً. وعاد مسنداً رأسه على الجذع. عندما تدخل بيتاً. كن وحدك مع المريض. لا ينبغي أن يراك أحد. وانظر الى المرآة. سيتوضح لك جسده داخل المرآة. عندها ستراني أحوم حوله. إن توقفت عند قدميه.. سيشفى فوراً. وإن توقفت عند رأسه. فلا فائدة. كانت حواسه مشغولة. لا يريد أن يسقط حرفاً واحداً. عليه أن يدخل جميع الكلمات الى مضيق الفهم. وأن يمضغ رغوة سعادته بشيء من الارتعاش. ستكون أنت صاحب القرار بعدها. وستكون صاحب السلطة.. سيتبعك الناس وسأكون معك. فأنا أحاول أن أشغل الناس جميعاً بما أريده وأنت أداتي. ولكن أحذر. انصهر الصدأ، والتمعت صورة العرّافة .. عليك أن تكون مطيعاً لأسيادك .. لا تفكر أبعد من ظلك فيما لا يعنيك . وكن ما تريده من خلالهم . (ص 191-192).

النرجسي: الهلاك / الموت :

وبعد تلك العزلة التي سبقت الموت مثلما حدث مع نرجس فكانت المرآة وهي أداة العشق والعزلة أيضا أداة الموت وفي هذا يقول المؤلف على لسان شخصية الزوجة: كانت تسرد عليهم تلك اللحظة العصيبة التي مرّت بها عندما وجهت المرآة إلى وجهه عنوة وكان هو يصر على الهرب وكانت تصر على الإبحار في موانئ النهاية لترسو بهدوء على شاطئ الأمان. قالت له :- يجب أن تنظر بعينيك.أمسكت المرآة بأصابعها العشرة. تشدها بأعصابها التي توتّرت إلى مدى بعيد. رأته وقد تشنّج جسده. أصابته إرتعاشة جعلته ينكث ويتوسل أن تبعد المرآة. أنظر لتنتهي المأساة.. لا أريد أن ألوث يدي بدمك الفاسد. لم يعد أمامه من مهرب.. فتراخى الجفنان وهربت ممانعته في سعير إصرارها فاأستسلم مرغماً.. أصابتها المفاجأة، وكادت تسقط لولا تمسكها بأخر لحظة بالسيل الممتد من مدينتها الى الغرفة الواسعة. رأت هيكله العظمي واضحاً في المرآة. لحظات مخيفة ومرعبة.. لا تدري ما الذي تفعله غير أن تبقى ممسكة بالمرآة. فخرج شيء أبيض يتدحرج مثل زئبق حول الهيكل العظمي. حاول التخلّص.همهم بكلمات لم تفهم منها شيئاً. سمعت دقات قلبه، كانت أسرع من دقات قلبها. سمعت صدى صوته.. إنه يستغيث..يقول إلى الزئبق الأبيض أن يقف عند قدميه. كانت كلماته أشبه بالحشرجة. وصهيل بداخلها جعلها ترتعش. وتمنت لو رمت المرآة. شعرت به يكاد أن ينفجر.- إنه الشيطان بعينه.. يستغيث بإبليس. حاول رفع كفه المرتعشة. أتعبها الأنتظار والزئبق الأبيض يدور حول صورة الهيكل كأنه يريد أن يزيد من عذابه.. ثم تباطأ في الحركة قرب الرأس.. ثم تكوّر قربه. حاول أن يغمض عينيه..لم يستطع. بل ازدادا اتساعاً. عندها قرأ نتيجته واضحة. فأنفجرت المرآة وتناثر حطامها عبر النوافذ .. ليسقط مع أجزاء تماثيله المنهارة ، وصوره العتيدة .. تدوسها أقدام الغاضبين (ص 300 -302).

خاتمة:
نحن هنا أمام رواية صنعت باقتدار فني حيث أوهمت الجميع - النقاد وغيرهم - أنها رواية واقعية سياسة تهتم بشأن العراق ، حتى أن كاتب كلمة (الغلاف الخلفي على الطبعة الأولى للرواية الصادرة عن دار الشئون الثقافية العامة ببغداد عام 2004) "كان طوال الوقت حذرا خائفا لأن الرواية جريئة ورموزها واضحة والتأويل فيها يكف عن بعد سياسي مرهون بالواقع العراقي المعتق"، ولكن كما رأينا الرواية رمزية عن حالة بارانويا متسقة مع أعراض وتاريخ المرض ومتسمة بملامح النرجسية. وكأن علي لفتة سعيد أراد وحقق في آن ما كان يرنو إليه في لاشعوره هو أيضا أن يقدم رواية رمزية بامتياز لا علاقة لها بالواقع في قالب من الاضطراب النفسي والاستعانة بعالم الأسطورة ، فقد تعلق بأسطورة بنلوب أيضا حين جعل الزوجة عفيفة وترفض الزواج طوال فترة غياب الزوج في بحثه المتوهم عن القدرة المطلقة ، واستعان أيضا بأسطورة الخصاء تلك التي جعلت من البطل مخصيا لا نفع فيه جنسيا لكي يكون إلهًا متوهما، ودلالة الحمار الذي صحبه وهلك منه في منتصف الرحلة وهي القصة التي حكاها القرءان عن الحمار وصاحبه ف الازمنة القديمة. إنه مسكون بالرمزي والأسطورى ولكنه يغمي على المتلقي فيتصوره وكأنه كاتب واقعي تاريخي وما هو بذلك، ولعل نظرة عمقية لكل أعماله الروائية تضعنا أمام ذلك التصور، وما هو إلا من مخزون حضاري جمعي لحضارة العراق وتاريخه، ومخزون تراثي شفاهي لابد وأنه استمع لبعض منه في طفولته، ومكون ثقافي معرفي تكوَّن لديه في سنوات لاحقة ، وربما كان همًا ومعاناة من الواقع السياسي وغيره فألجأه إلى دنيا الخرافة والأساطير .



-2-
تآمر اللاشعور وانتصار الأنا الأعلى في الصورة الثالثة

الثلاثية عمل علي لفتة سعيد الأخصب في مشروعة الإبداعي الروائي ولذا نبدأ من الصورة الثالثة عمل مشغلا لمولدة كهرباء فوق سطح أحد الفنادق، وفي الجزء الثاني عمل حفارا للقبور وفي الجزء الثالث عمل موظفا وظل يحلم بكتابة روايته.
تتناول رواية "الصورة الثالثة" ([- على لفتة سعيد: الصورة الثالثة . دار فضاءات للنشر والتوزيع .عمان . 2015.]) مقطعا عن الحرب وماساتها وعن التدخلات الخارجية في حياة الشعوب. وتتحدث عن قاص أنهى حياته يتيما ومن ثم مقاتلا في جبهات القتال خلال الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم مقاتلا في حرب الخليج الأولى وحين يتسرح من الجيش لا يجد عملا فيبقى متنقلا من عمل إلى آخر يعتمد على أبيه في الحياة ولكنه يحب كتابة القصة ويمضي وقته مع شاعر وناقد ..كل ما كتبه عن الحرب مع إيران هي المأساة .لكنه الذي لا علاقة له بالنساء لتربيته يتعرف على امرأة جميلة تميل له وينجذب لها وهنا تحدث المفارقات التي تبحث عنها الإجابة من المستفيد من الحرب وما أثرها على المجتمع..القاص يحاول مع العلاقة مع المرأة أن يكتب رواية فقد أعجبته قصة المرأة التي يقضي معها الليل بطوله لان زوجها غير موجود وهي زوجة عسكري ..الرواية كذلك تأخذ جانب من أحداث التدخل الأمريكي في احتلال العراق وكيفية كان الناس يترقبون أن كانت أمريكا تتدخل كما فعلت في حرب الخليج الأولى أم أنها ستكتفي توجيه ضربات وأمام الدمج بين الحروب يتبرز مأساة الناس من خلال العلاقة بين القاص وزوجة الرجل العسكري الذي يتضح له انه تسرح من الجيش مثله ويعمل في عمل لإنتاج السمنت ليلا حتى الفجر .لكنه يصدم بقوة المفاجأة أن الزوج العسكري وحين يرى له صورة ثالثة غير الصورتين المعلقتين اللتين تبرزان جماله وفتوته ومنصبه العسكري انه رجل مصاب في الحرب .خلال الانسحاب العراقي من الكويت عام 1991 أن الإصابة تقطع رجولته وهو ما يبقي الزوجة طوال السنوات العديدة مع زوج بلا ذكورة فتلجا إلى القاص لتعويضها إلا انه ينتفض على روحه ويقول لها انأ والحرب على زوجك فيهرب منها إلى العمل مشغلا لمولدة تنتج الكهرباء فوق سطح فندق يعمل ليل نهار حتى لا يذهب إليها.
الرواية يقع زمنها في يوم واحد تنتهي بإعلان خدمة الاحتياط لاستدعاء القاص من جديد لخوض الحرب حين جاءت الجيوش لإسقاط النظام في العراق عام 2003. وهكذا أظهرت الرواية أديبا مأزوما عاش شبابه الغض في الحرب وخرج منها فاقدا لأسباب الحياة الطيبة فلا عمل له ولا بيت يأويه وربما لا أسرة كبيرة تضمه ولا زوج ، وهنا كان عليه أن يواجه الحياة بفقرها المادي والمعنوي ، ترى ما مصير محسن الذي جاوز الشباب وهو يعاني قسوة الرغبة التي لم يجد لها إشباعا حتى الآن، وليس هو بالمستطيع تكوين أسرة في واقعه الأليم؟ فيدفعه لاشعوره للبحث عن امرأة – أية امرأة- لعله يجد ما يشبع تلك الرغبة فنراه يتجول في الأسواق حيث الباعة والمشترين والنساء كثيرات وفعلا تحقق له ما أراد وتعرف على سلوى وكانت هي ذلك السلوان – الحزن- إذ فقد زوجها رجولته في الحرب أيضا وقد أتت الحرب عليه وراح ضحية لها ، وراحت سلوى أيضا تبحث في لاشعورها عن وسيلة لإشباع رغبتها المعطلة منذ عشر سنوات وقد وجدت سلوتها مع محسن. "في البدء كانت رغبتك أقوى وتلح علي بهمس شبق أن أذهب إليها.حتى لو كان لمجرد النظر إلى مفاتنها.أكثر من عشر سنوات وأنت تقرب صوراً إلى أحضانك في المواضع قبل اشتداد القصف لتنام بلا تفكير.كنت تقول لي أنك معذور لم تر في حياتك جسد امرأة عن قرب حتى حطت سلوى على شاطئ العطش.فهي الحقيقة الساطعة المبهجة التي لا تحتاج إلى رتوش ولا تحتاج إلى تخيل في مكان منزوٍ (ص 17)" وأول ما لفتنا هو ذلك الإهداء "إلى أبي علمني إن الوطن أن تعيش ثم مات (ص 5) وهنا يكون الأب معادلا للوطن وحب الحياة والحقيقة الوحيدة التي نراها يوميا وهي الموت وقد مات الأب وليس أمام الوطن إلا الحياة ، وظل الأب الميت حاضرا طوال الرواية إما في صورة تذكر محسن له وذكر نصائحه أتذكر قول أبي..عندما تريد إهانة رجل..أرسل له امرأة لعوبا..وجه أبي بعيد. (ص 16). وكذلك "كان أبي يوصيني ألا اقترب من المرأة لأنها وسيلة لهلاك النفس (ص 157). وما استحضار الأب سواء بالإهداء من جهة المؤلف أو من جهة محسن بطل الرواية إلا لوجود تماهي بين محسن والمؤلف بحيث يتكأ المؤلف على جزء من شخصيته كأديب وكاتب قصة فجعل من محسن أديب وكاتب قصة أيضا والمؤلف يستحضر الأب دوما كتعويض عن فقده المؤثر ، ولدى المؤلف أيضا فقدان مبكر للأم التي لا يعي صورتها جعل من حضور الأب ضروريا للشعور بالأمان والطمأنينة، ومن جهة أخرى جاء حضور الأب لدى محسن كتقوية وحافز "للأنا الأعلى" كيما يساعده على الكف عن الإشباع الجنسي خارج حدود العرف والدين بإنهاء علاقته مع سلوى، وكذلك كان حضور الأب في الشخصية الساردة الأخرى إلى جانب محسن ليخاطبه محسن بقوله : أكاد أجزم ،أنك من تحرّض زوج سلوى على أن يحضر بهيكله أمامي، ليطاردني.فكلما حاولت أن أتشاغل عنه بطريقةٍ ما،كان نقرأ أو نتحاور..سرعان ما تأتي بذكراه أمامي لم تكن ذكراه الوحيدة التي تطبق على خناقي بل أن حضوره يشكّل بؤرة لوساوس مهيضة، تكبلني عن العودة إلى بيته لكي يلاحقني بعذاباته منذ اللحظة التي شعرت فيها أنني أنتهك حرمة بيته..وأن غراميات الليالي السامرة، ما هي إلّا سرقة في وضح النهار بل جريمة مع سبق الإصرار،إنني ألعن حظّي الذي كنت أحثه على أن يجد امرأة أو فتاة..لأمارس معها طقوس الرجولة..لكن الله رماني في طريق سلوى أو رماها في طريقي لتكون النتائج ما أحصده الآن من عذابات متناسلةٍ..إحساس بالألم ، أردت التخلص والتملص منه بحجة أنني غير مسئول عن أفعال زوجه..وأنها نتيجة حتمية لزمن امتد لأكثر من عشر سنين، وهي تداوي صبرها بقناعة مزيفة..وأنها كانت تسير على حبل تواجدها،حبل رفيع وطويل لا نهاية له.تركت عينيها مغمضتين حتى لا ترى القناع، وحين أمسكتني من ذراعي وقادتني، كانت كأنها تمارس الحب للمرة الأولى،وأن الفترة الماضية ما هي إلّا احتقان لأوردة الدماغ..هل كنت القشة التي حركتها الريح وضربتها،لتسقط في القاع؟ (ص 155- 156 ).
وكانت سلوى مقهورة بدافع الرغبة والشعور بالذنب نتيجة فعل الخيانة الزوجية وكانت موزعة العاطفة بين حبها لزوجها وإمكانية تركه للبحث عن حل لأزمتها "لم تكن تدرك بعد الأسباب ((لا أريد مفارقته لأنه أصيب، أنا أحبه.ولأني أعرف أنني زوجة رجل عسكري..إذن فالإصابة كانت أهون من الموت،أردت الحفاظ عليه))ظلت تبكي لا تدري ما به لتبقى وحيدة تعيش مع جسدها وهواجسها بعد أن كانت ترى نفسها محظوظة..ذاقت طعم الحياة وسط خيبتها في الإنجاب، وكان الصمت قد بدأ ينسج خيوطه(( بقيت صابرة عشر سنوات وهو بعيد عني))لم تعد الكلمات تنفع، اكتشفت أن روحه معطلة وان جسده تحول إلى خشبة. (ص 133).
وتلفتنا دلالة الصورة الثالثة تلك التي قصدها محسن وهي "ترك الرجل ملامحه الجديدة، بين أصابعي، لذلك أردتك يا محسن أن تعين عاطفتي لتتماسك، نصف لوجه ضامر والنصف الآخر منتفخ..أشكال غريبة في النصف الأول،وجه بعين واحدة مفتوحة، وعين مغلقة بل أثار عين ألتحم الجلد حولها من ثلاث جهات..جلد العين والأنف والوجنة.. نصف الوجه يشبه نصف وجه الصورتين..رغم نحافته في الصورة الثالثة..والنصف الآخر، تبرز منه خطوط عرجاء نزلت من أعلى جبهته حتى أسفل أنفه، لتنزل بوحشية وقد أكلت نصف شفته العليا..ملتحمة عند حافة الشفتين..لكأنه يزم نصف فمه بقوة، لم يكن فرحاً حين التقط الصورة الصغيرة التي تؤخذ للمعاملات الرسمية..كانت آخر دمعة قد حبسها بل أن يضغط المصور على الزر..وتبين أنه كان يحرق أنفاسه وهو يعرض وجهه الجديد أمام الملأ، كان وجهه مطرزاً باحمرار وبقايا خيوط عملية جراحية وهي تلحم ما هشمه جرحٌ قالت.قررت أن أجد وسيلةً للمقارنة لتبدأ أسئلتي تتقافز من جديد شاعراً بكسوف في داخلي.اختلست النظر إلى الصورة المعلقة..كان الشاربان طويلين، أطلقت حسرة أكلت صدري ..رجلاً عنيداً خلق ليكون قوياً..وليس عامل تنظيف في معمل الإسمنت..وفي الوجبات المسائية دوماً..قلت لك..أنه قد شارك في هروبه بما جرى لزوجه..أنه المسئول عن حياة البيت (ص 130 – 131)، إلى رجل حارب عشر سنوات وخرج من الحرب منبوذا اجتماعيا وفاقدا لرجولته فآثر الابتعاد والعزلة ليترك لزوجته فرصة لاشعورية لكي تشبع رغباتها المكبوحة ، وهنا تآمر اللاشعور على إتاحة الفرصة للإشباع الجنسي، فالزوج يهرب بعيدا في عمل ليلي وسلوى تتسكع في الأسواق لشراء حاجاتها ومحسن يجوب الشوارع والأسواق بحثا عن أي امرأة. وتنبثق لدى محسن وسلوى لحظة السيطرة التامة على "الهو" والحد من لهاثها لإشباع رغباتها وتقفز "الأنا" لتمارس دورها في التوفيق بين الرغبات والقيم التي تمثلها "الأنا الأعلى" حين قال : - لا أريد ، أنا والحرب على زوجك ، - لم آت إليك لتعود لي بل جئت لأزور الحضرة زيارتي الأخيرة (ص 199). ويرى محسن حلما وفيه الزوج يوجه حديثه لمحسن ويقول " اتركها ، اغتسلت وذهبت للضريح واستجاب الله لدعائها (ص 202), وجاء في الحلم أيضا " كانت ممدّدة على السرير، متشحة بالبياض.لم يكن الباب مغلقاً؟ كان زوجها يبكي، يضع يدا على عينه المفتوحة..وكانت سلوى مغمضة العينين كأنها نائمة في سباتٍ عميق. رأيت علاماته. أقلقتني، لم ينهض زوجها، لم يعترض على وجودي، ولم يصرخ حين اقتربت منها، هالني صوت نشيجه المبحوح. بدأت أهزّ سلوى، أريد إيقاظها.. ما الذي فعلته في زيارتها الأخيرة إلى الحضرة؟ سلوى..سلوى..انظري إلينا..انظري إلى زوجك.كم يحبك..لم أكن افعل لك شيئا..أنه حلمٌ، مجرد رغبة لكتابة رواية عنك..لكن القلم انساق إلى إلحاحي. رأيت طيوراً بيضاً تخرج من تحت ثيابها. أخذت ترفرف في الغرفة..فزعة كأنها سمعت صوت طائرات فخرجت من النافذة (ص 2011). وهنا تأكيد على الحلول الدينية والسكينة والراحة التي تقدم حلولا للمعاناة وفي الحلم تأكدت دلالة التآمر اللاشعوري من قِبَل الثلاثة على ما حدث.
وبهذا الختام للرواية ظهر محسن ذلك الرجل النبيل الذي حارب سنوات عديدة تهزه صورة زميله في الحرب – الزوج – وقد أصابته لعنتها ، فيفيق أناه الأعلى من غفوته ليرتد منتصرا على "الهو" فيقرر الابتعاد عن سلوى لإحساسه بأنه إنما يخون الزوج إلي كان ضحية الحرب، وهو الأديب المعنى بالأدب وهموم الوطن، لتصبح سلوى وقد عادت أيضا لقوة الإيمان تلتمس فيه الشفاء وقد قوى عندها الأنا الأعلى أيضا ولتنتظر في النهاية حلا لمشكلتها، وها هو الزوج وقد ارتضي منها التوبة على فعلها لإدراكه بدوره فيما أصابها . وهنا كانت نتيجة الحرب مدمرة لدى كثير من الضحايا سواء على المستوى النفسي والمادي، ولدى الرجل والمرأة على السواء فكانت هذه الرواية زعقة عالية للتنديد بالحرب والموت معا.


-3-
الأسطورة/ الأم في مزامير المدينة


الرواية هي الجزء الثاني لروايته الاولى ( الصورة الثالثة ) التي صدرت عن دار فضاءات الاردنية عام 2016 حيث يتم متابعة أحداث الشخصيات وتطورها عبر محمول التغيرات التي حصلت في البنية الاجتماعية العراقية.. حيث تناول الجزء الاول الواقع العراقي وتأثيرات الحرب العراقية فيما كان رواية ( مزامير المدينة ) في مجملها تسعى لأثارة الأسئلة التي تنفض الغبار عن ما يجري خلف الواقع من أحداث جسام ظلت تلازم المشهد العراقي ما بعد ( 2003) وما رافقته من تحديات وتحولات حولت صورة الواقع بكل تجلياته اليومية الى مشهد معقد ومتشابك يصعب تحديده او الامساك بأطرافه اللاعبة والمهيمنة لما تمتلكه هذه الاطراف من قوة شعبية ورصيد رمزي ، وديني مدعوم بأجندات أيديولوجية حزبية ومذهبية، وهو ما يجعل من هذه الاسئلة ذات طابع استفزازي تشكيكي أكثر منه شكليًا تنظيميًّا، ما يسهم في إعادة التساؤل عن جدوى ما يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وكيف يتم تصميم ما يحدث، بهذه الوحشية البشرية التي احرقت الجميع دون استثناء، ولكي لا تكون الرواية مجرد أسئلة عائمة بلا إجابات، جاءت الاجابة على لسان شخصياتها التي تشترك في اضطرارات المكان، لكنها تختلف فيما بينها في توصيفه ثقافيا ونفسيا لتعكس وجهات نظر مختلفة لهذه الاجابة، على الرغم من وجود بطل وحيد يقوم بروي الأحداث وتوزيع الادوار على جميع الشركاء، لكنه ظل حياديا بنسبة جيدة اتجاه ما تود قوله شخصيات الرواية أو على مسافة بينه وبين الشخصيات الثانوية بشكل لم يمارس فيه الاقصاء المباشر، وهو ما اتاح إبراز وجهات النظر المختلفة (لا أدري لمن تعزف المزامير ؟ ربما إلى القبور ) ص7 ([ - حيدر جمعة العابدي: تمثلات الفضاء السردي في (رواية مزامير المدينة) . في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي . تحرير خالد مححمد عبدالغني . تحت النشر. ]).
وهنا في مزامير المدينة ([ - على لفتة سعيد . مزامير المدينة . دار الفؤاد للنشر والتوزيع . القاهرة. 2018.])يعلن الموت عن نفسه أيضا. وتكون صورة "محسن" بطل الرواية على هيئة المؤلف "على لفتة سعيد" فيجيء وصفه كما لي :
"عدّلت من تسريحة شعرك لتغطي صلعةً صارت كبيرةً تغطيها زغب شعيرات لا تمنع ضوءاً أو لمعةً" أليست هذه صورة المؤلف؟.
وكان من حسن حظي في فترة سابقة أني اطلعت على مخطوط الرواية قبل الدفع بها للنشر وكان عنوانها "مزامير القبور" وكانت هناك ثيمة ثابتة لدى المؤلف تتعلق بالموت ظهرت في كثير من رواياته وكان لها – الثيمة- دلالتها من حيث الحتمية النفسية التي تجعل من الموت موضوعا دائما لديه ، فها هو الطفل ذو العامين الذي يفقد أمه بالموت، وما يلبث أن يلتحق الجيش ليعيش مأساة الحرب ويشاهد القتلى مجندا ، ثم يعيش المأساة مرة أخرى في احتلال الأمريكان لبلاده ، وها هو يعيش تجربة القتل على الهوية الدينية في الأحداث الإرهابية طوال السنوات الخمسة عشر الأخيرة ، ولكن عندما تغير اسم الرواية يفقد النقاد أو على الأقل أفقد أنا شخصيا ثيمة قد تكون مدخلا مهما لفهم النص .
في (مزامير المدينة) للروائي والأديب العراقي علي لفته سعيد تسعى الشخصية الرئيسية "محسن" المعادل الموضوعي لـ "علي لفتة سعيد " إلى متابعة أثر زوجة الجندي الجريح "سلوى" لمعرفة أين تركتها الحروب.. الشخصية الرئيسية تعمل في هذه الرواية حفارا للقبور بعد أن كان في الجزء الأول– رواية "الصورة الثالثة"- يعمل مشغلا لمولدة كهربائية فوق سطح أحد فنادق مدينة كربلاء.. وهو المؤلف الذي يراقب بعين الوعي فإن المهمة ستكون متوجة بالانتقالات العديدة بين المقبرة وما يأتيها وما يحصل فيها من أحداث، وما يحصل في المدينة من صراعات خفية سواء على مستوى الساكنين أو العلاقات الأسرية التي امتلكت الأطيان وامتهنت لعبة رجال الدين. مثلما تناقش التحول الدراماتيكي لبعض المثقفين من اتجاه فكري إلى آخر .
والرواية تعد صراع الأمكنة وإماطة الأذى عن الواقع وإزالة الغبار عن المرايا لعل الصورة تتضح أكثر ولو صورة واحدة من بين الصور.
واللغة في الرواية متساوقة مع المعنى والمعنى يبحث عن تأويله وما بين اللغة وطريقة الحكي تركت الرواية فسحتها للتأمل وهي تتحدث عن الضياع في الحب والمكوث معا. ففي هذا المقطع سوف نلاحظ تلك اللغة الرمزية والشاعرة في آن:" السماء مثل أرجوحةٍ تتغيّر ألوانها حسب صراخ الحروب. ولا ذاكرة لمعرفة الفصول، إلّا من درجات الحرارة، ترتدي السماء حجابًا أسود، سرعان ما تغيّره الى أبيض ثم تحيله الى شبكةٍ من المياه والبرد، والناس بسراويلٍ هائجةٍ، يضعون الألم بين أصابعهم ويحملون نعوشهم خلايا ناضجةً من الموت، منذ أن صارت الحرب طابوقة وتنزيلات عملاقةً بجرافاتٍ كبيرةً لا تنهض الأموات. أصواتنا تتمرّد في همسها وهسيسها على السماء، في لعنتها الخافية وصراخها المكبوت وفي حديثها تتكلّل بالإيمان. حتى إذا ما خرجت من المدينة الى مدينةٍ أخرى كانت مقبرتها الجديدة مآلًا لعملٍ لم تكن تفكر به، تتعثّر بالحاجة لسدّ بطن الجوع حتى لو كان بحفر قبور، بعد أن هلست الحروب والحصار كلّ ريشات الطيران نحو الحلم. تتغلغل بروحك وتستكين لها وتُطعم صبرك فلا تجد غير نقيعٍ من صراخٍ وعتابٍ لأنك مستسلم للمصير كأن لا أرض تحتويك ولا عودة ترضيك. ولا تعلم في أيّ شهرٍ من الفصول، أو في أيّ وقتٍ من الفصل الذي فيه لأن الحيرة ميزان روحك، مشيّدًا بيتك في آصرةٍ تعبانةٍ مصابةٍ بنكافٍ قديمٍ من الوجع وسوء الحظ، وأبوك ترك خلفك الأخف غير المنظور ويأتي بك الى هنا لتتمرّن على الإيمان أو أراد هو أن يكون في وسط الإيمان، فكان ثوبه شفّافًا لم يقهِ من حسرةٍ فمات وأنت بلا وحيٍ يمنحكَ طاولة تجلس خلفها أو جدارًا تتكّئ عليه أو حتى لحظة تأملٍ تمنحك الشعور بإعلان موعدٍ آخذٍ بالتطلع.) ص9. الحب الذي أغرقته الحروب العبثية والذي حاول الراوي اقتناصه في حضرة أبيه الذي يعلمه الحرف ليكون ثابتا وحين يموت لا يجد في الحرب غير أن يخوض الحروب وما بعدها لا يجد عملا ثابتا حتى يستقر على عمل حفار قبور فيكتشف هول العالم الذي يعيش فيه. الحرب في الجهة الأخرى التي لا تلسعه نارها في المرة الأخيرة بعد الاحتلال والقبور مأوى هذه الحروب فيحترق بشوائها ويخاف على أفكاره ومن بين خضم القبور يكتشف طرق الهلاك في هذا العالم. لكنه وسط كل الركام يبحث عن الحب والحرب فيكونا معا معادلا موضوعيا لما ضاع من الحياة فيكون القبر / سلوى الحديث عن الغياب والضياع والتيه، ومواكب العزاءات والبكاءات والحزن المعتق والفقر الذي يعلن أمامه قصر طوله فتتحول قبر إلى لذة مشتهاة مثلما هو قبر للتحول إلى العالم الآخر..

الأسطورة / الأم:

ومن البداية نجد المؤلف متأثرا بعالم الأسطورة والتنبؤات والعرافين، فيجيء هذا المشهد من الصفحة الأولى للرواية :
" قالها لك قبل عقود، الأب المغرم بتفاصيل التاريخ وهو يحكي عن الحرب إن قامت في العراق لن تقف وأسماها مثل (طابوقة). جملة اختصرت كتباً لم تكن تقتنع بها أو تحاول التفكير بها وتربطها بكتب الغيبيّات التي تحاول ألّا تؤمن بها ولا تكيّف نفسك معها. وحين سألناه عن كيفية المعرفة، قال إنها نبوءة الكتب والعارفين".
وفي هذه الرواية يعود بنا المؤلف إلى أنموذج الأرض / الأم كنمط أولي، ومنه تفرعت أنماط تلبست بغلائل تناسب الشعوب في بيئاتها المختلفة ، فالقبور بهذا المعنى هي رحم الأم التي نعود إليها حين نموت، فمقولة "أيتها الأرض أنت أمي" ليست بلاغية فقط ولكنها حقيقة، فالأرض الأم مصدر غامض ومهيب ومعين لا ينضب للخصب والنماء والحياة الجديدة تلك التي ستكون في القبور مرة ثانية من نعيم أو عذاب حسب المفهوم الديني الذي لم ينفصل المؤلف عنه، ويضيف:
"ولكن يبدو إن الحياة في المقبرة تعلّم الهدوء واستخلاص النتائج".
وتقول الأسطورة القديمة: "في بداية الأمر كانت الأرض متزوجة من السماء وكانتا متلصقتين ولهذا ساد الظلام الكون، ثم أنجبت الأرض الأبناء وهم الشمس والقمر والنجوم وكاد الأبناء يختنقون إذ كانوا محشورين بينهما، فأطلقوا سهامهم فانفصلتا وعاش الأبناء في السماء فكان النور والضياء". وأنموذج الأرض الأم القديم تفرعت منه أنماطا عديدة فكانت آلهات حيث ظهرت "أنانا" السومرية، و"عشتار" البابلية، و"عنات" الكنعانية، و"عشتروت" الإغريقية، و"إيزيس" المصرية. وهذه هي المقبرة الكبيرة للجنوبيين من أهل العراق فيقول محسن :" في مقبرة وادي السلام حيث الجنوبيين لهم أرومة في المقبرة الأكبر في العالم. تضحك، لأنك في مقبرةٍ أخرى وفي مدينةٍ أخرى يمكنك الجلوس على علوٍّ وترى الموتى كيف يتقاطرون. لكن الحال اختلط وتتخيّل الموتى كيف يتزاورون في المقابر الكبيرة ويضحكون على حالنا وحال من قتلته الشظايا في الحروب".
محسن :
وهذا النمط الأولي والأسطوري حرَّك مخيلة المؤلف إذ كتب لنا روايته "مزامير المدينة"، عن "محسن" الذي عمل حفارا للقبور وما يعانيه من أهوال الموت طوال الرواية. وهو ينتقد القتل على الهوية الدينية فيقول : "وهم ينادون أن الموت للصفويين حلال فيأتي الرد أن الموت للوهابية، كأننا أمام دكان عبادةٍ يبيع أقراص الجنّة حيث يريد القتلة". ويظل محسن متعلقا بسلوى وقد تمنى في لحظة استبصار الأنا أن تصبح تائبة بعد زيارتها الأخيرة للعتبات لأن محسن لم يكن راضيا طوال الوقت عن خيانة زوجها زميل الحرب بل كان مدفوعا بسطوة الرغبة ومشاعر الاكتئاب والقلق المسيطر عليه ولذلك يعود دوما للتذكر لما هو سيئ في الماضي واستحضاره بقوة كآلية من أليات الاكتئاب النفسي وهذا يكشف لنا عن أن محسن مضطرب نفسيا فهو غير منحرف أخلاقيا أو رجلا سيكوباتيا – عدواني بالخلق والطبع - :" كدت تعثر بحفرةٍ في وسط الرصيف وأنت ترجع خطوةً الى الوراء مبحلقًا بعينيها الدامعتين، وهما تحملان قرارًا لا يدركه إلّا الخوف أو الموت أو من يحمل الموت طريقًا أو التيه سبيلًا. ودوّنت في ذاكرتك.. حين تنتهي الحرب لا تلتفت الى الوراء، ثمة ذاكرةٌ تعيدك الى التيه فتصعب عليك الحروف وتتلبّد الحياة بالضباب فيكون مصيرك بلا ضوء. والأغرب عدم التزامك بما كتبت وعدت لتبحث عنها من جديد. كأن السنوات التي أفضت بعد التغيير كانت تيهًا وتريد الآن إزالة الضباب وتعود الى الكتابة. ولأني أحب مشاكستك، قلت لك: كلّما فكّرت بسلوى عليك أن تتذكّر كيف كنت تهرب منها أو أردت الهروب، وكيف تمنّيت لو ابتعدَت عنك وصرت مشغّل مولّدة كهربائية فوق سطح فندق حتى لا تعود إليها مساءً، وتكفّر عن سيئاتك اتجاه زوجها.. توكأت على عصا الذاكرة لتعيد المشاهد وينطرح السؤال: لماذا جعلتها تعود بكلّ هذه القوة والحنان؟.. صرخت بوجهي وكأني المسؤول عن أفعالك وتصرفاتك، أنت من قال جملتك الثائرة: تشارك الحرب في تضخيم مأساة زوجها وربما كنت ألعن من الحرب لأنك لا تصيب جسده بل بمعناه في الحياة.. سلوى قالت لك في اللقاء الأخير إنها ستلبّي رغبتك وأنها ستقفل الباب على نفسها وكأنها تعلن التوبة وطلب العفو والمغفرة وإنها انساقت لإيجاد الحل لثورة الأنوثة التي قتلتها الحرب أيضا. آه يا محسن، أعرف إنك تسألني إن كانت قد لحقت زوجها وانتحرت في آخر زيارةٍ لها للعتبة؟ تمسك السؤال وتقاسم الطريق آخر أمتاره للوصول الى المقهى البغدادي وكنت تقبض على الفراغ.) ص172.
سلوى :
تبقى سلوى المعادل الموضوعي للحياة ذاتها وما الحياة إلا العراق للعراقيين ومن هنا كان يرى محسن سلوى في كل النساء :" لحظةً وتصاب بالبُهتان وأنت ترى امرأةً تخرج من ( مغتسل النساء) تنادي على طفلٍ يلعب بين أشجار الكالبتوس مع متسوّلي المقبرة، المرأة تحدث فوضىً في كلامها ومناداتها، تمدّ يدًا مبسوطةً وعباءتها تطير خلفها وتلفّ رأسها بفوطةٍ سوداء وترى ثوبها أسود ونعلها أسود يثير خلفها التراب الذي اندمج مع التراب المتطاير من خلف السياج، فيغطي الصور المثقوبة لرؤساء الأحزاب الدينية ويحيل الرايات الى قماشٍ ملفوفٍ على أعمدتها التي تبرز مثل بنادق جاهزةٍ للحرب. تُمسك بقبضاتٍ منضّدة ومستعدة لتوجيه لكمةٍ لمن يعترضه.. لم تدرِ ماذا تفعل وهذه المرأة لاح منها بياضٌ مختبئٌ خلف سحنةٍ سمراء لها لذعة لم تترك لك الخيار في التفكير، إن تلك اللّمعة في الخدّين والضوء الذي برق للحظةٍ من العينين تعرفها بنبض قلبكَ، أو إن لها ظلًّا في هذه المرأة. قلت لك: هذه ليست سلوى اطمئن ربما هي شبيهتها أو إنك ما زلت تحلم إن كلّ امرأةٍ جميلةٍ هي سلوى..) ص49.. ومن نافلة القول أن هذا النموذج لم يكن نقيا خالصا في ذهن المؤلف بل كان متوائما مع ثقافة عربية وإسلامية فالمزامير تشير إلى مناجاة /غنائيات / والصوت الشجي للنبي داوود كما نعرف جميعا من السنة النبوية وهناك الكثير من المفردات والجمل القرآنية وردت متواترة أيضا . فالرواية ــ من جهة أخرى ــ رحلة بحث عن الأنا في خضم الضياع الذي يفرضه الآخر؛ رحلة بحث عن كل ما سلبته الحروب المتتالية والفتن التي عصفت في البلاد؛ رحلة بحث وسط عالم مشوش غير واضح المعالم عالم من الصراعات والتنافس اللاشريف, رحلة بحث عن السلام والحب والجمال, لذا فقد امتهن السرد فيها طابع التأمل حتى يظن القارئ أنه بصدد قراءة موشحة حزن مطولة , لكنه الحزن الشفيف رغم ألمه؛ حزن التأمل وليس حزن الانهزام, فما زالت على مدى صفحات الرواية النشوة قائمة رغم مرارة الروي وكأننا هنا أمام معذب ينتشي بعذاباته ([ - علي حسين يوسف : تمثلات الحضور والغيات في رواية مزامير المدينة. في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي . تحرير خالد مححمد عبدالغني . تحت النشر. ]).. وهكذا حاولت الرواية رسم الوجع من وجهة نظر المؤلف وزاوية من وجهة نظر سارد الأحداث التي تتشعب وتتوزع فتتعبد طرق التفاصيل والحكي لعلها تصل إلى المبتغى من أن الحرب تمنح القبور والقبور تمنح المزامير في لحظة رؤية لما يجول في خاطرها مع التأكيد على سيرة المؤلف الذاتية الموجودة داخل النص الروائي وإن كانت بالطبع ليست رواية سيرة ذاتية .


-4-
مأساوية المصير في فضاء ضيق

ما زال على لفته سعيد بسكون في أعماله الروائية في الأسطورة والمكون التراثي العميق للشخصية حتى وهو يناقش قضية العدالة من خلال بحث الأديب الذي تجاوز الأربعين "محسن" بطل روايته الجديدة "فضاء ضيق"([ - على لفتة سعيد . فضاء ضيق . دار الفؤاد للنشر والتوزيع . القاهرة. 2019.])، فـ "محسن" كما هو البطل التراجيدي في الدراما الإغريقية يواجه دائما تحديات تدمره بواسطة القدر، نتيجة خلل غير معروف في شخصيته، ويتطلب هذا أن يحتل البطل مكانة سامية لا يتنازل عنها، ويوجه نحو هدف نبيل ثم يسقط ويدمر. ودوما ما نجد مع البطل رفيق أو صديق وأحيانا تابع يشد من أزره أو يعينه ويرشده، فأوديب رافقته ابنته انتيجونا في مأساته حتى ضحت بنفسها من أجله ، والملك لير كان في صحبته ذلك الخادم الذي رافقه طوال المأساة أيضا وغير ذلك الكثير. فالصورة الثالثة رواية أديب مأزوم عاش شبابه الغض في الحرب وخرج منها فاقدا لأسباب الحياة الطيبة، فلا عمل له ولا بيت يأويه وربما لا أسرة كبيرة تضمّه ولا زوج، وهنا كان عليه أن يواجه الحياة بفقرها المادي والمعنوي، ترى ما مصير محسن الذي جاوز الشباب وهو يعاني قسوة الرغبة التي لم يجد لها إشباعا حتى الآن ، وليس هو بالمستطيع تكوين أسرة في واقعه الأليم؟ فيدفعه لاشعوره للبحث عن امرأة– أية امرأة- لعله يجد ما يشبع تلك الرغبة فنراه يتجول في الأسواق حيث الباعة والمشترون والنساء كثيرات وفعلا تحقق له ما أراد وتعرّف على سلوى وكانت هي ذلك السلوان –الحزن-، إذ فقد زوجها رجولته في الحرب أيضا وقد أتت الحرب عليه وراح ضحية لها، وراحت سلوى أيضا تبحث في لاشعورها عن وسيلة لإشباع رغبتها المعطلة منذ عشر سنوات، وقد وجدت سلوتها مع محسن. “في البدء كانت رغبتك أقوى وتلح عليّ بهمس شبق أن أذهب إليها. حتى لو كان لمجرد النظر إلى مفاتنها. أكثر من عشر سنوات وأنت تقرب صوراً إلى أحضانك في المواضع قبل اشتداد القصف لتنام بلا تفكير”. (ص 17). ولقد نحا على لفته سعيد في هذه الرواية إلى شكل حوار مباشر بين السارد ومحسن ولعل السارد هنا هو ذلك الجزء المستبصر من شخصية محسن ولذا كان الحدث المباشر معه طوال الرواية ويفسر له الأحداث ويكشف له عن أخطائه وعيوبه والحلول التي يجب عليه أن يختارها وكذلك المسالك الواجب اتخاذها تجاه العديد من المواقف والمشكلات ، وإلى جانب محسن وقفت عديد من الشخصيات مع مسيرة محسن الذي كتب من قبل روايتين هما "الصورة الثالثة ومزامير المدينة" لنقرأ فيهما تجربته في الحرب والعمل كفني مولدة الكهرباء وحفارا للقبور وعلاقته بسلوى، تلك الزوجة التي أفقدت الحرب رجولة زوجها فخانته مع محسن، ثم تركت سلوى زوجها إما بموته أو بطلاقها منه وزواجها من رجل غريب وسفرها معه (ص 215). وترك محسن العمل بالمقبرة وأرشده صديقه للعمل بمؤسسة لرعاية الأيتام وفيه يتعرف الأثر المدمر للحرب حيث الترمل للزوجات ومعاناتهن واليتم للأبناء، وكيف يصدر المجتمع على الأرامل أحكاما قاسية في جوانب شتى من الحياة مما يدعوهن إلى الانحراف الأخلاقي "فلقد أخبر محسن صديقه جمعة بما رآه وسمعه اليوم في المؤسسة.. من ذاك التاجر أو الكفيل الذي يتلمّظ بلسانه لافتراس أرملة جميلة يريد أن يعطي أطفالها مبلغا شهريا لكنه ليس لوجه الله.. أيده جمعة بتوصيف الحال وطالبه بتخفيف لهجة النقد للمؤسّسة أو لمن يستغلها لأنها غير معنية بأخلاق المتبرعين..فقال له إن تحرير سبق أن اخبره أن المثيرات وبسبب العوز أو الشعور بيباس الأنوثة يسقطن في حبائل مثل هؤلاء.. وبعضهن يدركن اللعبة فيتزوجنّ مؤقّتًا على أساس زواج الحلال ويشترطن على الرجل المتلمّظ ذلك.. فهي تحصل على المال واللذّة معا..وحين تعود مر أخرى لاستلام المال فيلمح العاملون في المؤسسة التغييرات التي طرأت على الأرملة..ثمة وجه وضع عليه مكياج خفيف ورموش اصطناعية لتجعل من العينين سوداوين بشكل ملفت للنظر (ص 109). ويجتهد محسن في كتابة روايته الثالثة ويأتي للقاهرة لمناقشة روايتيه السابقتين ويلتقي عددا من النقاد والأدباء ويتذكر إعجابه بالقاهرة تحديد في أحيائها الكبرى وميدان التحرير وكيف اختار الشعب الثورة على النظام الحاكم في يناير 2011 ويونيه 2013 والحرية التي تتمتع بها المرأة في الشوارع والمنتديات المختلفة وكيف أن ناقدين أو أكثر أعجبتهم روايتيه. ويتذكر محسن أنه لم يتزوج واكتفى بالحياة مع سلوى، بل وعاش على ذكرياته معها وكأنه مثبت على تلك المرحلة مما مهد الطرق لمعاناته النفسية كأحد مؤشرات المرض النفسي "العُصاب" فها هو يتذكر لقطة أخرى يكتشف فيه كيف كان يضحك وهي تسارع بارتداء ملابسها كي لا يرى شيئا من جسدها الأبيض الذي سماه جمار النخل.. لكن الصورة تعرض له في المرات القادمة كيف كانت تنام على ذراعه لتمسح أنفها برقبته وتحرق لهاثها الذي كانت تصرخ من خلاله قبل لحظات.. الصورة لا تتركه إلا ويتذكّر كيف كان خائفًا في الخروج من البيت فجر اليوم الأول مخيّلًا أن الجيران والمنطقة كلها تقف أمام الباب لتمسكه متلبّسًا بجرم الاعتداء على شرف جيرانهم وصيد خيانة زوجته.. لكنه في الأيام الأخرى كان يعيد الكرة حين يسبحان معا في الحمام ولا ينظران إلى عيون الجدران التي صارت مغمضةً وتعطي موافقتها لاحتراق الشبق الطافح عمن سنوات التعويض. كانت الأشهر الأولى التي لا يعلم بها شيئا عن زوجها.. إنها أشهر الرغبة الجامحة.. إسقاء عشب أنوثتها وإعادة الحياة.. وهو يتخلص أيضا من الاستمناء الذي كان وحده العلاج لكبته الطويل.. (ص 70). وهنا يتأكد العُصاب لدى محسن فهو لم يستطع الحياة مع امرأة أخرى واكتفى بممارسة الإشباع الجنسي الذاتي – بل إنه وجد صعوبة في التوقف عنه فيخاطبه السارد قائلا " أواصل تذكيرك يا محسن.. ضع أمامك سلسلة من الأحداث والصور.. أحاول مساعدتك في تمضية الوقت بطريقة مفيدة بدلًا من الشعور بالكدر والضجر فتلجأ ربما إلى الاستمناء الذي تحول لديك كجزء من عقوبةٍ كبيرةٍ أقسمت فيها إلا تقترب من امرأة مهما كانت الظروف. لكنك وبملحة ذكيةٍ منك ذكرتني بلحظة ارتباكك حين قالت لك أرملة أن اسمها سلوى.. فسقط القلم من يدك (ص 61). وعندما نتعرف على مصير محسن وما آلت إليه شخصيته خلال عُصابه الذي كشف عنه الاستمناء والتثبيت على مرحلة علاقته بسلوى يحدثه السارد قائلا " تمشي وحيدًا وفي رأسك تدور الحكايات وتقول لي من حقهنّ فعل أيّ شيء.. أليس هنّ أيضا إنسان ولهنّ الرغبة.. وتقول لي، ألم أكن استمني لأعوّض عن حرماني منذ مغادرة سلوى هاربًا تلوذ بلحظةٍ لعلّها تمنحك الهدوء ولم تزل.؟ تتذكّر في هذه اللحظة بكلّ تأكيد سلوى حين تمكّنْت من مداعبة أنوثتها النائمة أو الخاملة أو الميّتة أو اليقظة مثل قطّةٍ جائعة....في تلك الليلة الأولى أيقظت فيها اللذّة المتدثّرة في دهاليز حبّ قتلته الحرب والانسحاب من الكويت والقصف الأمريكي الذي قطع رجولة زوجها في ساحة سعد.. لتحيله إلى حارس ليليٍّ في معمل أسمنت المدينة ولا يأتي إلّا بعد طلوع الفجر.. أعرف أني أكرّر الأمر لكن للتذكير وعدم النسيان ولكي أقول لك لست المسبب في آلت إليه أمور سلوى.. وحدك من استطعت سرقة سنابلها العطشة ..تمشي وحيدًا وفي رأسك تدور الحكايات وتقول لي من حقهنّ فعل أيّ شيء.. أليس هنّ أيضا إنسان ولهنّ الرغبة.. وتقول لي، ألم أكن استمني لأعوّض عن حرماني منذ مغادرة سلوى هاربًا تلوذ بلحظةٍ لعلّها تمنحك الهدوء ولم تزل.؟ تتذكّر في هذه اللحظة بكلّ تأكيد سلوى حين تمكّنْت من مداعبة أنوثتها النائمة أو الخاملة أو الميّتة أو اليقظة مثل قطّةٍ جائعة..ضع من الأوصاف ما تريد فهي تتجّه إلى المعنى الواحد والتأويل الواحد، هو نصٌّ لا يحمل تأويلاته وتعددّها..في تلك الليلة الأولى أيقظت فيها اللذّة المتدثّرة في دهاليز حبّ قتلته الحرب والانسحاب من الكويت والقصف الأمريكي الذي قطع رجولة زوجها في ساحة سعد.. لتحيله إلى حارس ليليٍّ في معمل سمنت المدينة ولا يأتي إلّا بعد طلوع الفجر.. أعرف أني أكرّر الأمر لكن للتذكير وعدم النسيان ولكي أقول لك لست المسبب فيما آلت إليه أمور سلوى.. وحدك من استطعت سرقة سنابلها العطشى.. (ص 198 -199). ويؤكد ذلك المعنى ما يذكره السارد قائلا " ولم يكن يعرف كيف يقتل الوقت غير الحديث مع نفسه أو يكتب أو يقرأ وقد ملّ كلّ شيء.. منذ مساء أمس الذي عاد فيه إلى البيت.. حتى أنه خالف الوعد الذي قطعه على نفسه ألّا يستمني كلما اعتراه شيء، فالعمر عبر المراهقة.. يرى الناس مثله يدارون وقتهم بالتعبير عن ممارسة الحياة بالشكل الذي يسيّرهم لا هم يسيّرونه.. يلتقطون الصور أو يعبرون مستنقعات الواقع المصاب بالأرق.. (ص 139). نحن أمام محسن وهو يعاني من المرض النفسي حتى أنه قرر فشله في إقامة إعلاء - اتخذ شكل البحث عن العدالة - لرغبته المكبوحة بعد إشباعها مع سلوى فقد قرر أن يكون مقندسا – جُماع مدنس ومقدس - أي جامعا للشيء ونقيضه في آن، وتلك علامة أخرى على العُصاب نطلق عليها التناقض الوجداني وفي أبسط معانيه حب الشئ وبغضه أيضا فيقول السارد " انهض يا محسن.. فقد انقضت الساعات والحكاية.. لم يعد هناك غير واقعك.. ولا تفكر بسلوى بعد الآن. مثلما لا تعيد السؤال من جديد وان تغيّرت الصيغة. ما هي العدالة سمعنا أنا وأنت هذه المرة بذات الوقت.. الإجابة. أن تكون مقندسًا كحلّ وسيط. " (ص 221). كما تنبأت الرواية بالمصير المأساوي لشخصيات الرواية فها هو "علاء " الأديب والناقد العراقي الذي قدمت الرواة ما يشي بمصيره حث حريته الزائدة حد التهور في التعبير عن أرائه الفكرية والدينية وعدم مجاراته للأعراف والقيم الاجتماعية السياسية حتى انه كتب رواية انتقد فيها الخوميني رئيس إيران وزعيم ثورتها على الشاه عام 1979 الذي عاش في كربلاء 13 عاما. فكان جزاء علاء على هذا الانتقاد للخوميني هو القتل "بـ 13 رصاصة اخترقت جسده ودراجته الهوائية على صدره" (ص 220). وجاء مصير حمدية تلك الفتاة العشرينية التي اتجهت للبغاء وقد قبلت بهذا الدور في الحياة ولا ترغب في تغييره ولا حتى الندم عليه بل ربما سيكون مصيرها تكوين شبكة لمارسة البغاء على أوسع نطاق ممكن " فعرفت أن عملها اليومي هي أن تكون نائمة مفتوحة الساقين لمن يرعب.. فتخيلت ماذا تتجمّع في عيني ابنها الصغير من صورٍ ومشاهدات سبق لحمدية أن رأتها مع أمّها. وقالت لك أنها يوميًا على هذا المنوال حتى إنها لم تعد تشعر بأي لذّةٍ ، تضع النقود في حقيبتها وتمضي إلى محلّ أخر وزبون أخر.. بل وتقول لك ما إن يكبر ولدها ستتحوّل إلى عمل آخر وهو المبيت في بيوت التجار والمسئولين والباحثين عن اللذّة.. قالت لك جملتها الجهنّمية، الدخول في هذا المجال صعب الخروج منه أو التوبة.. فهو الطريق المحفوف بلذة المال والشعور بالقوة والتمنّع وليس كما في المقبرة حيث كانت مسلوبة الإرادة تبحث عن عدالة مكوثها. (213). حتى مجتبى ذلك الشاب إلي ترك عائلته الدينية ورفضه ممارسة طقوسها وقد اختار حياته بنفسه وفق معتقداته ومحاولاته وتفكيره في الانتحار، فقد اتجه في النهاية لعلاج مشكلاته وتقبل حياته وواقعه وعلاجه عن طريق الضحك الذي شك محسن في نجاحه " حتى مجتبى الذي كان يريد منك أن تدلّه على طريقةٍ مريحة للموت، لم يعد يفكّر به أو يسعى إليه.. فقد قرّر منذ أن رآك حاملًا لكل المآسي، وتعيش في حالةٍ أكثر منه تعاسةً، لذا قرّر الخوض في طريقة معالجةٍ اكتشفها متأخّرًا أو لم يكن ينتبه لها رغم القيام بها دون أدراك، وهي المعالجة بالضحك والفرح والسخرية والنكتة..، لم يعد يفكّر بالموت أو الانعزال أو المال أو الجذر أو النسب أو الآخرة.. بل عليه المضي في الحياة بالضحك.. وقد دعا حتى زملائه إلى الانخراط في مشروعه. قلت له يا مجتبى كيف يمكن لك الوثوق بهذه الأشياء من أنها لا تغادرك هي وليس أنت الساعي إليها.. لم يفهم ما قلته فأعدت الملاحظة على أذنيه، يا مجتبى هل أنت واثق ألّا يحزن منك الضحك ولا تسخر منك السخرية ولا يغادرك الكدر ولا يلاحقك الإثم ولا يغرقك الشعور بالإثم. (ص 207). وهكذا استحضر المؤلف عددا من الشخصيات رافقت بطل روايته "محسن " خلال مسيرته الفكرة والأدبية وبحثه عن عدالته المتوهمة كمحاولة لإعلاء رغباته المكبوحة وقد شملت تلك الشخصيات ما كان مصيره مأساويا ومن كان مصيره عاديا لأنها لم تكون شخصيات ملغزة بل كانت ثانوية داخل النص الروائي مثل الناقدين المصريين د.يسري ود.خالد وحليم وتحرير وجمعة وراعي الغنم، ولعل ذلك مرتبط بالسيرة الذاتية للمؤلف كونه "محسن" وأن أبطال الرواية من الواقع المعاش، ولكنه في هذا أيضا صاغ روايته من حيث الشكل في إطار يشبه المآسي الكبرى في الأدب العربي والعالمي.






-5- 1.jpg


المقهى كفضاء سيكودرامي وملتقى للثورة في حب عتيق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى