حين يدخل ابنُ الرئيس إلى القاعة
هل يخاف مؤتمر فتح
من ياسر عباس…
أم من السؤال الذي يحمله؟
في القاعة… يدخل الاسم قبل صاحبه.
في حركةٍ وُلدت من المخيمات،
ومن البنادق القديمة،
ومن أسماء الشهداء والأسرى والمنفيين،
لا يدخل أي اسم إلى القاعة بوصفه “شخصًا” فقط.
كل اسم يحمل وراءه:
تاريخًا،
وعلاقة،
وشبهة،
وخوفًا،
وأملًا أيضًا.
ولهذا…
حين بدأ الحديث عن دخول ياسر عباس إلى مؤتمر حركة فتح، والترشح لعضوية لجنتها المركزية، لم يبدأ النقاش من الرجل نفسه فقط… بل من اسمه.
ابن الرئيس.
وهنا انفجر السؤال الفلسطيني القديم الجديد:
هل تصبح المشكلة في الاسم… أم في اللحظة التي يدخل فيها هذا الاسم؟
لكن، بعيدًا عن الانفعال، لنطرح السؤال كما يجب.
هل ترشح ياسر عباس بحد ذاته يعني “توريثًا”؟
في تاريخ فتح ومنظمة التحرير، دخل أبناء قادة ومناضلين وشهداء إلى الحركة والمؤسسات والمواقع الرسمية. بعضهم أصبح وزراء، وبعضهم قاد مؤسسات، وبعضهم وصل إلى مواقع متقدمة داخل التنظيم.
ولم يكن مجرد “القرابة” وحدها كافيًا يومًا لإطلاق حكم سياسي كامل.
ثم إن ياسر عباس، حتى هذه اللحظة، لم يدخل السلطة بالشكل التقليدي المعروف.
لم يحمل وزارة، ولم يظهر داخل الأجهزة، ولم يتحول إلى مسؤول يومي في بنية الحكم.
ظل لسنوات بعيدًا نسبيًا عن المشهد التنظيمي المباشر، بينما تحركت أعماله في الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الخارجية.
ولهذا يبدو دخوله الآن إلى المشهد السياسي والتنظيمي متأخرًا أكثر مما يبدو امتدادًا لمسار معلن ومخطط منذ سنوات.
وربما هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل ما يجري مجرد حق تنظيمي طبيعي لرجل قرر دخول السياسة متأخرًا؟
أم أن فتح، التي دخلت مرحلة تعب طويلة، بدأت تبحث داخل بيتها القديم عن أي احتمال جديد؟
في الشارع الفلسطيني، لا يبدو المشهد بهذه البساطة.
هناك شخصيات تملك مفاتيح المؤسسة، والعلاقات، والحضور الأمني، وقنوات النفوذ.
لكن امتلاك النفوذ لا يعني دائمًا امتلاك الثقة، ولا يعني القدرة على إعادة بث الروح داخل حركة تعيش واحدة من أكثر لحظاتها ارتباكًا.
وفي المقابل، يظهر ياسر عباس بصورة ضبابية ومربكة في الوقت نفسه.
رجل قريب من مركز القرار… لكن ليس جزءًا واضحًا من السلطة اليومية.
يتحرك كثيرًا… لكنه لا يتحدث سياسيًا بما يكفي.
يحضر في الملفات… لكن بلا خطاب واضح.
وهنا يبدأ الفراغ.
لا توجد حتى الآن مقابلات سياسية حقيقية يقول فيها:
كيف يرى فتح؟
كيف يرى منظمة التحرير؟
كيف يرى السلطة؟
هل يعتبر فتح حركة تحرر؟
أم حزب سلطة؟
أم إدارة حكم ذاتي طويلة تحت الاحتلال؟
هل يرى أن السلطة ابتلعت الحركة؟
أم أن الحركة ما زالت قادرة على استعادة معناها الأول؟
هذا الصمت ليس تفصيلًا.
لأن الناس لا تبحث فقط عن أسماء جديدة.
الناس تريد أن تعرف: هل بقيت هناك فكرة أصلًا؟
وربما لهذا أصبحت تحركات الرجل أهم من كلامه.
لبنان مثلًا لم يكن ملفًا عابرًا.
الرجل دخل المخيمات،
اقترب من الأقاليم،
التقى الأجهزة،
تحرك بين الأسرى،
وحمل صفة “ممثل الرئيس” في ملفات حساسة.
وهذه ليست حركة رجل أعمال يزور السياسة للمرة الأولى.
بل حركة شخص يقرأ خرائط القوة داخل فتح:
من يملك الشرعية؟
من يملك الولاء؟
من يملك النفوذ؟
ومن بقي يملك شيئًا من روح الحركة القديمة؟
حتى ملف سحب السلاح من المخيمات اللبنانية، والذي ظهر إعلاميًا كملف أمني، لم يكن بهذه البساطة.
الجميع يعرف أن ما سُلّم لم يكن كل السلاح.
لكن ما جرى ربما كان شيئًا آخر:
إعادة ترتيب النفوذ،
إعادة الإمساك بالتنظيم،
وإعادة فتح خطوط داخل المخيمات التي بقيت دائمًا ذاكرة فتح الثقيلة: المنفى، الثورة، الخروج من بيروت، والكوادر التي ما زالت ترى الحركة بعين مختلفة عن عين السلطة.
لكن وسط كل هذا…
هناك شيء آخر يلفت النظر بصمت.
شيء يكاد يكون غائبًا عن معظم الشعارات والصور والبيانات.
أين السياسة؟
أين فتح التي كانت تتحدث عن:
التحرير،
والمقاومة،
والوحدة الوطنية،
والاستقلال،
وإعادة بناء المشروع الوطني؟
معظم ما يُقال اليوم يدور حول:
الأسير،
وابن المخيم،
والتاريخ التنظيمي،
والسيرة الشخصية،
والخدمة،
والعلاقات،
والإدارة.
لكن أين اللغة التي كانت تجعل فتح تبدو حركة تحرر أصلًا؟
كأن الجميع يتحرك داخل سقف منخفض، أو داخل لغة حذرة تخاف من الأسئلة الكبرى.
كأن الحركة، التي كانت يومًا تُقاس بقدرتها على إنتاج الأسئلة الكبرى، أصبحت تُقاس بقدرتها على إدارة التوازنات اليومية.
وكأن المؤتمر، بدل أن يكون لحظة بحث عن مشروع وطني جديد، يتحول تدريجيًا إلى مرآة تعكس حجم الأزمة أكثر مما تقترح طريقًا للخروج منها.
ولهذا يصبح صمت ياسر عباس جزءًا من صمت أكبر منه.
ليس وحده من لا يقول مشروعه بوضوح…
بل المشهد كله يبدو مرتبكًا أمام سؤال: ماذا بقي من الفكرة الأولى؟
وربما تكمن المشكلة الحقيقية هنا.
ليس في الأشخاص فقط…
بل في التحول الذي أصاب الحركة نفسها.
فتح التي خرجت يومًا من الأزقة الضيقة للمخيمات، وحملت البندقية، والمنشور السري، وأغاني الثورة، دخلت مع الزمن إلى عالم آخر: السلطة، والإدارة، والتنسيق، والوظيفة، والراتب، والبقاء داخل نظام سياسي محاصر بالاحتلال والمال والرقابة الدولية.
لم تتغيّر فتح فقط لأن الأشخاص تغيّروا…
بل لأن الحركة نفسها انتقلت من موقع الثورة إلى موقع الإدارة، ومن منطق التحرر المفتوح إلى منطق البقاء داخل سلطة محاصرة بالاحتلال والمال والرقابة الدولية.
وحين يتغيّر الموقع… يتغيّر معه كل شيء: اللغة، والأولويات، وحتى معنى العضوية نفسها.
شيئًا فشيئًا، بدأ سؤال التحرير يتراجع أمام سؤال: كيف نحافظ على ما تبقى؟
ثم تراجع سؤال المشروع الوطني أمام سؤال: كيف تستمر المنظومة؟
وهنا حدث التحول الأخطر.
حين بدأت فكرة “النجاة الفردية” تتسلل بهدوء إلى داخل حركة قامت أصلًا على فكرة التضحية الجماعية.
وربما لهذا لم يعد الصراع داخل فتح فقط على: الرؤية، أو البرنامج، أو معنى الكفاح الوطني.
بل على: الموقع، والعضوية، والنفوذ، والحضور داخل مراكز القرار.
ولهذا لا يبدو الجدل حول ياسر عباس مجرد جدل حول شخص.
بل يبدو كأنه مرآة للحظة الفلسطينية كلها.
لحظة تقف فيها الحركة أمام نفسها وتسأل بصوت خافت:
هل ما زلنا حركة تحرر؟
أم أصبحنا نخاف على السلطة أكثر مما نخاف على ضياع الفكرة؟
وربما لهذا عادت الرموز إلى الواجهة.
رجل اسمه ياسر، يدخل مقر الحركة ببدلة كاكي، في لحظة تبحث فيها فتح عن صورتها الضائعة.
في الوعي الفتحاوي، الكاكي ليس لونًا فقط.
إنه ذاكرة كاملة.
أبو عمار…
الكوفية…
المخيم…
البندقية…
وصوت الرجل الذي كان يجعل الفلسطيني يشعر أن الثورة ما زالت تمشي على قدمين.
ومن يعرف سيرة البيت نفسه، يعرف أن اسم “ياسر” لم يكن اسمًا عابرًا داخل عائلة محمود عباس.
فالابن الثاني حمل اسم “ياسر” تيمنًا بياسر عرفات، ثم كبر الرجل وسمّى ابنه “عمار”، فصار يُنادى: ياسر أبو عمار.
وكأن الاسم ظل يدور داخل الذاكرة نفسها.
لكن التاريخ لا يُورَّث بالأسماء.
ولا بالكوفية.
ولا بالكاكي.
أبو عمار لم يكن صورة فقط.
كان قدرة نادرة على إبقاء الحركة حيّة وسط المستحيل.
كان يعرف كيف يمشي بين الأنظمة العربية دون أن يسلم الحركة لأحد، وكيف يبقي داخل فتح: اليساري، والإسلامي، والقومي، ورجل المخيم، ورجل الجامعة، ورجل البندقية، تحت خيمة واحدة اسمها فلسطين.
وأنا، كمخرج، تعلمت أن أخطر اللقطات ليست تلك التي يظهر فيها البطل…
بل تلك التي تشعر فيها أن المكان نفسه فقد صوته.
ولهذا…
وأنا أراقب كل هذه الصور والشعارات والوجوه، لا أسأل نفسي فقط: من سيدخل اللجنة المركزية؟
بل أسأل شيئًا أكثر وجعًا:
كيف لحركةٍ كانت تتحدث يومًا بلغة التحرير الكامل… أن تصل إلى لحظة تصبح فيها كلمة “المقاومة” غائبة عن معظم خطاباتها؟
كيف لحركةٍ كانت تحمل فلسطين كلها… أن تبدو اليوم خائفة حتى من تعريف نفسها؟
وكيف لحركةٍ كانت تُربك العالم بكلمةٍ واحدة من قائدها… أن تصل إلى لحظة يصبح أكثر ما يشغلها: من يجلس على الكرسي التالي؟
وربما…
هذا هو السؤال الحقيقي الذي دخل القاعة قبل الجميع.
ليس: هل ينجح ياسر عباس؟
بل:
هل ما زالت فتح تتذكر لماذا وُلدت أصلًا…
أم أن الثورة، مثل كثير من الثورات المتعبة، بدأت تنظر إلى صورتها القديمة…
أكثر مما تنظر إلى الطريق؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11/5/2026
هل يخاف مؤتمر فتح
من ياسر عباس…
أم من السؤال الذي يحمله؟
في القاعة… يدخل الاسم قبل صاحبه.
في حركةٍ وُلدت من المخيمات،
ومن البنادق القديمة،
ومن أسماء الشهداء والأسرى والمنفيين،
لا يدخل أي اسم إلى القاعة بوصفه “شخصًا” فقط.
كل اسم يحمل وراءه:
تاريخًا،
وعلاقة،
وشبهة،
وخوفًا،
وأملًا أيضًا.
ولهذا…
حين بدأ الحديث عن دخول ياسر عباس إلى مؤتمر حركة فتح، والترشح لعضوية لجنتها المركزية، لم يبدأ النقاش من الرجل نفسه فقط… بل من اسمه.
ابن الرئيس.
وهنا انفجر السؤال الفلسطيني القديم الجديد:
هل تصبح المشكلة في الاسم… أم في اللحظة التي يدخل فيها هذا الاسم؟
لكن، بعيدًا عن الانفعال، لنطرح السؤال كما يجب.
هل ترشح ياسر عباس بحد ذاته يعني “توريثًا”؟
في تاريخ فتح ومنظمة التحرير، دخل أبناء قادة ومناضلين وشهداء إلى الحركة والمؤسسات والمواقع الرسمية. بعضهم أصبح وزراء، وبعضهم قاد مؤسسات، وبعضهم وصل إلى مواقع متقدمة داخل التنظيم.
ولم يكن مجرد “القرابة” وحدها كافيًا يومًا لإطلاق حكم سياسي كامل.
ثم إن ياسر عباس، حتى هذه اللحظة، لم يدخل السلطة بالشكل التقليدي المعروف.
لم يحمل وزارة، ولم يظهر داخل الأجهزة، ولم يتحول إلى مسؤول يومي في بنية الحكم.
ظل لسنوات بعيدًا نسبيًا عن المشهد التنظيمي المباشر، بينما تحركت أعماله في الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الخارجية.
ولهذا يبدو دخوله الآن إلى المشهد السياسي والتنظيمي متأخرًا أكثر مما يبدو امتدادًا لمسار معلن ومخطط منذ سنوات.
وربما هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل ما يجري مجرد حق تنظيمي طبيعي لرجل قرر دخول السياسة متأخرًا؟
أم أن فتح، التي دخلت مرحلة تعب طويلة، بدأت تبحث داخل بيتها القديم عن أي احتمال جديد؟
في الشارع الفلسطيني، لا يبدو المشهد بهذه البساطة.
هناك شخصيات تملك مفاتيح المؤسسة، والعلاقات، والحضور الأمني، وقنوات النفوذ.
لكن امتلاك النفوذ لا يعني دائمًا امتلاك الثقة، ولا يعني القدرة على إعادة بث الروح داخل حركة تعيش واحدة من أكثر لحظاتها ارتباكًا.
وفي المقابل، يظهر ياسر عباس بصورة ضبابية ومربكة في الوقت نفسه.
رجل قريب من مركز القرار… لكن ليس جزءًا واضحًا من السلطة اليومية.
يتحرك كثيرًا… لكنه لا يتحدث سياسيًا بما يكفي.
يحضر في الملفات… لكن بلا خطاب واضح.
وهنا يبدأ الفراغ.
لا توجد حتى الآن مقابلات سياسية حقيقية يقول فيها:
كيف يرى فتح؟
كيف يرى منظمة التحرير؟
كيف يرى السلطة؟
هل يعتبر فتح حركة تحرر؟
أم حزب سلطة؟
أم إدارة حكم ذاتي طويلة تحت الاحتلال؟
هل يرى أن السلطة ابتلعت الحركة؟
أم أن الحركة ما زالت قادرة على استعادة معناها الأول؟
هذا الصمت ليس تفصيلًا.
لأن الناس لا تبحث فقط عن أسماء جديدة.
الناس تريد أن تعرف: هل بقيت هناك فكرة أصلًا؟
وربما لهذا أصبحت تحركات الرجل أهم من كلامه.
لبنان مثلًا لم يكن ملفًا عابرًا.
الرجل دخل المخيمات،
اقترب من الأقاليم،
التقى الأجهزة،
تحرك بين الأسرى،
وحمل صفة “ممثل الرئيس” في ملفات حساسة.
وهذه ليست حركة رجل أعمال يزور السياسة للمرة الأولى.
بل حركة شخص يقرأ خرائط القوة داخل فتح:
من يملك الشرعية؟
من يملك الولاء؟
من يملك النفوذ؟
ومن بقي يملك شيئًا من روح الحركة القديمة؟
حتى ملف سحب السلاح من المخيمات اللبنانية، والذي ظهر إعلاميًا كملف أمني، لم يكن بهذه البساطة.
الجميع يعرف أن ما سُلّم لم يكن كل السلاح.
لكن ما جرى ربما كان شيئًا آخر:
إعادة ترتيب النفوذ،
إعادة الإمساك بالتنظيم،
وإعادة فتح خطوط داخل المخيمات التي بقيت دائمًا ذاكرة فتح الثقيلة: المنفى، الثورة، الخروج من بيروت، والكوادر التي ما زالت ترى الحركة بعين مختلفة عن عين السلطة.
لكن وسط كل هذا…
هناك شيء آخر يلفت النظر بصمت.
شيء يكاد يكون غائبًا عن معظم الشعارات والصور والبيانات.
أين السياسة؟
أين فتح التي كانت تتحدث عن:
التحرير،
والمقاومة،
والوحدة الوطنية،
والاستقلال،
وإعادة بناء المشروع الوطني؟
معظم ما يُقال اليوم يدور حول:
الأسير،
وابن المخيم،
والتاريخ التنظيمي،
والسيرة الشخصية،
والخدمة،
والعلاقات،
والإدارة.
لكن أين اللغة التي كانت تجعل فتح تبدو حركة تحرر أصلًا؟
كأن الجميع يتحرك داخل سقف منخفض، أو داخل لغة حذرة تخاف من الأسئلة الكبرى.
كأن الحركة، التي كانت يومًا تُقاس بقدرتها على إنتاج الأسئلة الكبرى، أصبحت تُقاس بقدرتها على إدارة التوازنات اليومية.
وكأن المؤتمر، بدل أن يكون لحظة بحث عن مشروع وطني جديد، يتحول تدريجيًا إلى مرآة تعكس حجم الأزمة أكثر مما تقترح طريقًا للخروج منها.
ولهذا يصبح صمت ياسر عباس جزءًا من صمت أكبر منه.
ليس وحده من لا يقول مشروعه بوضوح…
بل المشهد كله يبدو مرتبكًا أمام سؤال: ماذا بقي من الفكرة الأولى؟
وربما تكمن المشكلة الحقيقية هنا.
ليس في الأشخاص فقط…
بل في التحول الذي أصاب الحركة نفسها.
فتح التي خرجت يومًا من الأزقة الضيقة للمخيمات، وحملت البندقية، والمنشور السري، وأغاني الثورة، دخلت مع الزمن إلى عالم آخر: السلطة، والإدارة، والتنسيق، والوظيفة، والراتب، والبقاء داخل نظام سياسي محاصر بالاحتلال والمال والرقابة الدولية.
لم تتغيّر فتح فقط لأن الأشخاص تغيّروا…
بل لأن الحركة نفسها انتقلت من موقع الثورة إلى موقع الإدارة، ومن منطق التحرر المفتوح إلى منطق البقاء داخل سلطة محاصرة بالاحتلال والمال والرقابة الدولية.
وحين يتغيّر الموقع… يتغيّر معه كل شيء: اللغة، والأولويات، وحتى معنى العضوية نفسها.
شيئًا فشيئًا، بدأ سؤال التحرير يتراجع أمام سؤال: كيف نحافظ على ما تبقى؟
ثم تراجع سؤال المشروع الوطني أمام سؤال: كيف تستمر المنظومة؟
وهنا حدث التحول الأخطر.
حين بدأت فكرة “النجاة الفردية” تتسلل بهدوء إلى داخل حركة قامت أصلًا على فكرة التضحية الجماعية.
وربما لهذا لم يعد الصراع داخل فتح فقط على: الرؤية، أو البرنامج، أو معنى الكفاح الوطني.
بل على: الموقع، والعضوية، والنفوذ، والحضور داخل مراكز القرار.
ولهذا لا يبدو الجدل حول ياسر عباس مجرد جدل حول شخص.
بل يبدو كأنه مرآة للحظة الفلسطينية كلها.
لحظة تقف فيها الحركة أمام نفسها وتسأل بصوت خافت:
هل ما زلنا حركة تحرر؟
أم أصبحنا نخاف على السلطة أكثر مما نخاف على ضياع الفكرة؟
وربما لهذا عادت الرموز إلى الواجهة.
رجل اسمه ياسر، يدخل مقر الحركة ببدلة كاكي، في لحظة تبحث فيها فتح عن صورتها الضائعة.
في الوعي الفتحاوي، الكاكي ليس لونًا فقط.
إنه ذاكرة كاملة.
أبو عمار…
الكوفية…
المخيم…
البندقية…
وصوت الرجل الذي كان يجعل الفلسطيني يشعر أن الثورة ما زالت تمشي على قدمين.
ومن يعرف سيرة البيت نفسه، يعرف أن اسم “ياسر” لم يكن اسمًا عابرًا داخل عائلة محمود عباس.
فالابن الثاني حمل اسم “ياسر” تيمنًا بياسر عرفات، ثم كبر الرجل وسمّى ابنه “عمار”، فصار يُنادى: ياسر أبو عمار.
وكأن الاسم ظل يدور داخل الذاكرة نفسها.
لكن التاريخ لا يُورَّث بالأسماء.
ولا بالكوفية.
ولا بالكاكي.
أبو عمار لم يكن صورة فقط.
كان قدرة نادرة على إبقاء الحركة حيّة وسط المستحيل.
كان يعرف كيف يمشي بين الأنظمة العربية دون أن يسلم الحركة لأحد، وكيف يبقي داخل فتح: اليساري، والإسلامي، والقومي، ورجل المخيم، ورجل الجامعة، ورجل البندقية، تحت خيمة واحدة اسمها فلسطين.
وأنا، كمخرج، تعلمت أن أخطر اللقطات ليست تلك التي يظهر فيها البطل…
بل تلك التي تشعر فيها أن المكان نفسه فقد صوته.
ولهذا…
وأنا أراقب كل هذه الصور والشعارات والوجوه، لا أسأل نفسي فقط: من سيدخل اللجنة المركزية؟
بل أسأل شيئًا أكثر وجعًا:
كيف لحركةٍ كانت تتحدث يومًا بلغة التحرير الكامل… أن تصل إلى لحظة تصبح فيها كلمة “المقاومة” غائبة عن معظم خطاباتها؟
كيف لحركةٍ كانت تحمل فلسطين كلها… أن تبدو اليوم خائفة حتى من تعريف نفسها؟
وكيف لحركةٍ كانت تُربك العالم بكلمةٍ واحدة من قائدها… أن تصل إلى لحظة يصبح أكثر ما يشغلها: من يجلس على الكرسي التالي؟
وربما…
هذا هو السؤال الحقيقي الذي دخل القاعة قبل الجميع.
ليس: هل ينجح ياسر عباس؟
بل:
هل ما زالت فتح تتذكر لماذا وُلدت أصلًا…
أم أن الثورة، مثل كثير من الثورات المتعبة، بدأت تنظر إلى صورتها القديمة…
أكثر مما تنظر إلى الطريق؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11/5/2026