تابع
-5-
المقهى كفضاء سيكودرامي وملتقى للثورة في حب عتيق
عندنا أشهر رواية عربية تناولت المقهى وهي رواية الكرنك للعظيم نجيب محفوظ وزاد من شهرتها الرؤية السينمائية التي قدمها علي بدرخان الذي قال بتواضع أن العبقرية كانت للنص الروائي وذلك خلال مقابلة أجريتها معه 2019، وقد دارت أحداثها في مقهى الكرنك حيث يجتمع أبطال الرواية وهم مجموعة من رواد المقهى الدائمين . وهذا التشابه مع رواية "حب عتيق" لعلي لفتة سعيد([ () علي لفتة سعيد : حب عتيق . الهيئة المصرية العامة للكتاب . القاهرة . 2019.]) موضع آخر للمناقشة غير هذا .
في المقهى يجلس عبيس وستار ونعيم ومحمود ونعمان وسعد مكونين مجموعة الرواد الأساسيين للمقهى والتي ستدور جلساتهم لتحقيق العلاج النفسي والتمهيد للثورة ، وهنا كان لكل واحد منهم قصته ومأساته في حبه العتيق ، وقد حكاها لنا وتعرفنا على تفاصيلها بدقة بجلسات السيكودراما داخل المقهي حيث الفضاء والأرض والديكور وحركة الممثلين القائمين بالأدوار والمخرج وهو الرواي أو – المؤلف - علي لفتة سعيد، والسيكودرما فنية علاجية جماعية لها جذور عربية قديمة أيام الدولة العباسية ، ولها جذور مصرية فرعونية أيضا والسيكودراما كأداة تلقائية / إسقاطية فريدة، مكافئة للتداعي الطليق، لا في يد المشتغل بالتحليل النفسي على إختلاف تياراته فحسب، بل لكل معالج نفسي وطبيب نفسي وهي تقوم على التلقائية أي دون وجود نص سابق على الموقف التمثيلي وهذا ما قامت به مجموعة الأعضاء في هذه الرواية في ص 142: الظهيرة في المقهى ساكنة في مثل هذه الأوقات ، لكنها على غير العادة تعجّ بالروّاد كأن يوم الجمعة تناسل في الحياة وأضحى الفراغ متسيّدًا، فيلتهي الناس بلعب الدومينو والطاولي الذي عرف محمود اسمه باللغة النرد، حتى لو كان من أجل من يدفع حساب استكانات الشاي فلا يحسبون الأمر قمارًا. نهض الثلاثة من مكانهم ليجلسوا في عمق المقهى أمام الفتحة المطلّة على الساحة، كان العامل إبراهيم قد رشّ الأرضية ليأتي الهواء منعشًا بعض الشيء، وتتصاعد الرطوبة التي تعطي الريح الهابّة الخفيفة إنعاشًا جيدًا للجالسين بين أركان المقهى. سمعوا لغطًا يبديه الروّاد بين حديثٍ وضربات قطع الدومينو والمشاركين في التفرّج، وكلّ يتحدّث فيكون اللغط علامة من علامات اللامفهوم في الكلام، والذي يعبّر عن حنق الإنسان من واقعه، فلا يجيد الإصغاء، حتى لكأن المقهى يشبه حمّام نسوان مثلما قالها نعيّم مع دخوله ليستجدي، دائرًا بين الأرائك فلا يحصل على شيء، وقد ملّ الناس منه ومن طريقته في الاستجداء.
فالمقهى ملتقى قد يكون لتزجية وقت الفراغ أو لقضاء مصلحة ما، لكنه المكان، حيث الفراغ ولذا كان المقهى كفضاء سيكودرامي يصلح للعلاج النفسي بوجه عام لكل الناس في رواية "حب عتيق" لعلي لفتة سعيد وملتقى ثقافي يمهد للثورة العراقية في ص 132: ما أن قرعت ساعة الصباح من يوم الجمعة حتى التقى الناس مع بعضهم في المقاهي، لا أريكةً فارغةً وأغلب الروّاد يلعبون الدومينو أو الطاولي فيما راح بعضهم يلعب الورق وأشهر لعبة فيها ( الكونكان ). من يمرّ من أمام أيّ مقهى يسمع اللّغط والعناد والعتب والصراخ في بعض الأحيان بين اللاعبين. تبدأ مجموعات متراهنة للعب، لا لعبة بلا مراهنةٍ لدى البعض من الروّاد الذين أصبحوا معروفين في المدينة، ويشير لهم نعمان بأصابع الاتّهام، كونهم غير مسؤولين عن احترام الذات. يزعم نضاله من أجل حرية الفرد أمام أيّ شيءٍ يريده، ويقتنع به ما دام لا يؤذي الآخرين، لكن القمار كما سمعه محمود يؤذي اللاعب والعائلة. كانت الفلوس بعد انتهاء أيّة جولةٍ من الألعاب الثلاثة تنتقل من تحت طاولة اللاعبين أنفسهم فيصيح الرابح منتشيًا على صاحب المقهى:
-( هات شايات حامضْ حَليبْ ).
فقد جاء زمان برزت فيه قلة من المقاهي حيث كانت تعج بحياة أدبية ونقدية بل ومعارضة سياسية وتمهيد حقيقي لفعل التغيير في ص 185 : لكنه أبقى عينه على يسار الطريق حيث مقهى أبي كاظم وحلقة نديم الحدّاد وجعفر العايد وعبد شمخي وهم ينسقّون أمورهم في كيفية التحرّك لمواجهة تنامي أفكار الحزب الشيوعي، مثلما يبتكرون طرق التخلّص من مطاردة الشرطة. فعملهم صار مفضوحًا وصوتهم ارتفع في إسقاط الحكم الملكي، وصاروا يشاركوا في تظاهرات ضد نوري السعيد وشعارتهم تداخلت معها الأحكام الاسلامية والآيات القرآنية.
ومثلما كان عندنا في مصر مقهى المسيرى بمدينة دمنهور قرب الإسكندرية، حيث تعقد اللقاءات لقراءة الأعمال القصصية والأشعار وما إليها، ومن عباءتها خرج العديد من كتاب القصة والشعراء، بل وفناني المسرح. وقد واكبت ظهورها وربما سبقتها "قهوة عبد الله بميدان الجيزة،. وهناك تجربة معاصرة في نهاية الستينات بمقهى "المختلط" بميدان العتبة (وهي على بعد خطوات من مقر المسرح القومي – مسرح حديقة الأزبكية الذي أسسه جوق أولاد عكاشة)، وكانت تجاورها – وأمام المسرح مباشرة – مقهى "متاتيا" التي كانت ملتقى لفناني المسرح ورواده وكبار الأدباء والفنانين منذ مطلع القرن 20 حيث قدم جزء من فضائها مسرحية "الخطاب" التي كتبها ناجي جورج ومثلها عبد الرحمن أبو زهرة، فقد كانت المقهى تغص بجمهور المشاهدين، وهناك مقهى "أسترا"، واشتهر فيها عبد الرحمن عرنوس ومن هذه المقاهي خرج اللحن الجنائزي الشهير صبيحة وفاة عبد الناصر "الوداع ... ياحبيب الملايين ... الوداع" يظهر في الرواية مقاهي أبي كاظم ومقهى عواد 211: والمقهى يعد واحدًا من المقاهي الكبيرة التي تقع على شارع البصرة حيث يمرّ من أمامه أغلب سكان المدينة. كان يقلب الأرائك ويغلق النوافذ بعد بدء صوت أذان الظهر من جامع الإسماعيلية الكبير، ويترك بابًا واحدًا. فيما يرى الناس ذات الوجوه في الداخل. أخبرهم بخطورة الوضع وأسئلة الناس ومعرفتهم بما يعقد من اجتماعات في الظهيرة التموزية. قرّروا ألّا يطول الاجتماع أكثر من ساعةٍ لاستلام التبليغات والتعليمات ومن ثم بالإمكان توصيل التبليغات كلّ في منطقته من قبل الأعضاء، حتى لا يبدو الأمر وكأن تنظيمًا حزبيًا يعصي أوامر الحكومة بعدم عقد الاجتماعات أو التجمعات سواء منها الحزبية أو غيرها.، و في مقهى عواد كان الزمن شبه متوقّفٍ على هيكليةٍ واحدةٍ. عواد يصغي بانتباهٍ الى أسئلة الناس وأجوبتهم وحواراتهم، فيجد في أغلبها ما يعين على جمع أفكارٍ وملاحظاتٍ وردود أفعالٍ وترقّب لما يأتي به التغيير إن كان سيكون مهمًّا، خازنًا في مفكّرته عدم إدراك الغالبية لما سيحصل بشكلٍ كاملٍ، وهو أمرٌ طبيعي ينتاب حتى المنظمّين الى الحزب والذين تأتيهم التعليمات لا يعرفون شيئًا مؤكّدًا، غير تلك الأخبار التي تشير الى وضع بغداد في غاية الخطورة منذ أن تمّ تغيير رئيس الوزراء الجديد، وربما عدّوه بدايةً لتغييراتٍ قد تحصل في البلاد وتقف وراءها دول كبرى.
. وفي ص 180 يعرض المؤلف لمقهى ابي كاظم : كان تفكير نعمان متوجّهًا الى مقهى أبي كاظم المطلّة على النهر، حيث يجتمع البعض لتنوير الناس بأحقيّة الفقراء. فيما كان هو ومجموعة أخرى يجلسون في مقهى عواد السيّد يتحدّثون عن ذات الأمر، وما يقلقه تنامي تلك المجموعة واتّساع شعبيتها رغم مطاردة الشرطة لهم في الآونة الأخيرة. المقاهي في المدينة صارت مكانًا للتجاذب الحزبي، وهو ما أرّق بعض الباحثين عن الهدوء والعيش بلا سياسة، مع تصاعد ظاهرة الحراك الحزبي، فهم يرون إن كلّ التحرّكات لا نفع منها، فتجارب العالم تفضي الى هكذا نتائج، وهو ما قاله رسول في إحدى النقاشات من أن الثورات جميعها تفشل، لأن الصراع على السلطة يكون مثل الذئاب، وذكّرهم بالمقولة التي تقول إن الثورات تأكل ابناءها. ولذا نبّه سعد من مثل هكذا أفكار تجعل الناس تنكمش ولا تتحرّك، ذاكرًا لهم إن الكثير من الأحزاب انبثقت من هذه المدن، وتأسّست ثم تحوّلت في تاريخها الى مدنٍ أخرى وشخصيات أخرى، كاشفًا من أن حزب البعث تأسّس في جنوب المدينة وهو الأمر الذي وسّع مريديه الى كلّ مدن الوسط والجنوب، مثلما كانت قبله أحزاب الاستقلال والأحرار والشعب والإصلاح وغيرها. وقد أسرى لهم بما سمعه اليوم أثناء تبضّعه الصباحي إن هذه الأحزاب تبحث عن السلطة وليس همّهم التغيير نحو الأحسن. وعلّمهم التاريخ أن أيّة جماعةٍ تؤسّس حزبًا تبحث عن كبش الفداء ليضحّي بدلًا عنهم ولا يتحمّلون هم سوى السجون.
سعد يضحك وهو ينقل ما دار من هذا حوار بينه وبين صاحب الرأي في الصباح، ومنها قوله الذي أطلقه بطريقة المزاح:
-( يا ناس نريد نعيش ).
ولم يكن الأمر يخلوا من مخاطرة الإقناع بضرورة الاهتمام بالسياسة، وعدم القبول بما تفعله الحكومة وإن هذا خنوعًا، كان يردّ:
-(عشْنا وشفْنا وراح نشوف.. نحن وأولادنا وأحفادنا، والوضع هوَ هو ).
وهناك مقهى غضبان الذي دار فيه المشهد التالي ص 214الذي ينكشف فيه التغيير والعلاج النفسي الذي تحقق لبعض أبطال الرواية : كان نعمان لحظتها متّجهًا نحو مقهى غضبان للقاء صاحبيه سعد ومحمود، حيث وعدهم بتكملة الحكاية التي يريد نفثها ويرتاح، وربما يحوّلها الى قصّةٍ يربطها مع قصة هذا النضال في كتابٍ مستقلٍّ وضع له عنوانًا مؤقّتًا (رحلة العمر).حين سقط نظره على نعيّم وراح يتابعه باندهاشٍ وهو يمشي باستقامةٍ تثير الاستغراب. لم يكلّمه أوّل الأمر، ولم يكلّم عبيّس حينها حتى يتأكّد مما يراه بشكلٍ قطعيٍّ، حتى لكأن ما حصل في المقهى حين اقتحموه لم يكن كافيًا لمعرفة هذا التغيّر في تصرفات الثلاثة بشكلٍ عام ونعيّم بشكلٍ خاص. يتذكّر نعمان وفق مفهومه العلمي واطلاعه إن التغيّر أو التغيير يأتي بمعية حصول شيءٍ مفاجئ ليغيّر تركيبة العقل أو ما حصل له في سلوكٍ سابق، منها ما هو ثقافي ومنها ما يتّصل بتقدّم العمر أو حصول علاجٍ بمساعدة معالجٍ ليؤثّر على سلوكه. ولذا تساءل مع صاحبيه إن كان قد حصل شيءٌ لنعيّم داخل السجن أو لعبيّس فقد تغيّرت نبرتا صوتيهما وصارا أكثر هدوءًا، بينما ظلّ ستار على حاله فهو بطبيعته هادئًا خائفًا من كلّ شيء. فراح سعد يحلّل الأمر ويعتقد بحصول التغيير في السجن، لان نعيّم لم يكن وليد فقرٍ أو تربية أبناء الشوارع أو القاع الذي يفرّخ مثل هكذا أناسٍ يكونون أما متسوّلين أو يعملون في أماكن لا تحتاج الى أسوياء. كان محمود ينصت بشدّةٍ لهذه المعلومات التي يطلقها الاثنان عن شخصية نعيّم التي يزيدها سعد في تحليله بحصول ارتطامٍ بين واقعه الحالي وماضيه، وبين تصرّفاته المريضة، وما يريده من انعتاق يخلصه من هذه التصرفات، والواقع برمّته وربما تم ضربه على رأسه أو تعرض لتعذيبٍ ثم تهديدٍه بعدم البوح بما جرى له داخل السجن مقابل إطلاق السراح، ليؤكّد إن هذه أساليب السجون وحكومات العالم الثالث التي لا تحترم الإنسان
فلا غرابة في أن نعتبر أن الفضاء بذاته جزء من مكونات العمل الفني، الأمر الذي يوضحه دور عملية الإدراك الاجتماعي للفن حيث المناسبة والمكان (الفضاء) لهما اليد المعلاة للدلالة علي الفن في رباط وثيق لا يمكن فصمه، فإحدي الفرق التجريبية التي قامت بتقديم مشاهد درامية في المطاعم، وذلك عندمل تظاهر الممثلون بأنهم من مرتادي هذا المطعم أو ذاك، وتقوم بين زوجين منهم – على سبيل المثال - مشاجرة، وكان الهدف من ذلك كله دراسة تأثير العلاقة ما بين المكان والحدث، وهو ما يقدم مثالاً آخر لمشهد منودرامي لواحد من الممثلين المهمشين في "مسرح مترو الأنفاق" بلندن، والذي يلعب دور أحد المسافرين، وينقسم المشاهدون هنا إلى مجموعتين، تلكم الجماعة التي أتت لتشاهد العرض بشكل قصدي، وأولئك المسافرون الذين فاجأهم العرض ولم يكن هدفهم أن يشاهدوا من قبل. وهناك عروض تمت "في حلبة أو في سوق للجمال أو نواصي الشوارع أو مراكز التجمع أو المتاحف أو حتي حديقة للحيوان .....".
وهذا مشهد سيكودرامي يكشف عن التلقائية حيث الحضور للمقهى وليس في الذهب أفكار مسبقة ص 104 : جلس محمود بجوار سعد على الأريكة في مقهى عواد السيد، ووجههما باتجاه شارع البصرة يتطلّعان الى شيءٍ ما، يتقاسمان الصمت ريثما يأتي نعمان ومن معه حيث ستنبثق من الجلسة فكرةٌ ما. لم يتوقّف محمود عن التفكير منذ إبلاغه بالموعد قبل ليلة. قال له سيكون لنا رأيٌ في جلسةٍ نعقدها ظهرًا في هذا المقهى تحديدًا، وقد انقضت ساعة ولم يأت نعمان ولا شيء في الرأسين سوى تضارب الأفكار. كلّ الى مسعاه في الهذيان.
ومثال آخر حين يتحقق التفريغ الانفعالي في ص 83 : في الظهيرة يعود عْبيّس وستار ليلتقيا أمام مقهى أبي كاظم فيلحقهما نعيّم حيث تكون حركة السوق راكدةً مع بدء صلاة الظهر. فتبدأ رهانات الثلاثة في الحديث عن بعض المصلّين وهم يشيرون بضحكٍ كبيرٍ لفلان المرابي، والآخر شارب الخمر ليلًا وذاك ناكح العاهرات ويصلّي مثل إمام جامعٍ، وذاك مختلسٍ وآخر ضرب أمه. ينتقدون من يتحدّث عنهم على إنهم كفرة لشربهم الخمر. مرّة ردّ ستار على أحد منتقديهم ونادرًا ما يردّ، لكنه وجد في كلام المنتقد إساءة لإيمانهم:
-( أنا أكثر إيمانًا منّك لأن ما أسرق ولا أبوگ..وانْتَ تْصلّي وتْصوم وعينكْ على نسْوان الجيران وتْكذّب.. خلّيني أشوف* الله من اللي راح يدخله بالنار أنا المسكين أم أنْت الكذّاب ؟).
ضحك عْبيّس حينها وطلب منه ألّا يتحدّث عن الأيمان أمامهم، لأن الجميع مفضوحون، وعليه اللّحاق بالصلاة بإمامة السيد يوسف. سمعهم جاجو الذي قال من داخل محله:
-( ظلّوا أضحكوا على العالم بعبادتكم.. ولكن اعرفوا أن الله ما ينضحك عليه).
أراد محمود ممازحة جاجو فسأله أين يصلّي؟ فأجابه بجملةٍ لم يتوقّع أن يسمعها:
-( مثل ما تصّلون بجوامعكم نحن نصلّي بكنيسْنَا.. طرق العبادة تختلف ).
وبعد تحقق الشفاء كانت المقهى مصدر متابعة الشفاء والدعم النفسي من خلال العمل النافع والمفيد والمؤدي للتغيير او الثورة ص 223 : استفسر ستار وهو يمسك عبيّس من عضلة يده اليسرى إذا ما كان بالإمكان العمل ليكون لهم صوتٌ داخل الاجتماعات في المقاهي؟ فعصبتهم لا تكفي. فأعجبت نعيّم الفكرة وزاد عليها بتوزيع المهام، عبيّس مع اجتماعات مقهى عواد وستار مع اجتماعات مقهى أبي كاظم. وسأله ستار:
-( وِأنت أين يا فهيم العصر راح تكون في هذه المعادلة؟ ).
ولابد من الاستعداد للتغير وكان القرار داخل مقهى غضبان وفي جلسة سيكودراما من ممثل واحد هو نعيم ص 247 : وجد نفسه يعود أدراجه الى مقهى غضبان لينام على إحدى الأرائك، يلفّ ذراعه خلف رأسه لجعلها وسادةً تجعله يصفن في وجه السماء ليحسب النجوم. متذكّرًا تلك الليالي التي كان فيها يكلّم بدرية. رأى نفسه أصغر من الاحترام وكذلك رأى في العمر بقيّةً من توازنٍ هشٍّ، وثمة شيءٌ يحتاجه لكي يحصل التغيير بسلام. قال مع نفسه إن هناك أمرًا سيحصل وعليه التهيّؤ ليكون جزءًا منه، حينها يكون تغييره مقبولًا.
لم يشأ التفكير أكثر فقد أتعبته الأسئلة القافزة في رأسه، وحالته لن تهديه إجاباتٍ مقنعة.
وقف أمام الحائط تبوّل طويلًا ثم عاد الى الأريكة.
-السلام عليكم.
ردّ عليه ضابط المفرزة:
-وعليك السلام.
-أنا منتظر صحفي ولدي لقاء ومقابلة مع السيّد، وأريد ترك سيارتي هنا.
كان منتظر يقدم هويته الصحفية إلى الضابط ذي الرتبة الصغيرة الذي التفت إلى سلام هو الآخر:
-هل أنت صحفي أيضا؟
أراد سلام ممازحة الضابط فرد وابتسامة ساخرة تعلو وجهه:
-وما قولك أنت ..أليس في ملامحي ما يدل على إني صحفي؟.
لم يضحك الضابط وكأنه مجبر على التواجد هنا.
-أرجوك أخي نحن هنا نعمل لحمايتكم .
أطلق تأففاً..ثم قال بهمس سمعه سلام:
-لو أن كل رجل دينٍ أو مرجعيةٍ أو حزبٍ ينظم احتفالاً أو تجمعاً فلن نشهد الراحة أبداً.(ص 14).
وهذا شكل من أشكال الحوار السينمائي لنجد من خلاله تفاصل الصورة والحركة والمؤثرات المختلفة أيضا :
" لكن أحد شيوخ الدين وهو قصير القامة تطير عباءته المائلة إلى الاصفرار خلفه، ويطير التراب من حركة حذائه الخاص برجال الدين المغلق من الأمام والمفتوح من خلفه بما يشبه النعال..سألهما:
- (إنْتمْ صحفيين)؟
رد عليه منتظر:
-نعم.
-هل جئتما للحصول على البركة والمبايعة أم لشيء آخر؟
لم يبدأ بعد الإندهاش الكبير..وسلام يفكر بما يجري أمامه من هذه الأمور التي لم يدركها،ويتحدث عنها..خائفاً من مخاطرٍ تزداد كلما تحولت الأشياء من حالتها الطبيعية إلى شيءٍ مقدسٍ وحتمي،تصل إلى حد التضحية بالنفس.
قال منتظر.عفوا شيخنا أنا أنتظر مجيء المصور وأطلب المساعدة في إجراء حوار أو مؤتمر صحفي لنبكر بإرسال التقارير إلى مؤسساتنا (ص 15 -16). هذه هو مشهد الختام السينمائي / الروائي تظهر فيه ملامح السرد السينمائي كاملة الشخوص والحركة والألوان والتعبيرات الوجهية مثل الخوف والهلع والترقب والمكان والأريكة وضيق المساحة والسؤال الأخير أين اختفى سلام؟ ليصبح سلام رمزا على اختفاء السلام في العراق :
"إلتفت المحافظ..رأى عينيه المتورمتين الحمراوين..كأن هرجاً ومرجاً تصارعا طوال الليل فأحال تجاعيد وجهه المعجونة بنعومة المسؤولية الى رجلٍ منهك..بانت لحيته التي لم يحلقها كما هي عادته يومياً..شاهد حزناً شديداً في عيني المحافظ..قال:
-لا أرى إلا خبراً حزيناً.
-بل قل كارثياً أيها الصحفي الهمام.
لم يرد عليه..لكن المحافظ واصل الحديث.
-أريدك أن تذهب الى المشرحة..وعليك تقع مسؤولية إبلاغ عائلتيهما..
سقط منتظر على الأريكة..لكن المحافظ لم يبال.
-مثلما نشرت خبر الإختفاء عليك نشر خبر العثور على جثتين واختفاء ثالثة.
لم يعد المكان يتسع للإثنين..ثمة صورٌ مرعبةٌ تمر برأس منتظر، وهو يحاول الثبات على الأرض..متشبثاً ببقايا قوةٍ كي لا يسقط..مرتقياً حالةً من الهلع والخوف..ليست المشكلة بالنسبة له، إخبار العائلتين وليس نشر الخبر، فمثل هذه الأخبار تنتظرها الوكالات والفضائيات العالمية والعربية وحتى العراقية..لكن المشكلة..هي أين اختفى سلام؟. (ص 341).
-6-
حدث يشبه الصاعقة
السرد السينمائي في مثلث الموت
مثلث الموت لـ على لفتة سعيد رواية تحكي أحداثها مغامرة أربعة صحفيين وهم منتظر وسلام وأحمد وخضير؛ الذين ركبوا مغامرة البحث عن الخبر من مصدره؛ في ظروف سياسية خطيرة ومعقدة في العراق حيث القتل على الهُوية؛ بأوامر من رجال الدين الذين يفسرون الدين على هواهم ورجال السياسة الذين يصنعون الأحداث لمصالحهم الذاتية لنستخلص الحكمة الأخيرة وهي "لا تثق برجل الدين ولا السياسة" فالسارد يقول عن منتظر:" ولا يريد أن يكون كبش فداءٍ لانتقاده الحكومة بعدم حماية أرواح الناس من الخطف والقتل، في الطريق الذي شهد خلال سنوات ماضية عمليات قتل على الهوية ما لم تشهده الطرق الأخرى في العراق.(ص 337). والرواية في شكلها الأولي أكثر تعقيدا من حيث تركيبها الهيكلي، وهي تتعامل مع التجارب البشرية لرجل الدين والسياسة والإعلام من خلال سلسلة من الأحداث يقدمها عدد من الأشخاص في زمان ومكان معين، ولا يقف الحد على أن أحداثها متشعبة وكثيرة إلا أنها تقدم مواضيع عدة تعكس أنواعها والرواية مليئة بالحالة العاطفية، والدينية والتاريخية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية،... الخ، وبالرغم من واقعيتها على أحداث قد تكون تمت في العراق إلا أنها بطبيعتها وموضوعاتها قد تكون تنتمي كفن قومي للمنطقة العربية كلها، بمعني أنها من أبرز التعبيرات الفنية عن نضج الإحساس بالشخصية القومية العربية المتميزة. ولكن بالرغم من تلك الواقعية – في الزمان والمكان والشخوص والقضايا – وهذا ما قد اهتم به كثير من النقاد فتولوا تحليل الرواية في تلك الأبعاد ، بيد أن ما لفتنا في الشكل الفني للرواية هي اعتمادها على طريقة السرد السينمائي (السيناريو)، وما أحسب أن المؤلف قد حدد ذلك عن قصد فتجربة الإبداع في بعدها اللاشعوري منبثقة في جانب كبير منها من اللاشعور ومن الإلهام هذا بالطبع إلى جانب التخطيط والدقة والتنظيم ...إلخ .
السرد السينمائي:
تختلف التعريفات والمداخل التي تتناول لفظة ( السرد ) التي تمثِّل المحور الأساسي الذي تقوم عليه الأعمال الأدبية والفنية عموما .. وتحاول أن تصنع لها تعريفا محددا ودقيقا .. فمن الكتاب من يذهب إلى أن السرد عبارة عن ( الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يتعهد بالإخبار عن واقعة أو سلسلة من الوقائع ) أو أنه ( مجموع الوقائع والأحداث التي تُرتَّب في نظام أو توال سلسلة من المشاهد ) .. وكيف أن لفظة السرد ليس من الممكن أن تشمل غير المكتوب او المنطوق لفظيا كأن نُطلق على المَشاهد المصورة ( سرد ) فهو أمر خاطئ في نظر عديد من الكتاب الذين اعتنوا بنظريات السرد واصطلاحاتها .. فكلهذه تعريفات – أو لنقل محاولات – تحاول حصر المعنى الدقيق للفظة السرد في الأعمال الفنية ..
والسرد السينمائي هو مرادف لمعنى السرد في الفن .. فهو البناء الذي تصب فيه "وحدة الموضوع" أو "حبكة القصة" .. ومجموعة الإشارات التي تُترجِم الحركة المُتخيَّـلة إلى مجموعة من المَشاهد المكتوبة على صفحات السيناريو .. ففي النص الروائي – كما يثبت الكاتب السينمائي طاهر عبد مسلم – يكون التعبير الظاهري عن الأحداث والشخصيات قائما على مبدأين هما : ( المقروء ، المتخيل ) .. بمعنى أنه يعتمد على القراءة أولا لفهم المضمون ومن ثم التخيل لوضع الصورة الشكلية لهذا المضمون .. أما في النص السينمائي فإن ترجمة التعبير تكون ظاهرة في ركائز ثلاثة هي ( المرئي ، المسموع ، المتحرك ) .. بمعنى أن يكون التعبير عن الحدث ظاهرا في توفير الدلالة البصرية ( الصورة بكل أشكالها ) والسمعية ( الحوارات والمؤثرات الصوتية .. ) والحركية ( تفاعل الصورة مع المضمون والذي ينتج عنه شفرات ومدلولات المَشاهد والأحداث ) .. وهذا التطور الذي صاحب عملية كتابة السيناريو السينمائي وفصله عن عملية الإخراج وجعله مستقلا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به قد مر بمراحل عديدة .. حيث استمر النص السينمائي لفترة طويلة كمجموعة ورقات لا تـُكتب إلاَّ لإثبات خطوات الفيلم وأحداثه وحبكته القصصية حيث كان يخضع لمعايير الإخراج التي تعتمد على توفير الجمالية التصويرية .. هذا الأمر الذي بدأ – تحديدا – منذ السينمائي الكبير ديفيد غريفيث الذي ابتكر أساسيات اللغة السينمائية باعتماده على رواية القصص عبر ترتيب اللقطات والمَشاهد بلغتها التصويرية بدلا من الكلمات .. واستمر على ذلك رائد فن الجمال السينمائي الروسي آيزنستاين الذي كان ( ينظر الى السينما ليس كفـن درامي وإنما كفـن ملحمـي .. من حيث البناء الفني .. ومن هنا فانه كان ينظر للفيلم السينمائي ككل متجانس .. وبالتالي فانه كان يسعى للابتعاد بالفيلم السينمائي من ساحة "الأدب" وأشكاله الفنية .. واثقا بغنى " اللغة السينمائية" ) التي تخلق جمالية الصورة .. إلا أن النقاد والكتاب والسينمائيين الذين أتوا من بعده بدؤوا يدركون أهمية السيناريو السينمائي وأهمية تفرده بأساليبه السردية التي يجب أن تكون ظاهرة في بناء الفيلم .. إلى أن دخل الصوت في السينما فجعل السيناريو ركنا أساسيا لا يقبل الجدل .. حيث تفرد حينها بخصوصيته التي أصبح يقوم على أساسها الفيلم السينمائي ورغم ذلك التوافق – الضمني – بين النص الأدبي والسينمائي في تعريف السرد .. إلا أن عملية السرد في النص السينمائي تتميز على النص الروائي بالمساحات الشاسعة التي يمنحها النص السينمائي بجمعه لجميع الفنون الإنسانية ونقله لها من أُطُرها المعرفية التعبيرية الخاصةبها إلى كونها أدوات وعناصر تساهم في تكوين اللغة السينمائية .. بمعنى أنه صقلها وأعطاها شكلا سينمائيا ذا خصوصية .. مما منح عملية السرد مساحة حرة كافية لتشكيل كيفيتها وأشكالها بما يكفل لها الخروج بصيغة نهائية متكاملة .. ويثبت الفيلسوف اليوناني أرسطو ان الفن ليس إلا فعلا من أفعال المحاكاة .. حيث يحاكي الطبيعة والواقع الحدثي والإنساني وأوجه الحياة المختلفة .. وهذه المحاكاة – كما يثبت الناقد والمنظر الشهير أندريه بازان – تقف في السينما بين مطلبين رئيسيين :
الأول : تحويل المظاهر الاعتيادية في الحياة إلى مجموعة من الإشارات الجمالية التي تخلق منها قيمة شاعرية عبر رصف المميزات السينمائية كالتصوير والمونتاج والديكورات والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الصورة لغة تعبيرية طاغية
ملامح السيناريو:
تتجاوز الرواية عدد الكلمات 61431 وتقع في 341 صفحة وتضم 44 فصلا ، وكل فصل مقسم على الاقل على ثلاثة أو أربعة مشاهد لنكون أمام 160 مشهد كحد أدني ، وهذا الشكل الفني من التقطيع والمشاهد يصل بنا إلى أننا امام سيناريو فيلم سينمائي بلا شك.
وأما عن التصوير الفني لتلك المشاهد فيكفي أن نضع بعض المشاهد لتعذر ذكر الكثير منها لنرى كيف وصف المؤلف المشهد ليس كجزء من عمل أدبي روائي ولكن كسيناريوا وحوار بل وديكور وحركة ممثلين وموسيقى ..الخ من بقية أدوات السرد السينمائي .
ففي البداية مشهد أولى يقول المؤلف :" شمول: الوثيقة التي عثر عليها في دائرة الاستخبارات،كانت قد شكلّت ما يشبه الصاعقة التي أربكت كل الثوابت وجعلت الفوضى في الأفكار تدب في هيجان غير محمود..الوثيقة المكونة من خمس صفحاتٍ هي جزءٌ من ملفٍ مبعثرٍ كان قد حمله لأنه وجد فيه أسماء وعناوين وتقارير موجعة.. قال في حينها لعله يفيد في يوم ما حين يتعرف على من وردت أسماؤهم فيها) (ص 7). وبقية المشهد موجودة في متن الرواية لنرى فيه المكان والموسيقى والمؤثرات الصوتية ..الخ.
وهذه بداية مشهد اخر :" كانت الحديقة الطولية في نقابة المعلّمين التي تقع وسط المدينة قد امتلأت بالحاضرين..خليط من أدباء ومثقفين ومسؤولين سابقين وصحفيين ) (ص 9).
وهذا مشهد معبر عن حركة ومشاعر نفسية وتناقضات وجدانية :
" كان عليه أن يصلّي فجراً هذه المرة..شاكراً وحامداً ربه لأنه استجاب لدعائه وأنقذه من قتلٍ محقق..ورغم غمزات المسلحين من أنه توضأ ليصلى الفجر ربما لأول مرة في حياته.. وأنه لجأ الى الله حين كان في ضيق، إلّا أنه تركهم يصطفون في الباحة الأمامية يؤمهم أبو عبد الله فيما راح هو يصلي وحده في الغرفة، سابلاً يديه، رافعاً راحتيه المفتوحتين في نهاية الصلاة ليرتل الشكر..كان قبلها خائفاً ألّا يقبلون بصلاته ويعدونها مخالفة لهم وللدين فكان أسرع منهم ..مانحاً نفسه دقائق معدودة ليتحرك بحرية لم يعهدها منذ أكثر من 20 ساعة . (ص 323)
وها هو حوار مبكر لنجد الرواية في طولها وعرضها مليئة بالحوارات كأحد أدوات السرد السنمائي :
"كان سلام يرقب بعينٍ مفتوحةٍ وأخرى متفحصة كلّ هذه الجموع التي يراها..إلتفت إلى زميله منتظر الذي سبق له أن جاء إلى هنا، وهو يحاول إيجاد مكانٍ لترك سيارته،دون التعرض إلى الممنوع ويتم سحبها ومصادرتها من قبل الشرطة الراجلة أو سيارات النجدة أو رجال الحمايات المنتشرين في كل مكان.
قال منتظر :
-من الأفضل أن نضعها قرب سيارة النجدة.
اقترب من رجال الشرطة الجالسين بداخلها :
-السلام عليكم.
ردّ عليه ضابط المفرزة:
-وعليك السلام.
-أنا منتظر صحفي ولدي لقاء ومقابلة مع السيّد، وأريد ترك سيارتي هنا.
كان منتظر يقدم هويته الصحفية إلى الضابط ذي الرتبة الصغيرة الذي التفت إلى سلام هو الآخر:
-هل أنت صحفي أيضا؟
أراد سلام ممازحة الضابط فرد وابتسامة ساخرة تعلو وجهه:
-وما قولك أنت ..أليس في ملامحي ما يدل على إني صحفي؟.
لم يضحك الضابط وكأنه مجبر على التواجد هنا.
-أرجوك أخي نحن هنا نعمل لحمايتكم .
أطلق تأففاً..ثم قال بهمس سمعه سلام:
-لو أن كل رجل دينٍ أو مرجعيةٍ أو حزبٍ ينظم احتفالاً أو تجمعاً فلن نشهد الراحة أبداً.(ص 14).
وهذا شكل من أشكال الحوار السينمائي لنجد من خلاله تفاصل الصورة والحركة والمؤثرات المختلفة أيضا :
" لكن أحد شيوخ الدين وهو قصير القامة تطير عباءته المائلة إلى الاصفرار خلفه، ويطير التراب من حركة حذائه الخاص برجال الدين المغلق من الأمام والمفتوح من خلفه بما يشبه النعال..سألهما:
- (إنْتمْ صحفيين)؟
رد عليه منتظر:
-نعم.
-هل جئتما للحصول على البركة والمبايعة أم لشيء آخر؟
لم يبدأ بعد الإندهاش الكبير..وسلام يفكر بما يجري أمامه من هذه الأمور التي لم يدركها،ويتحدث عنها..خائفاً من مخاطرٍ تزداد كلما تحولت الأشياء من حالتها الطبيعية إلى شيءٍ مقدسٍ وحتمي،تصل إلى حد التضحية بالنفس.
قال منتظر.
عفوا شيخنا أنا أنتظر مجيء المصور وأطلب المساعدة في إجراء حوار أو مؤتمر صحفي لنبكر بإرسال التقارير إلى مؤسساتنا (ص 15 -16).
وهذه هو مشهد الختام السينمائي / الروائي تظهر فيه ملامح السرد السينمائي كاملة الشخوص والحركة والألوان والتعبيرات الوجهية مثل الخوف والهلع والترقب والمكان والأريكة وضيق المساحة والسؤال الأخير أين اختفى سلام؟ ليصبح سلام رمزا على اختفاء السلام في العراق :
"إلتفت المحافظ..رأى عينيه المتورمتين الحمراوين..كأن هرجاً ومرجاً تصارعا طوال الليل فأحال تجاعيد وجهه المعجونة بنعومة المسؤولية الى رجلٍ منهك..بانت لحيته التي لم يحلقها كما هي عادته يومياً..شاهد حزناً شديداً في عيني المحافظ..قال:
-لا أرى إلا خبراً حزيناً.
-بل قل كارثياً أيها الصحفي الهمام.
لم يرد عليه..لكن المحافظ واصل الحديث.
-أريدك أن تذهب الى المشرحة..وعليك تقع مسؤولية إبلاغ عائلتيهما..
سقط منتظر على الأريكة..لكن المحافظ لم يبال.
-مثلما نشرت خبر الإختفاء عليك نشر خبر العثور على جثتين واختفاء ثالثة.
لم يعد المكان يتسع للإثنين..ثمة صورٌ مرعبةٌ تمر برأس منتظر، وهو يحاول الثبات على الأرض..متشبثاً ببقايا قوةٍ كي لا يسقط..مرتقياً حالةً من الهلع والخوف..ليست المشكلة بالنسبة له، إخبار العائلتين وليس نشر الخبر، فمثل هذه الأخبار تنتظرها الوكالات والفضائيات العالمية والعربية وحتى العراقية..لكن المشكلة..هي أين اختفى سلام؟. (ص 341).
-7-
النسق الأوديبي في السقشخي
النسق الأوديبي في الكتابة الروائية أو الشعرية قصد به استلهام ملامح الأسطورة اليونانية "أوديب ملكا" واستدماجها داخل النص الأدبي تعد أسطورة (الملك أوديب) للمسرحي الإغريقي سوفوكليس تحفة فريدة في الأدب العالمي،وربما تكون أهم مسرحية وصلت إلينا من التراجيديات الإغريقية. وصفها أرسطو بأنها بلغت حد الكمال. وكانت قد عرضت أول مرة عام 425 قبل الميلاد، وتروي هذه المأساة أن كاهناً أخبر (لايوس) ملك طيبة، وزوجته (جوكاستا) أنه إذا وُلِد لهما ولد فسيقتل أباه ويتزوج أمه، وعندما وُلِد الابن (أوديب) قررت أمه جوكاستا أن تفر من المصير الذي تنبأ به الكاهن بأن تقتل الطفل وتقوم بتسليمه (أوديب) الى أحد الرعاة الذي كان عليه أن يترك الطفل في الغابة بقدمين موثوقتين بحيث يموت أو تأكله الوحوش، على أن الراعي أخذته الشفقة بالطفل وقام بتسليمه إلى رجل يعمل في خدمة ملك مدينة كورينث، وهذا الرجل بدوره يأخذ الطفل إلى سيده الذي لا ينجب ، ويتربى أوديب أميراً صغيراً في كنف ملك كورينث دون أن يعلم أنه ليس الابن الحقيقي لهذا الملك، و يخبره كاهن دلفي أن قدره أن يقتل أباه ويتزوج أمه، فيعزم أوديب على أن يهرب من هذا القدر بألا يعود أبداً إلى أبويه الذين ربياه صغيراً، بينما هو عائد من دلفي يدخل في صراع عنيف مع عجوز متغطرس على ظهر مركبة، ويفلت من زمام نفسه فيقتل هذا الرجل دون أن يعرف أنه قتل أباه ملك طيبة، وتقوده خطاه إلى طيبة وهناك كان السفنكس (أبو الهول) يفترس شباب وشابات المدينة ولن يكف عن ذلك إلا إذا وجد شخصاً يعرف الإجابة عن اللغز الذي يطرحه وهو" ما الشيئ الذي يسير أولاً على أربع في الصباح ثم على اثنتين عند الظهر وعلى ثلاث عند الغروب؟" وقد وعد شعب طيبة بأنهم سينصبون من يستطيع حل اللغز وإنقاذ المدينة من الوحش ملكاً ويزوجونه بأرملة الملك، ويغامر أوديب ويجد الجواب عن اللغز "إنه الإنسان". ويلقى أبو الهول نفسه في البحر وتتخلص طيبة من الكارثة ويصبح أوديب ملكاً ويتزوج جوكاستا التي لم يكن يعرف أنها أمه، وبعد أن حكم أوديب زمناً طويلاً بسلام تصاب المدينة بوباء الطاعون ويذهب ضحيته كثير من سكان طيبة ويكلف أوديب أخ زوجته ( كريون) بالتوجه إلى المعبد لمعرفةنبوءة الإله أبولو. ويبلغ الملك أوديب أن الكارثة ستستمر إلى أن يقبض على قاتلالملك السابق ويقدم للمحاكمة. ويعلن أوديب أنه لن يهدأ له بال حتى يقبض على القاتلالشرير ويعاقبه، غير مدرك أنه هو القاتل نفسه. ويطالب العراف ترياسيس بأن يكشف عما يعرفه من أمر ما تواجهه المدينة فيرفض العراف ويستشيط أوديب غضباً ويتهمالعراف بأنه متآمر مع كريون لإزالته من الحكم. ويعلن ترياسيس أن أوديب سيصاببالهلع عندما يكتشف حقيقة أبيه وزوجته وتحاول جوكاستا زوجة أوديب أن تخفف عن زوجها بأن تقول له إن النبوءات لا أساس لها وتقص عليه أن نبوءةظهرت في الماضي البعيد بأن ابنها سيقتل أباه ويتزوجها. وقالت إنها صرفت هذا الإبنبأن طلبت من أحد الخدم القضاء عليه منعاً لتحقق النبوءة وتحاول طمأنته بأن النبوءة لم يتحقق منها شيء ولا تدرك جوكاستا أنها فتحت بذلك باباً للحقيقة الرهيبة ويكشف العراف (الكاهن) ترياسيس أن الطاعون عقاب الألهة على الأثم المزدوج الذي اقترفه أوديب وهو قتل الأب والزواج من الأم ، ويعرف أوديب من الكاهن الحقيقة فيذهب ويعترف لأمه بذلك فتقتل نفسها ويقوم هو بفقأ عينيه ويصبح أعمى. وتنطوي المسرحية على العديد من الأفكاروالقضايا الفكرية والفلسفية فهي تبحث في الأخطار التي يواجهها المرء في رحلتهالطويلة على طريق البحث عن الذات وتبحث في مشاعر الذنب وتكشف عن طبيعةالقدر وتدرس العلاقة بين الفرد وقدره، فحرص أوديب على البحث عن الذات وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه – وكلها خصائص تتميز بها شخصيته – هي السبب وراء المواجهة مع قدره وهي الحافز في تحقق النبوءات. وتتيح لنا بنية العنوان في رواية (السقشخي([ () على لفته سعيد: السقشخي. الفؤاد للنشر والتوزيع . القاهرة . 2017.])) للروائي علي لفتة سعيد فرصة للولوج في بنية الشخصية, للارتباط الوثيق بينهما, كون هذه التسمية تطلق على من يسكن مدينة (سوق الشيوخ) في محافظة الناصرية, كونها اختصار لهذه الكلمتين, شأنها في ذلك شأن من يسكن بغداد فهو بغدادي, ومن يسكن البصرة, فهو بصري, ومن يسكن الموصل, فهو موصلي, ومن يسكن سوريا, فهو سوري, ومن يسكن مصر, فهو مصري. جاء ذلك على لسان بطل الرواية (ماجد), عندما كان يدرس ومن خلال سؤال وجه للطلاب عن التسمية الصحيحة لساكني (سوق الشيوخ), عندها نكتشف أن شخصية البطل من ساكني هذه المدينة الجنوبية الاثرية, الغارقة في القدم, ولكن الامر الذي يثير الاهتمام, هو أن المتلقي يتوقع قبل الدخول الى عالم هذا النص, بانه سيكون مع أحداث تدور داخل تلك المدينة, لكنه يتفاجأ بأن بداية الاحداث تدور في احدى الولايات الامريكية, بتفاصيل دقيقة تنم عن معرفة تامة بالحياة هناك, وقد اوكلت مهمة سرد الاحداث لبطل الرواية (ماجد), كونه المحور الاساسي والرئيسي للمبنى السردي, ومن الوهلة الاولى نشعر بالتصاق حميمي مع هذا البطل, الامر الذي يجعلنا نتواصل معه في رحلته هذه, وقد قطعت الاحداث الى محاور متعددة, تتناوب بالظهور, بشكل انسيابي, حيث نتابع ظهور البطل في امريكا مع زوجته زينب وهي من اصل لبناني([ () يوسف عبود جويعد : جذور الطين الحر في...(السقشخي) في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي . تحرير خالد مححمد عبدالغني . تحت النشر. ]),
ماجد/ أوديب :
تحكي الرواية عن ماجد الذي يواجه الخوف منذ طفولته وتربيته ألّا يكون في مواجهة القوة وأن يبحث عن الحياة في مسيرها الطبيعي.. ولكن كلمةً واحدة تقوده الى السجن مثلما قادته وهو طفل مشاجرة لم يكن فيها غير الخاسر الى مركز الشرطة أيضا.. ولأنه يكتشف إن البقاء في البلد أضحى محكوما بالضياع والخوف وترقب الموت في أية لحظة يهرب إلى الأردن ويلاحقه الخوف أيضا ثم يهرب إلى لبنان فيصادف امرأة لبنانية أمريكية جاءت لزيارة أهلها فيقعان في الحب لتبدأ رحلة أخرى إلى أمريكا حيث يتزوجها. وتبدأ هناك سلسلة أخرى من المتاعب والمآسي. ماجد ابن سوق الشيوخ هذه البيئة التي تحمل المتناقضات، ابن العائلة الفقيرة بالمال الغنية بالقيم، الذي عاش طفولة بائسة، ولكنها غنية بروح المرح والبساطة والذكريات الحلوة في مدينته، بين رفاقه وأقرانه من ابناء محلته، وزملائه في المدرسة، يكمل دراسته الجامعية، ويعين بعنوان (معلم جامعي) ليدرس التربية الفنية في احد مدارس المدينة، على الرغم من كونه يستحق ان يكون مدرسا في المدارس المتوسطة والثانوية، ولكنه يفتقد للواسطة وكونه ليس من ازلام السلطة، خصوصا وقد قررت السلطة وبأمر من القائد الضرورة تبعيث التعليم، فلا مكان لغير البعثي في سلك التربية والتعليم مهما كانت كفائتة ومقدرته ومكانته العلمية، فلا صوت يعلو على صوت الحزب القائد. نتيجة للفاقة وهزالة الراتب الشهري للموظف الحكومي في زمن الحرب والحصار، وفقدان الدينار لقيمته في السوق، مما اضطر اغلب الموظفين للعمل بعد الدوام الرسمي في مختلف المهن، كباعة متجولين، او سواق سيارات أجرة (تاكسي)، او باعة على الارصفة، وحتى العمل في الاعمال الشاقة كاعمال البناء...الخ . وقد كان ماجد احد هؤلاء حيث وقف خلف ( جنبر) صغير ليبيع الشاي في السوق على احد الارصفة !!! رغم ذلك فانه صار هدفا أحد اصحاب محلات بيع القمصان (سلمان ) ، ابن الحاج حصون ابو الصوف الذي كان يعمل وكيلا للأمن ويرفع التقارير الكيدية ضد من لا يعجبه و لا يسكت على تصرفاته الفجة وغير الانسانية، لان (ماجد) رفض ان ينجز واجبات ولده الذي كان احد طلاب (ماجد) في المدرسة، فقرر ان يعاقبه بتلفيق تهمة عدم الرضا عن الحزب والثورة والتعرض للسيد الرئيس بسوء، وكان له ذلك حيث اقتيد (ماجد ) لمديرية الامن، وتعرض لشتى انواع التعذيب والإهانة والإذلال بتهمة معاداة الحزب والثورة ...
وفي رواية "السقشخي" للاديب العراقي على لفته سعيد تتجلى ملامح النسق الأوديبي منذ عنوان الفصل الأول الذي حمل عنوان "الطالع" وكأنه القدر أو الحظ ف دلالته ، ويأتي بعد ذلك تفاصيل هروب ماجد من السجن بالعراق مثلما خرج أوديب من بلدته صغيرا فيقول: هربت من العراق في أول شهر بعد مغادرتي السجن ". وكان الخروج من المدينة االى البلاد المجاورة - من العراق للأردن ثم لبنان ثم أمريكا والعودة للعراق - مثلما خرج اوديب من المدينة "طيبة وعودته إليها فيما بعد الرحلة ليكون المصير يقول ماجد: لحظة الهرب من العراق كانت قصةً رهيبةً مع رعاة غنمٍ أوصلوني إلى الحدود العراقية الأردنية.. هناك البدو يحفظون عن ظهر عقولهم، لون الرمال ويخيّل لي أنهم يعلمون عدد حبات الرمال في الصحراء، وعدد الصّخور والوديان في الطرق التي تصادفهم وفيها عشب لأغنامهم. تحت ظلّ شجرةٍ تائهةٍ أجلسوني هناك مباركين لي نجاح إدخالي إلى الأردن وعلي أن اجتاز المسافات الجديدة ومبالغ جديدة لكي يوصلني أحد الشباب إلى السّاحة الهاشمية في الأردن ويدفعه القدر للجلوس في المطعم في لبنان ليتعرف على زينب ويحبها ويتزوجها فيقول: كنت ساهما في احد المقاهي في شارع الحمرا ..أخاف من رؤية أية شخصية عراقية قد تعرفني .. وكانت هي تجلس وحيدة ..ومثل قدر لا نراه إلا في المخيلة ابتسم أحدنا للاخر وربما الوقت الطويل الذي أمضيناه جلوسا منفردين أوحي لبعضينا أننا في مأزق حياتي " . وتكون زينب فيما بعد دليله للدخول إلى أمريكا، مثلما دخل اوديب طيبة بعد ان حل اللغز، دخل ماجد أمريكا بعد زواجه من زينب، ومثلما أسلمت جوكاستا ابنها للقدر عندما هربته خارج المدينة طفلا ، تقود زينب ماجد الى برج التجارة بسيارتها ليتم اتهامه بعد ذلك بالضلوع في تفجير البرجين، ولعل ماجد يدرك في اعماقه المصير والنسق الأوديبي حين يقول: فأنا أعرف هذا الحظ التعيس الذي يلاحقني في أي مكان أكون فيه..لا فرحة تكتمل إلا بمضايقة او اختناق الحزن لمفاصل العمر" . ومثلما كان الكاهن ترياسيس ذلك العراف الذي لديه النبؤة والمعرفة طوال الأسطورة، كان في السقشخي يونس خال ماجد ذلك الرجل الشيوعي المثقف الذي لديه المعرفة والنبؤءات أيضا فيقول ماجد عنه: ولكن كيف لها أن تقتنع أن خالي يونس هو من زرع في رأسي أن في هذين البرجين يكمن كل شيء أقتصاد وقدر ليرسم العالم". نلاحظ أنه حتى في ذكر يونس تصاحبه كلمة القدر أيضا - فهو الشيوعي كالنبي الذي بقى حيا في بطن الحوت ولم تتمكن منه قوى الطغيان - ، ويتم القبض على ماجد لمجرد مصادفة وجوده وتصويره لتفجير البرجين برغبة داخلية "دفينة" من حب الاستطلاع والمعرفة مثلما كان أوديب يعاقب على حب المعرفة وبحثه عن أصله ومكان عائلته – المعرفة بشكلها الرمزي - فيقول ماجد : رفعت رأسي وبلا شعور كانت الكامير بيدي وانا اصور لحظة ارتطام الطائرة ..باحثا عن فسحة أكبر من نافذة السيارة ..وثمة خفقان كبير يضرب صدري ويجادل لحظة الانغماس في شعور الاطلاع والرغبة في معرفة الاشياء التي حولي ..نزلت من السيارة لأري المشهد كاملا في الاتجاه المستقيم للشارع المؤدي الى المأساة وبهذا أدت الرغبة في المعرفة إلى التمهيد للقدر كي يقوم بدوره في معاقبة ماجد وأديب معا، وعند التحقيق معه في أمريكا يرد ماجد على المحقق في الحوار التاليبما يؤكد دور القدر في معاقبته: ماذا كنت تفعل بالقرب من مركز التجارة العالمي ولماذا تصوّر؟ صرخت مثله بدون وعي: الصّدفة، أنا مرهونٌ لها.. الصّدفة مرهونةٌ لأمثالنا نحن الجنوبيين.. الصّدفة سيدي أن أكون لحظتها هناك.. وأن يحدث الإنفجار الرّهيب الذي قتل الآلاف، صدفة أقسم بربّ المسيح ومحمد وموسى، أنها صدفة ليس إلّا.. ألا تؤمن بالصّدف والقدر والمحتوم؟ نحن من حضارتنا السومرية والقدر يلعب معنا والحظّ يُمسك بتلابيبنا..".
العودة للوطن:
مثلما عاد أوديب لوطنه بعد رحلة غيابه لتتحقق ملامح المأساة لديه بقتل أبيه والزواج من أمه وفقأ عينيه ليصبح الوطن غاية في السوء فيهيم على وجهه في الصحراء حزينا ، يعود ماجد للعراق ولمدينته ( تخيلت ان الدهشة ستكون رفيق دربي وهي التي تعقد لساني وأخاف الوقوع في بئر غارقاً بالحسرة والأسف, وأصّدق قول زينب التي اشتقت لها كثيراً إنها كانت على حقّ من أن المتغيرات التي حصلت في العراق, لن تكون متاحة لواحد مثلي.. كنت أخاف أن أجد الجميع وقد صار مثل النائب ضابط حنون.. الشرطة المرتشون وحرّاس شعبة الحزب والرفاق البعثيون وكتاب التقارير هم الآن يقودون المسؤولية بوجوه ملتحية.. خفت أن اجد بائع القمصان إمام جامع بعد ان قدّم الولاء الجديد.. فتخيلته كيف يئم الناس بالصلاة وبتقدمهم في المواكب .)ص 188 وهكذا وبعد رحلة العذاب والاعتقالات والخوف, وبعد التغيير, يجد بطل هذا النص, وبعد عودته, أن الحال سار من سيء الى اسوء, وان الحياة داخل هذا البلد تشعبت حتى خلت من الملامح الواضحة, وصار للحياة فيها وجوهاً كثيرة, - فالحياة الاولى وهي حياته بين اهله واصحابه وابناء بيئته والتي ظل متمسك بها ومرتبط بها كونها الجذور التي يستمد منها وجوده كما هي حياة اوديب في موطنه الأصلي ، والحياة البديلة:- وهي هروبه الى الاردن ثم الى لبنان ثم الى امريكا وقد اراد لها ان تكون بديلة الا انها لم تحقق ما يريد وبقي وجوده دون ملامح وهي حياة أوديب في المدينة التي تربى فيها وكبر وترعرع وقد أرد بعد ذلك ونتيجة للبحث عن هويته أن يعود لموطنه الأصلي. والحياة في مدينته بعد التغيير وقتل الأب – صدام حسين - :- والتي وجدها تغرق في بحر من الظلمات وتسودها حالة لم يكن يألفها من قبل وتشوبها الفوضى والتخبط وتحكمها اطراف دينية متبارية .
زينب/ أنتيجون:
زينب في الرواية هي شخصية محورية وذات تأثير فاعل في الحدث الدرامي وذات دلالة عميقة لما يمثله هذا الجانب الغريزي للشرقي بصورة عامة وللجنوبي بشكل خاص ذلك الحياء المتأطر في تقاليد العفة تتنازعة الرغبة والانسحاق في سبيل الوصول اليها بالشكل الذي يرضي جميع نوازعه ،فهو يؤمن بالحلال والحرام، ويؤمن بالعفة والعفاف، ويؤمن بالرغبة الجامحة التي تجتاحه عند رؤية الجمال، فالجنوبي عاشق للجمال فهناك الغناء والموسيقى وحتى الطفل يتكلم شعرا ،ونشيج النساء غناء .
في بيروت قادته الصدفة للقاء والتعرف باللبنانية العربية الامريكية الجنسية الفتاة الجميلة ((زينب ))، حيث يجد ((ماجد)) في زينب الحلم الذي لا يمكن ان يتخيل تحققه في يوم الايام ضمن حياة الخوف والحرمان ، ((زينب)) الجمال والثقافة والرقة والحب حد الذوبان، خلبت لبه وهيمنت على قلبه ، بأنوثتها الباذخة وعطشها للحب والأمان والجنس والصدق في العلاقة، هذا الذي لم تجده في امريكا وجدته في بيروت في شخصية عذراء تدعى ((ماجد))، فكانت تلك السفينة او ذلك اليخت الباذخ الرقة والجمال، او تلك الحورية الساحرة التي انقذت غريق تلاقفته امواج بحر الحياة الهائج المليء بأسماك القرش المتلهفة لازدراده وتقطيعه اربا، الماء الكوثر العذب الذي روى ضمأ عطشان كادت تقتله ملوحة الماء الاجاج الملوث بكل قاذورات الارض ووساختها ...
كان الحب متبادلا، توج بعقد الزواج الشرعي، ومن ثم الانتقال الى بلاد العم سام حيث تمثال الحرية الذي تفتخر به الامبراطورية الامريكية حاملة لواء الديمقراطية وموقدة شعلة الحرية لكل شعوب الارض كما تدعي... تستقبله ((زينب)) ووالدتها بترحاب كبير ومودة واحترام، أحس بالأمان فهو الان تحت ظل تمثال الحرية وحماية العم سام، ابهرته عمارات وناطحات السحاب، الأسواق والأنوار التي لا تطفأ، المدن التي لا تعرف السبات، الحركة التي لا تتوقف، مما جعل ماجد يفكر في استكشاف هذا البلد العجيب، ناسه، معالمه الكبرى، كيف تعيش الناس، حرية الحركة والتجوال والاستكشاف ليعوض عن كل حياة الكبت والممنوعات في بلاده، وما جاورها، فكما هي القبلة مسموحة وبلا حرج وسط شوارع وساحات وحتى في وسائط النقل او المطاعم، تكون كل تطلعات الانسان مسموحة، حبه للاطلاع، وفضوله في الاستكشاف، ورصد حياة الامريكان بمختلف اعراقهم وأديانهم ومعتقداتهم، فأراد ان يشبع هذا الفضول بالاطلاع على برج التجارة العالمي الشهير ([ ()حميد الحريزي :السقشخــي معاناة العراقي بين الدكتاتورية والـ(ديمقراطية). في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي. تحرير خالد عبدالغني . تحت النشر.
]).
ومثلما كانت انتيجون ابنة أوديب هي الملاذ والأمل والعون على رؤية الحياة والعيش فيها كانت زينب بالنسبة لماجد فهو دائم التفكير فيها وعميق الارتباط بها فيقول :"كنت أحاول الإسراع للوصول الى البيت.. ثمّة شيءٌ ما ينغصني وثمّة خيط يطاردني يصرخ لإخافتي, كأنه نباح كلاب ضالة.. أفكر أن زينب هناك تنتظرني.. ربما أتأخر كثيراً في العودة إليها.. فوجه ناصر يشير لي أن الخطوة الاخرى لن تكون سهلة أحاول أن اختفي.. لأعود الى ذلك القدر المشؤوم الذي يلاحقني انى ذهبت ويرسم لي قضباناً تمنع عني الشمس ردحاً جديداً"، وهنا في هذا المقطع السابق نلاحظ سيطرة القدر لى حياة ماجد مثلما سيطر القدر على حياة أوديب فكلاهما تحركه الأحداث ويذهب به القدر كل مذهب.
ولكن الرواية كما رأينا في بعدها الرمزي والتحليل النفسي تكشف عن مفهومين كبيرين هما النسق الأوديبي كما لاحظنا، واسقاط ذات المؤلف على شخصية ماجد بطل الرواية، وأيضا في بقية الأعمال الإبداعة الأخرى له. وكأنه يحكي عن معاناة الشخصية العراقيية الجنوبية – المؤلف - ويرشدنا على ذلك الإسقاط للذات ذلك الحوار الذي أجراه خالد مهدي الشمري مع المؤلف على لفتة سعيد حيث يقول فيه :
" ولد في مدينة سوق الشيوخ يتيم الأم منذ السنة الثانية من العمر، غرس والده "شاعر الأبوذية" فيه الحنان والثقافة وترك له الخطوط الأولى في مسيرته الأدبية، خط أول كلماته في المكتبة المركزية، وكتب أول قصيدة عن الموت مثلما كتب أول قصة من جبهات القتال عن الموت أيضا، وكتب أول رواية (وشم ناصع البياض) عن الموت، وكتب للمسرح (المئذنة) عن الموت كذلك و كتب ثلاث كتب في النقد.
-8-
التطبيع الاجتماعي وصناعة الشخصية الانتهازية في رواية
البدلة البيضاء للسيد الرئيس
تلخص لنا نهال القويسني الرواية بقولها :" إن الرواية تقدم نموذجًا لشخصٍ منذ طفولته وصباه حتي تمام نضجه ورجولته . ومنذ بداية قراءتي للكتاب شعرت أن الكاتب قد أقدم على مغامرةٍ كبيرة، حين اختار أن يجيئ السرد على لسان طفلٍ صغير يتيم، حيث أوكل إليه مهمّة السارد العليم. وقد استغرق هذا السرد نصف حجم الرواية تقريبا. ، حيث تجري الأحداث ووصف الشخصيات والأماكن بعيون ووجدان ومشاعر طفل صغير. وما أدراك ما وجدان الطفل، يرى العالم من حوله بعيون براءته وإدراكه الفطري، ومخاوفه وتوجّساته. كل ذلك مع ألم اليتم وفقد الأم نتيجة المرض العضال، الناتج عن الفقر وسوء الأحوال المعيشية. ببراءته الطفولية يعاني من قسوة زوجة الأب، وضيق الحال وقلة حيلة الوالد، الذي يحنو عليه ويتولّاه بالرعاية قدر استطاعته، بعد عودته من عمله الشاق الذي أثر على صحته وحياته. ويلفت نظر القارئ تلك المقاطع التي تشير إلى صور الزعماء بالبدلة البيضاء على حائط مدخل الدار، ومحاولة الأب تلقين ابنه نظرة فخيمة للزعماء تقترب من التأليه. وهنا ننتبه إلى نظرة البسطاء للزعماء والقادة، ومدى قناعتهم بالقدرة الفائقة لهؤلاء على القيادة وحسن تسيير الأمور، وكأنهم من طينةٍ غير باقي البشر، ويقدرون على ما لا يقدر عليه الآخرين. طفل مقهور صامت طوال الوقت بناء على نصيحة والده، (أليس هذا حال معظم مواطني إقليمنا) يضع رأسه بين ركبتيه ويبكي لساعات طويلة، او يتأمّل السفن والمراكب ويتمنّى السفر على ظهر إحداها، ويتنسّم الهواء على شاطئ الفرات. لا أحد يشعر به أو يهتم بأمره. مقهور بظروفه التي وجد نفسه فيها، بيتمه الذي كُتِبَ عليه، بفقر والده وضيق الحال وصعوبة الحياة.
ويشير حسن الموسوي في قراءته بقوله :" بداية سوف ادخل لقراءتي النقدية لهذه الرواية عن طريق العنوان ( البدلة البيضاء للسيد الرئيس )، فالعنوان هو عتبة نصية او نص موازي وهو المدخل الى المتن السردي، و يعرف العنوان ( على انه مجموع العلامات اللسانية ، كلمات مفردة ، جمل، التي يمكن ان تدرج على رأس نص لتحدده و تدل على محتواه العام و تعرف الجمهور بقراءته) و يتألف العنوان في هذه الرواية من مقطعين هما : البدلة البيضاء، و البياض هنا يعني النقاء ولعل هذا ما ينقص مدلول بطل الرواية الذي عاش في بيئة لا نقاء فيها وهو بحاجة لهذا النقاء من اجل مواجهة المجتمع الذي بدء يحتقره نتيجة السلوك المنحرف لزوجة ابيه و التي كانت تتردد على الأسواق كثيرا و تقيم علاقات غير شرعية مع العديد من الرجال في السوق و في مطحنة المدينة و عدم قدرة الأب الذي يعمل في معامل الطابوق و المغلوب على أمره في السيطرة على زوجته الشهوانية . السيد الرئيس و هو رمز للسلطة و القوة ، هنا تبلورت شخصية مدلول الباحث عن النقاء و السلطة لمواجهة قهر المجتمع و نظرته الدونية له و من ثم الإندفاع نحو العاصمة بغداد من اجل طي صفحة الماضي في مدينة لا يعرفه فيها أحد و من ثم الحصول على القوة و السلطة .
ثم يقول عبدالنبي فرج عن البدلة البيضاء للسيد الرئيس :"في هذه الرواية الشخوص تقف على الحافة، وكأن ليس لدية قدرة على دفع ثمن التورّط العميق، فهم ليسوا أحياء ولا أموات، ليسوا فاسدين تماما، ولكن لا يتمتّعون بالنزاهة، فزوجة الأب الذي تعيش حياة البؤس مع زوج لا ترغب فيه وفيه رائحة القذرة وتريد أن تستمتع بالحياة لا تتطوّر في علاقة جنسية كاملة ولكن تسمح بكلمات الغزل والنظرات والتحرّش البسيط. أم ساهي عاد زوجها بقدم مقطوعة وعاجزا جنسيا ثم يموت بعد ذلك ليتركها وهي فائرة ولديها رغبات جنسية مجنونة، ورغم ذلك لا تتورّط في علاقات خارج المنزل، تظل طوال الوقت منشغلة بالجنس والكلام الجنسي، ثم تجد ملاذها في استغلال الراوي الطفل جنسيا بشكلٍ سطحي وتتلصص عليه في الحمام. والراوي نفسه يعمل في دولاب الدولة الفاسد باعتباره ترس صغير مجد، ولكن تظل هناك دائما منطقة لا يستطيع تجاوزها.
ويعتبر حمدي العطار هذه الرواية التي تحمل اشتغالات نقدية متنوعة وعميقة تمكن الروائي من بناء شخصية قلقة تمثل ما مر فيه العراق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتوفق كثيرا في بناء المشهد السردي المتنوع الايقاع لتأتي الخاتمة قمة في الابداع (صار الحنين يجرني ، ولا أعلم أن كان هروبا أم محاولة لغسل الذنوب…وبعد أن شاهدت الشباب وهم يحرقون جدارية صدام. وثمة هلع واحتدام وتدافع، حتى أن حقيبتي الصغيرة تمزق غطاؤها وكادت تسقط من كتفي. صعدت على كتف أحد الشباب من الجيل الجديد، وهتفت: ( بالروح بالدم نفديك يا عراق).
في حين يقول أحـــمَـــد الـمُــــؤذّن :"الرواية شاهـدة على عـصرها كعمل روائي وثــق لمختلف تحولات المجتمع العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بحرب غـزو الكويت وما تلاها من أحـداث عاصفـة مع اطباق الحصار الدولي بما يتناسب والأجندات الأمريكية التي أرادت آنذاك تدمير مستقبل العراق وهو ما تـم فعـلا، الجميع يعرف بقية التفاصيل وما حصل، لذا فإن الكاتب، وضع في المتـن إشارات تدلل على تدهـور اللحمـة الاجتماعيـة والإنسانية داخل بنية المجتمع العراقي الذي صار يدفع أثمان باهضة من مستقبله وحاضره وأمـنه ورفاهيته وقد أكتوى بديكتاتورية حــزب البعث التي زجت بالعراق في الجحيم حيث تحولت محافظات الجنوب لخزان بشري لا ينضب وبمثابة وقــود للحـرب.
وتقول عبير العطار الحرب صنعت خللًا في تركيبة السكان فترمّلت النساء مبكّرًا جدا والأطفال كثر، صاروا أيتامًا وقهرت نفوسهم منذ حداثة العمر، فماذا تصنع إذن النساء بشبابهن إذا ما غاب الرجال للعمل المقيت أو غيبهم الموت من الحرب أو رجعوا بعاهات لا شفاء منها؟ المبدع في روايته جلّ همّه العراق والشعب العراقي وما آلت إليه النفوس التي أثقلت كاهلها الحروب حتى وإن غاب مدلول بطل العمل أكثر من عشرين عاما.. وقد عاد شخصًا آخر تعلّم كيف يكون الاقتراب من السلطة ويضع كلمات خاله في ذاكرته باستمرار: "لا تكن في موضع من يعض اليد، كن معهم لتكون في موقعك الأعلى"
وتقول فاتن فروق عبدالمنعم :" صورة الرئيس صدام حسين معلقة ببدلته البيضاء، وضعها والد مدلول في مدخل البيت، الرئيس بالبدلة البيضاء وصدر والد مدلول أحرقه النفط الأسود، الرجل يرتدي البدلة البيضاء في الاحتفالات الخاصة جدا مما يدل على الانفصام الكامل بين صدام حسين وشعبه الذي أحرقه النفط الأسود، الكاتب يريد أن يقول أن البترول سبب نكبة العراق أو قل أنه سبب نكبة العرب كلهم، أحرقهم وأفسدهم، وأنشأ حياة رأسمالية طاحنة أحالتهم إلى كائنات تتراوح بين كائنات حية معذبة وتروس تحترق آيلة للإنهيار في أي وقت، في ظل ديكتاتورية صدام حسين وحزب البعث الذي خلف شعب خائف سواء انتمى للحزب وبلغ مرقى القمة فهو محاصر بالخوف أينما كان، القمة في هذا الحزب تعني أن يكون الفرد مراقب طول الوقت، أو لم ينتم إلى الحزب هو أيضا في خطر ماحق. مدلول يقولون عنه في الحي الذي يسكنه أنه ابن الخطيئة تربّى بين قحبتين، زوجة أبيه التي تخاف على نفسها من والده المصاب بالسلّ، وصديقتها أم ساهي الخياطة التي تذهب لتبتاع احتياجاتها من صيهود فيكتفي منها بالتعري ليرى منها ما يجعله يعطيها مشترواتها بنصف السعر وأحيانا مجانا، كأنهما يتخلّصان من الرمضاء بالنار فينتهيا إلى لا شيء يذكر أو بلوغ فعل مادي يشبع الأجساد الجائعة.
وترى عبير عبدالله أنها رواية مؤلمة كطلقة نار في قلب ضمير الإنسانية، صدق موجع على قلة صفحاتها الـ 155 تنير الطريق لمن يريد أن يفهم ويعي ويدرك أو يصدم من يقرأها للمرة الأولى بحقيقة الحياة وخبايا بعض النفوس . يحكي على لسان السارد العليم أو على لسان البطل مدلول طفلا ورجلا مكتمل الرجول في الثلاثين من عمره تقريبًا . يهتم بالمتلقي ويخاطبه، وكأنه يحكي له ببراءة وخفة دم تارةً وتارة أخرى بوجع حكيم عرك الحياة وفهمها بما صنع هو من أجله ، ويدور بينهما حوار ص 76 / 75 (أحاول جاهدًا أمامكم أن أرتب خطواتي وفقرات ذكرياتي، لأني أعلم أن بعضكم سيترك الحكاية ويمسك بشيء هنا أو هناك ويقول لم أفهم شيئًا أو أنك تتعمد طريقة الحكي المتقافزة، اسمعوا ما أقوله وعليكم ربط التفاصيل التي ترونها مناسبة لكم في معرفة الغايات). استخدام الرمز ص 76 (صورة البدلة البيضاء التي أحملها معي أينما أذهب، تلبية لما أوصاني به أبي). وهي صورة غلاف الكتاب التي يتخذها أملا وهدفًا وإشارة أيضًا لتأييد الكبار وأنه على العهد معهم لشدة خوفه. وهذا أدى إلى أن تلتقط له الصورة التي غيرت حياته وزادت مراتبه ،وفيها تظهر شدة انحنائه وتذلـله الواضح للرئيس صدام حسين.
يبدو أن الذين كتبوا عن هذه الرواية دارت رؤاهم حول الانطباعية منهجا فهم فيما نحسب أدباء وكتاب قرأوا الرواية بعين الابداع أو الايديولوجيا ولكنهم لم يجيبوا عن أي من تساؤلاتها الكبرى التي تدور حول لماذا تم تطبيع وتنشئة مدلول على هذا النحو؟ وهل كان من الممكن أن يكون على نحو آخر من الانحراف.؟ حيث تتّضح معالم شخصية البطل (مدلول) شيئاً فشيئاً.. اليتم والفقر والحرمان والمأساة التي ترافقه منذ وفاة أمه وزواج أبيه من شكرية التي كانت تفرض سيطرتها على العائلة ولا يستطيع الأب فعل أي شيء، وكان دائماً يوصي ولده مدلول (وليدي.. من تصادفك ريحْ قويّة انْحِني لها لأن إنتَ بلا ظهر.. من تْشوف روحك ضعيفة إسْكت) ص23.
كما كان الأب يوصي مدلول (خلّي عينك بالصورة.. بحلق بيها كل يوم, إذا رِدِتْ تتْخلّص من الماضي) ص54. ، لولا ظهور خاله في حياته ، هذا الخال الذي رأيناه من قبل في رواية السقشخي "يونس" الذي كان امينا ومساندا ومربيا لـ"ماجد" وما علاقة تلك الخئولة الطيبة بالمؤلف على لفتة سعيد نفسه والذي لا استبعد وجود الخال في حياته على نحو طيب يستطيع ان ينبئنا بذلك فيما لو كتب سيرته الذاتية ، تقول نهال القويسني :"ويأتي موت الأب ليكمل المشهد الدرامي المأساوي في حياة الطفل الصغير بطل الرواية، ليجد نفسه وقد فقد كلّ شيء وأصبح في يُتمٍ مزدوج. ويظهر الخال خلال مراسم العزاء، ويتساءل الكل بصورةٍ فيها قدرٌ كبيرٌ من التوجّس والريبة، عمّن أخبره وكيف علم بالخبر، ولم أتى بعد كل هذا الوقت. ويبدو أن هناك تاريخًا خلف غياب الخال قبل ظهوره ذلك اليوم، وإن لم يفصح الكاتب عن ملابسات ذلك الغياب واكتفى بتساؤلات أهل المدينة وتعجبّهم من ظهوره بعد كل هذا الوقت. قد لعب الخال دورًا محوريًا وجوهريًا في تحوّل مسار حياة الطفل. فقد تعهّده وزوجته بالرعاية والتوجيه، وأتاحا له فرصة استكمال تعليمه، الذي حرم منه نتيجة نزاع له مع أحد أقرانه تسبّب في طرده من المدرسة، كما ارتأى كبراء العشيرة في المنطقة. في إشارة واضحة لغياب القوانين الوضعية وإنفاذ العدالة بصورتها المعاصرة. ويبرز بطلنا مدلول مُظهِرا نبوغًا ومهارات تواصل عالية، مكّنته نتيجة دعم وتوجيه خاله، إلى جانب نقاشات واجتماعات المثقفين على المقهى، التي كان يحضرها ويستمع إليها في إنصات، إلى تحقيق نجاحات كبيرة في العمل السياسي والحزبي، يبرز صاحبنا ضمن الكوادر الواعدة ويبذل كل ما في وسعه ليتقرب من السلطة وشخوصها، وينجح ويتقدّم وينجرف، ويصبح من أصحاب الكلمة المسموعة. ويظهر الخال مرّة أخرى في لحظةٍ فارقة، ليوقظه من غفوته ويحاول إعادة الاتّزان لحياته، ما بين طموحاته ونجاحاته وأهدافه وقيمه ومبادئه. وفي الحقيقة إن شخصية الخال هي واحدة من تلك الشخصيات التي أبدع الكاتب في تصويرها. فهو واحد من أولئك الذين عاشوا وتربّوا وتشكّل وجدانهم في جيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي. جيل الأيدولوجيات الكبيرة والأفكار الإنسانية الطموحة، ومحاولات تحقيق العدل الإنساني، وإتاحة الحرية وفرص الحياة الكريمة لكل البشر على قدر سواء. جيل آمن بالقضية وعاش في ظلال تلك الأفكار مقتنعا بها ومناضلا في سبيل تحقيقها، مقدما تضحيات كبيرة في سبيل ذلك، وصلت إلى حد التضحية بالحياة ذاتها. يظهر الخال ظهوره الثاني الحاسم والفارق للمرة الثانية في حياة بطلنا "مدلول"، بعد كل هذا المشوار الطويل من الألم والمعاناة والكفاح والاقتراب من تحقيق الأحلام والطموحات. يتحدّث إليه حديث المُعَلِم المُرشِد والقدوة والوالد، فيطرح أمامه تساؤلات عن هدفه وغايته وطريقته في الانبطاح أمام السلطة للحصول على مكاسب شخصية، والتخلّي عن المبادئ والأفكار التي ربّاه عليها وحاول ترسيخها في وجدانه. في البداية يظن مدلول أن خاله يغار من نجاحه، خاصة حين قال له "أخاف منك". قد فاته أن الخال يعني أنه يخاف عليه من نفسه وطموحاته التي جرفته إلى طريق الانبطاح أمام السلطة كسبيل للوصول". ثم يقول غانم عمران المعموري عن الخال :"خاله الذي كان له الفضل الكبير في وصول مدلول إلى مراتبٍ عاليةٍ في حزب البعث ولكنه كان كثير التحذير لمدلول أن لا يكون عبيد لهم حتى قال له (من يصل إلى هذه المكانَة في ظَرف قصير فهذا يعني إنه يعمل أي شي حتى لو كانت القوادَة نفسها) ص127.. كما ذكر خاله في أحد زيارته لابن أخته (مدلول) إلى شقته في بغداد الكرادة (أخاف أن يُسجّل كلامي.. ربما هناك من وضع جهاز تنصّت في الشقّة.. لا تستبعد هذا يا مدلول) ص125.وهذا دلالةً على زمن الخوف الشديد من بطْش السلطة وقوتها آنذاك وسيطرتها التامة على الشارع العراقي.. ولماذا انحرفت شكرية وأم ساهي ؟ وهذا الانحراف الجنسي لزوجات جنود الحرب موجودة في رواية "الصورة الثالثة ومزامير المدينة وفضاء ضيق" فما الفارق بينهن؟ فالانحراف هنا مع طفل صغير أدخلاه عالم الرجولة مبكرا معتدين على براءته ": ليدخل الولد في صراع نفسي جنسي مع كل حركة لـ(أم ساهي) وقيامها بحركاتٍ مثيرة حتى وصل بها الحال أجلسته على فخذيها العاريين، ذلك اليتيم الذي يخشى زوجة أبيه وسطوتها.. أخفى الكاتب الشخصية الرئيسية في الرواية مجهولة رغم التنويه عنها كونه ولد يتيم الأم ويعيش مع زوجة أبيه الذي يقضي معظم وقته في الطين والنفط الأسود والذي طالما يكون موضع اشمئزاز وسخرية من زوج أبيه.
وهكذا تم صنع الانتهازي المتملق للسلطة بديلا من المنحرف جنسيا فذلك الطفل الذي دخل عالم النساء مبكرا ما كان له أن يكون قديسا ولكن الأنا الأعلى كبت تلك الرغبات المبكرة وأزاحها باتجاه السلطة وحب المتسلطين حتى صار كما يقول :" في خضم اختلاط الأشياء وتشابكها، سمعت صوتًا ينادي .. هل أنت مرتاح الضمير والبال، حيث يموت شبابنا في الحرب وأنت تهتف للحكومة وتتملّق لها وتنفذ ما تريد وتشارك في عذاب الناس؟ هل أنت مرتاح الضمير وكلّ الذي يجري من إعدامات لكلّ من يتنفّس أو يعبّر عن رأيه وأنت لم تزل واحدًا من أعوان النظام ؟ إلتفتّ الى مصدر الصوت فداهمني صوتٌ آخر من خلفي .. هل حقّقت ذاتك بتقرّبك الى السلطة لتعيش منافقًا، هـاتفًا بـحياة مِـن يـبحث عن مـجدٍ وأنـت بلا مجد ؟ إلتفتّ الى الصوت فداهمني صوتٌ آخر من جهةٍ أخرى .. هل ستكون في منأى عن الكراهية إذا ما طالت الحرب وقتل أناس فيها وترمّلت نساء ويتّم أطفال ؟
ما هذه الأصوات يا إلهي .. وأنا المسكون بمعرفة أني لم افعل شيئا لأني غير مشاركٍ في صنع أحداث العراق .. أنا أعمل في الجانب الثقافي أرتّب اللقاءات واحضر الندوات وأساهم في كتابة التقارير الثقافية وأراجع لغتها .. نعم تطوّرت كثيرًا وصرت من الناس الذي يعتمد عليهم في أسرار الكتابة الثقافية والتي أنشد منها أن أكون من يراجع كتابات السيد الرئيس، والـحلم الـذي يـطوّقـنـي أن أطـلب منه إذا ما التقيته أن يرتدي البدلة البيضاء، وأن يضع ربطة عنقٍ حمراء .
ويعود مدلول للمدينة في النصف الثاني من الرواية وقد صار رجلا ليقول:" عدت الى المدينة بعد هذه الغربة التي ذكرت زمنها .. المدينة لم تتغيّر كأنها مصمّمة على ألّا تتغيّر كي تحفظ للناس ذكرياتهم وأماكن تنقّلاتهم وعشقهم ومحبتهم وروحهم .. فقط بضعة بيوتٍ جديدةٍ لحيٍّ سكنيٍّ جديدٍ عند المدخل الرئيس من جهة الناصرية .. وهي بيوتٌ لتجّارٍ وضبّاطٍ وهو أمرٌ واضحٌ لسعة الأبنية وطرزها وأغلبها إن لم يكن كلّها من طابقين وبطريقة بناء تشبه ما يُبنى في بغداد في الأحياء الراقية .
نزلت من سيارة الأجرة ظهرًا، بخطواتٍ لا ظلّ لها من الشمس الحارقة كأننا في تموز، أحاول أن أبدو مألوفًا حتى لا أثير انتباه أحد، فالغريب مكشوف الملامح والمشي في مثل هذه المدينة الوادعة وفي مثل هذا الوقت، يثير الظنون والشكوك وحتى الريبة، رغم إن الشوارع فارغةً إلّا من شرطيٍ يقف في باب مركز الشرطة .. فيما كان أصحاب المحال قد وضعوا قطعًا من القماش العريضة أمام أبواب محالهم لتغطية البضاعة وإعلان الإغلاق لفترة الظهيرة القائظة .. وحتى سوق القصابين وباعة السمك وباب دائرة الكهرباء بلا حركة ".
ينقل لنا المؤلف حالة الشخصية الثانوية الخيّاطة (أم ساهي) المتزوّجة من رجلٍ عسكري أصيب في حرب الشمال (العصاة بالشمال أصابوه برجليه الاثنين )ص16.. إشارةً منه إلى زمن الحدث الذي ذهب ضحيته العديد من الرجال وتركت الحرب أرامل ومحرومات من كل شيء، وقد ركز الكاتب على جانب نفسي اجتماعي مهم وهو الغريزة الجنسية كما في قول أم ساهي (لم يكن بإمكانه النوم أو فعل شيء.. صار شغل الأصابع أكثر في الليالي السود) ص16. وهذا يشير إلى الزمن التاريخي وبُعْده النفسي الشامل لفئات عديدة من النساء في المجتمع العراقي اللاتي عانَينَّ ويلات الحروب والظروف الاجتماعية الصعبة. وكان قدر الطفل مدلول ان يدخل عالم الفحولة مبكرا فهو :"ظلّ يسمع حديث الخيّاطة وهي تتغزّل بجسد زوجة أبيه من أنه ريّانٌ وبضّ ومرَبْربٌ وجاذبٌ لعيون الرجال الذين سيموتون لو شاهدوا ولو جزءًا صغيرًا من بياض أبطيها، أو الخط الفاصل ما بين النهدين، فما بالهم لو رأوا هذا الجسد كلّه .. الجسد المحروم من لذّة الأصابع وذوبان الغزل.. جسدٌ ممهورٌ لرجلٍ متوسّط القامة، مليءٌ برائحة النفط الأسود، والعابس بوجه الحياة، والحامل لهموم الدنيا، والكابت حتى لوعيه وثقافته، والأرمل الذي ماتت زوجته الأولى مصابةً بمرض السل.. كانت الخيّاطة قد سارعت بالجلوس على حافّة السرير المعدني تؤرجح ساقيها بتعاقبٍ ملعوب، لتحرّك الريح تحت السرير، وتطلب منها أن تلبسه :
- ( خلّيني أشوف دقّة الخياطة وقياسه على هذا الجسم الريان .. كلّه لحم ) .
ضحكت زوجة أبيه مخرجةً فرحًا مكبوتًا وحاجةً لغزلٍ ولو من امرأةٍ أخرى.. أشارت لها بطرف سبابتها اليمنى أن تنتبه للولد فهو يسمع.. وكان هو يسمع ولا يدري لماذا ساحت عيناه بذلك المشهد الذي لم يفارقه كلّما ارتفعت ساقا أم ساهي مثل أرجوحة العيد، وهي تصعد الى الأعلى وتهبط الى الظلام وتعيد الكرّة الى النهار، ولم ينتبه في لحظتها الى قصر ثوبها فوق ركبتيها، حيث انكشف البياض الكامل لربلتي ساقيها ولحمٌ يهتزّ من جسدها كلّما ضحكت.
يسمع زوجة أبيه تقول لها :
- ( انتبهي الولد موجود.. استحي قليلا ) .
كانت عيناه تدخلان عالمًا جديدًا، عالم من لذّة قاتلة .. عالمٌ من تعويض نقصان الهوان الذي يعيشه .. احتراقٌ من نوعٍ لا يستطيع توصيفه.. ربما أدرك بعد عمرٍ أن الرؤية الجديدة التي تشبه ما هو محصور في مرآة، تكون أكثر سطوعًا ورغبةً في المضي بتأمّلها".
وهكذا تمت التنشئة الاجتماعية على أيدي الأب والخال وشكرية وأم ساهي للطفل مدلول ليصبح متملقا انتهازيا محبا للسلطة والتسلط.
المؤلف في سطور
الدكتور خالد محمد عبدالغني
من مواليد قرية بلقس مركز قليوب محافظة القليوبية في (31 يناير 1970), حصل على درجة الدكتوراه ، كلية الآداب ، قسم علم النفس، جامعة بنها 2003 بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات والمراكز العلمية والبحثية . نشر أكثر من أربعين كتاباً، وأكثر من سبعين بحثاً ودراسة وأكثر من مائة وخمسين مقالا في الصحف والمجلات والدوريات وشارك بالعديد من المؤتمرات الأدبية والعلمية الدولية والإقليمية والمحلية في علم النفس والتربية الخاصة والنقد الأدبي. وفاز بجائزة عبد الستار إبراهيم ورضوى إبراهيم في الأصالة والإبداع العالمية في العلوم النفسية السلوكية من ولاية مريلاند الامريكية لعام 2018 . كما فاز بجائزة علاء الدين كفافي في علم النفس الأسري من القاهرة عام 2010. وعمل مديرا لتحرير مجلة الرواية ويعمل نائبا لرئيس تحرير مجلة التحليل النفسي، ورئيسا للقسم الأدبي بجريدة الحياة المصرية . ومؤسسا ورئيسا لتحرير مجلة النداء . وأمين عام الجمعية المصرية للتحليل النفسي، بالاضافة لعضوية العديد من الجمعيات النفسية والأدبية والاجتماعية. وله العديد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية.
الفهرس
مقدمة..............................................................................ص 4
1.التطهير العرقي والجنون في مواسم الإسطرلاب...............ص 10
2.تآمر اللاشعور في الصورة الثالثة ...............................ص 22
3.الأسطورة/ الأم في مزامير المدينة ............................ ص 30
4.مأساوية المصير في فضاء ضيق..................................ص 40
5.المقهى كفضاء سيكودرامي في حب عتيق ....................ص 49
6.حدث يشبه الصاعقة في مثلث الموت..........................ص 63
7.النسق الأوديبي في السقشخي...................................ص 73
8.التطبيع الاجتماعي في رواية البدلة البيضاء................ ص 76
9.المؤلف .........................................................ص101
10.الفهرس................................................................. ص 103
-5-
المقهى كفضاء سيكودرامي وملتقى للثورة في حب عتيق
عندنا أشهر رواية عربية تناولت المقهى وهي رواية الكرنك للعظيم نجيب محفوظ وزاد من شهرتها الرؤية السينمائية التي قدمها علي بدرخان الذي قال بتواضع أن العبقرية كانت للنص الروائي وذلك خلال مقابلة أجريتها معه 2019، وقد دارت أحداثها في مقهى الكرنك حيث يجتمع أبطال الرواية وهم مجموعة من رواد المقهى الدائمين . وهذا التشابه مع رواية "حب عتيق" لعلي لفتة سعيد([ () علي لفتة سعيد : حب عتيق . الهيئة المصرية العامة للكتاب . القاهرة . 2019.]) موضع آخر للمناقشة غير هذا .
في المقهى يجلس عبيس وستار ونعيم ومحمود ونعمان وسعد مكونين مجموعة الرواد الأساسيين للمقهى والتي ستدور جلساتهم لتحقيق العلاج النفسي والتمهيد للثورة ، وهنا كان لكل واحد منهم قصته ومأساته في حبه العتيق ، وقد حكاها لنا وتعرفنا على تفاصيلها بدقة بجلسات السيكودراما داخل المقهي حيث الفضاء والأرض والديكور وحركة الممثلين القائمين بالأدوار والمخرج وهو الرواي أو – المؤلف - علي لفتة سعيد، والسيكودرما فنية علاجية جماعية لها جذور عربية قديمة أيام الدولة العباسية ، ولها جذور مصرية فرعونية أيضا والسيكودراما كأداة تلقائية / إسقاطية فريدة، مكافئة للتداعي الطليق، لا في يد المشتغل بالتحليل النفسي على إختلاف تياراته فحسب، بل لكل معالج نفسي وطبيب نفسي وهي تقوم على التلقائية أي دون وجود نص سابق على الموقف التمثيلي وهذا ما قامت به مجموعة الأعضاء في هذه الرواية في ص 142: الظهيرة في المقهى ساكنة في مثل هذه الأوقات ، لكنها على غير العادة تعجّ بالروّاد كأن يوم الجمعة تناسل في الحياة وأضحى الفراغ متسيّدًا، فيلتهي الناس بلعب الدومينو والطاولي الذي عرف محمود اسمه باللغة النرد، حتى لو كان من أجل من يدفع حساب استكانات الشاي فلا يحسبون الأمر قمارًا. نهض الثلاثة من مكانهم ليجلسوا في عمق المقهى أمام الفتحة المطلّة على الساحة، كان العامل إبراهيم قد رشّ الأرضية ليأتي الهواء منعشًا بعض الشيء، وتتصاعد الرطوبة التي تعطي الريح الهابّة الخفيفة إنعاشًا جيدًا للجالسين بين أركان المقهى. سمعوا لغطًا يبديه الروّاد بين حديثٍ وضربات قطع الدومينو والمشاركين في التفرّج، وكلّ يتحدّث فيكون اللغط علامة من علامات اللامفهوم في الكلام، والذي يعبّر عن حنق الإنسان من واقعه، فلا يجيد الإصغاء، حتى لكأن المقهى يشبه حمّام نسوان مثلما قالها نعيّم مع دخوله ليستجدي، دائرًا بين الأرائك فلا يحصل على شيء، وقد ملّ الناس منه ومن طريقته في الاستجداء.
فالمقهى ملتقى قد يكون لتزجية وقت الفراغ أو لقضاء مصلحة ما، لكنه المكان، حيث الفراغ ولذا كان المقهى كفضاء سيكودرامي يصلح للعلاج النفسي بوجه عام لكل الناس في رواية "حب عتيق" لعلي لفتة سعيد وملتقى ثقافي يمهد للثورة العراقية في ص 132: ما أن قرعت ساعة الصباح من يوم الجمعة حتى التقى الناس مع بعضهم في المقاهي، لا أريكةً فارغةً وأغلب الروّاد يلعبون الدومينو أو الطاولي فيما راح بعضهم يلعب الورق وأشهر لعبة فيها ( الكونكان ). من يمرّ من أمام أيّ مقهى يسمع اللّغط والعناد والعتب والصراخ في بعض الأحيان بين اللاعبين. تبدأ مجموعات متراهنة للعب، لا لعبة بلا مراهنةٍ لدى البعض من الروّاد الذين أصبحوا معروفين في المدينة، ويشير لهم نعمان بأصابع الاتّهام، كونهم غير مسؤولين عن احترام الذات. يزعم نضاله من أجل حرية الفرد أمام أيّ شيءٍ يريده، ويقتنع به ما دام لا يؤذي الآخرين، لكن القمار كما سمعه محمود يؤذي اللاعب والعائلة. كانت الفلوس بعد انتهاء أيّة جولةٍ من الألعاب الثلاثة تنتقل من تحت طاولة اللاعبين أنفسهم فيصيح الرابح منتشيًا على صاحب المقهى:
-( هات شايات حامضْ حَليبْ ).
فقد جاء زمان برزت فيه قلة من المقاهي حيث كانت تعج بحياة أدبية ونقدية بل ومعارضة سياسية وتمهيد حقيقي لفعل التغيير في ص 185 : لكنه أبقى عينه على يسار الطريق حيث مقهى أبي كاظم وحلقة نديم الحدّاد وجعفر العايد وعبد شمخي وهم ينسقّون أمورهم في كيفية التحرّك لمواجهة تنامي أفكار الحزب الشيوعي، مثلما يبتكرون طرق التخلّص من مطاردة الشرطة. فعملهم صار مفضوحًا وصوتهم ارتفع في إسقاط الحكم الملكي، وصاروا يشاركوا في تظاهرات ضد نوري السعيد وشعارتهم تداخلت معها الأحكام الاسلامية والآيات القرآنية.
ومثلما كان عندنا في مصر مقهى المسيرى بمدينة دمنهور قرب الإسكندرية، حيث تعقد اللقاءات لقراءة الأعمال القصصية والأشعار وما إليها، ومن عباءتها خرج العديد من كتاب القصة والشعراء، بل وفناني المسرح. وقد واكبت ظهورها وربما سبقتها "قهوة عبد الله بميدان الجيزة،. وهناك تجربة معاصرة في نهاية الستينات بمقهى "المختلط" بميدان العتبة (وهي على بعد خطوات من مقر المسرح القومي – مسرح حديقة الأزبكية الذي أسسه جوق أولاد عكاشة)، وكانت تجاورها – وأمام المسرح مباشرة – مقهى "متاتيا" التي كانت ملتقى لفناني المسرح ورواده وكبار الأدباء والفنانين منذ مطلع القرن 20 حيث قدم جزء من فضائها مسرحية "الخطاب" التي كتبها ناجي جورج ومثلها عبد الرحمن أبو زهرة، فقد كانت المقهى تغص بجمهور المشاهدين، وهناك مقهى "أسترا"، واشتهر فيها عبد الرحمن عرنوس ومن هذه المقاهي خرج اللحن الجنائزي الشهير صبيحة وفاة عبد الناصر "الوداع ... ياحبيب الملايين ... الوداع" يظهر في الرواية مقاهي أبي كاظم ومقهى عواد 211: والمقهى يعد واحدًا من المقاهي الكبيرة التي تقع على شارع البصرة حيث يمرّ من أمامه أغلب سكان المدينة. كان يقلب الأرائك ويغلق النوافذ بعد بدء صوت أذان الظهر من جامع الإسماعيلية الكبير، ويترك بابًا واحدًا. فيما يرى الناس ذات الوجوه في الداخل. أخبرهم بخطورة الوضع وأسئلة الناس ومعرفتهم بما يعقد من اجتماعات في الظهيرة التموزية. قرّروا ألّا يطول الاجتماع أكثر من ساعةٍ لاستلام التبليغات والتعليمات ومن ثم بالإمكان توصيل التبليغات كلّ في منطقته من قبل الأعضاء، حتى لا يبدو الأمر وكأن تنظيمًا حزبيًا يعصي أوامر الحكومة بعدم عقد الاجتماعات أو التجمعات سواء منها الحزبية أو غيرها.، و في مقهى عواد كان الزمن شبه متوقّفٍ على هيكليةٍ واحدةٍ. عواد يصغي بانتباهٍ الى أسئلة الناس وأجوبتهم وحواراتهم، فيجد في أغلبها ما يعين على جمع أفكارٍ وملاحظاتٍ وردود أفعالٍ وترقّب لما يأتي به التغيير إن كان سيكون مهمًّا، خازنًا في مفكّرته عدم إدراك الغالبية لما سيحصل بشكلٍ كاملٍ، وهو أمرٌ طبيعي ينتاب حتى المنظمّين الى الحزب والذين تأتيهم التعليمات لا يعرفون شيئًا مؤكّدًا، غير تلك الأخبار التي تشير الى وضع بغداد في غاية الخطورة منذ أن تمّ تغيير رئيس الوزراء الجديد، وربما عدّوه بدايةً لتغييراتٍ قد تحصل في البلاد وتقف وراءها دول كبرى.
. وفي ص 180 يعرض المؤلف لمقهى ابي كاظم : كان تفكير نعمان متوجّهًا الى مقهى أبي كاظم المطلّة على النهر، حيث يجتمع البعض لتنوير الناس بأحقيّة الفقراء. فيما كان هو ومجموعة أخرى يجلسون في مقهى عواد السيّد يتحدّثون عن ذات الأمر، وما يقلقه تنامي تلك المجموعة واتّساع شعبيتها رغم مطاردة الشرطة لهم في الآونة الأخيرة. المقاهي في المدينة صارت مكانًا للتجاذب الحزبي، وهو ما أرّق بعض الباحثين عن الهدوء والعيش بلا سياسة، مع تصاعد ظاهرة الحراك الحزبي، فهم يرون إن كلّ التحرّكات لا نفع منها، فتجارب العالم تفضي الى هكذا نتائج، وهو ما قاله رسول في إحدى النقاشات من أن الثورات جميعها تفشل، لأن الصراع على السلطة يكون مثل الذئاب، وذكّرهم بالمقولة التي تقول إن الثورات تأكل ابناءها. ولذا نبّه سعد من مثل هكذا أفكار تجعل الناس تنكمش ولا تتحرّك، ذاكرًا لهم إن الكثير من الأحزاب انبثقت من هذه المدن، وتأسّست ثم تحوّلت في تاريخها الى مدنٍ أخرى وشخصيات أخرى، كاشفًا من أن حزب البعث تأسّس في جنوب المدينة وهو الأمر الذي وسّع مريديه الى كلّ مدن الوسط والجنوب، مثلما كانت قبله أحزاب الاستقلال والأحرار والشعب والإصلاح وغيرها. وقد أسرى لهم بما سمعه اليوم أثناء تبضّعه الصباحي إن هذه الأحزاب تبحث عن السلطة وليس همّهم التغيير نحو الأحسن. وعلّمهم التاريخ أن أيّة جماعةٍ تؤسّس حزبًا تبحث عن كبش الفداء ليضحّي بدلًا عنهم ولا يتحمّلون هم سوى السجون.
سعد يضحك وهو ينقل ما دار من هذا حوار بينه وبين صاحب الرأي في الصباح، ومنها قوله الذي أطلقه بطريقة المزاح:
-( يا ناس نريد نعيش ).
ولم يكن الأمر يخلوا من مخاطرة الإقناع بضرورة الاهتمام بالسياسة، وعدم القبول بما تفعله الحكومة وإن هذا خنوعًا، كان يردّ:
-(عشْنا وشفْنا وراح نشوف.. نحن وأولادنا وأحفادنا، والوضع هوَ هو ).
وهناك مقهى غضبان الذي دار فيه المشهد التالي ص 214الذي ينكشف فيه التغيير والعلاج النفسي الذي تحقق لبعض أبطال الرواية : كان نعمان لحظتها متّجهًا نحو مقهى غضبان للقاء صاحبيه سعد ومحمود، حيث وعدهم بتكملة الحكاية التي يريد نفثها ويرتاح، وربما يحوّلها الى قصّةٍ يربطها مع قصة هذا النضال في كتابٍ مستقلٍّ وضع له عنوانًا مؤقّتًا (رحلة العمر).حين سقط نظره على نعيّم وراح يتابعه باندهاشٍ وهو يمشي باستقامةٍ تثير الاستغراب. لم يكلّمه أوّل الأمر، ولم يكلّم عبيّس حينها حتى يتأكّد مما يراه بشكلٍ قطعيٍّ، حتى لكأن ما حصل في المقهى حين اقتحموه لم يكن كافيًا لمعرفة هذا التغيّر في تصرفات الثلاثة بشكلٍ عام ونعيّم بشكلٍ خاص. يتذكّر نعمان وفق مفهومه العلمي واطلاعه إن التغيّر أو التغيير يأتي بمعية حصول شيءٍ مفاجئ ليغيّر تركيبة العقل أو ما حصل له في سلوكٍ سابق، منها ما هو ثقافي ومنها ما يتّصل بتقدّم العمر أو حصول علاجٍ بمساعدة معالجٍ ليؤثّر على سلوكه. ولذا تساءل مع صاحبيه إن كان قد حصل شيءٌ لنعيّم داخل السجن أو لعبيّس فقد تغيّرت نبرتا صوتيهما وصارا أكثر هدوءًا، بينما ظلّ ستار على حاله فهو بطبيعته هادئًا خائفًا من كلّ شيء. فراح سعد يحلّل الأمر ويعتقد بحصول التغيير في السجن، لان نعيّم لم يكن وليد فقرٍ أو تربية أبناء الشوارع أو القاع الذي يفرّخ مثل هكذا أناسٍ يكونون أما متسوّلين أو يعملون في أماكن لا تحتاج الى أسوياء. كان محمود ينصت بشدّةٍ لهذه المعلومات التي يطلقها الاثنان عن شخصية نعيّم التي يزيدها سعد في تحليله بحصول ارتطامٍ بين واقعه الحالي وماضيه، وبين تصرّفاته المريضة، وما يريده من انعتاق يخلصه من هذه التصرفات، والواقع برمّته وربما تم ضربه على رأسه أو تعرض لتعذيبٍ ثم تهديدٍه بعدم البوح بما جرى له داخل السجن مقابل إطلاق السراح، ليؤكّد إن هذه أساليب السجون وحكومات العالم الثالث التي لا تحترم الإنسان
فلا غرابة في أن نعتبر أن الفضاء بذاته جزء من مكونات العمل الفني، الأمر الذي يوضحه دور عملية الإدراك الاجتماعي للفن حيث المناسبة والمكان (الفضاء) لهما اليد المعلاة للدلالة علي الفن في رباط وثيق لا يمكن فصمه، فإحدي الفرق التجريبية التي قامت بتقديم مشاهد درامية في المطاعم، وذلك عندمل تظاهر الممثلون بأنهم من مرتادي هذا المطعم أو ذاك، وتقوم بين زوجين منهم – على سبيل المثال - مشاجرة، وكان الهدف من ذلك كله دراسة تأثير العلاقة ما بين المكان والحدث، وهو ما يقدم مثالاً آخر لمشهد منودرامي لواحد من الممثلين المهمشين في "مسرح مترو الأنفاق" بلندن، والذي يلعب دور أحد المسافرين، وينقسم المشاهدون هنا إلى مجموعتين، تلكم الجماعة التي أتت لتشاهد العرض بشكل قصدي، وأولئك المسافرون الذين فاجأهم العرض ولم يكن هدفهم أن يشاهدوا من قبل. وهناك عروض تمت "في حلبة أو في سوق للجمال أو نواصي الشوارع أو مراكز التجمع أو المتاحف أو حتي حديقة للحيوان .....".
وهذا مشهد سيكودرامي يكشف عن التلقائية حيث الحضور للمقهى وليس في الذهب أفكار مسبقة ص 104 : جلس محمود بجوار سعد على الأريكة في مقهى عواد السيد، ووجههما باتجاه شارع البصرة يتطلّعان الى شيءٍ ما، يتقاسمان الصمت ريثما يأتي نعمان ومن معه حيث ستنبثق من الجلسة فكرةٌ ما. لم يتوقّف محمود عن التفكير منذ إبلاغه بالموعد قبل ليلة. قال له سيكون لنا رأيٌ في جلسةٍ نعقدها ظهرًا في هذا المقهى تحديدًا، وقد انقضت ساعة ولم يأت نعمان ولا شيء في الرأسين سوى تضارب الأفكار. كلّ الى مسعاه في الهذيان.
ومثال آخر حين يتحقق التفريغ الانفعالي في ص 83 : في الظهيرة يعود عْبيّس وستار ليلتقيا أمام مقهى أبي كاظم فيلحقهما نعيّم حيث تكون حركة السوق راكدةً مع بدء صلاة الظهر. فتبدأ رهانات الثلاثة في الحديث عن بعض المصلّين وهم يشيرون بضحكٍ كبيرٍ لفلان المرابي، والآخر شارب الخمر ليلًا وذاك ناكح العاهرات ويصلّي مثل إمام جامعٍ، وذاك مختلسٍ وآخر ضرب أمه. ينتقدون من يتحدّث عنهم على إنهم كفرة لشربهم الخمر. مرّة ردّ ستار على أحد منتقديهم ونادرًا ما يردّ، لكنه وجد في كلام المنتقد إساءة لإيمانهم:
-( أنا أكثر إيمانًا منّك لأن ما أسرق ولا أبوگ..وانْتَ تْصلّي وتْصوم وعينكْ على نسْوان الجيران وتْكذّب.. خلّيني أشوف* الله من اللي راح يدخله بالنار أنا المسكين أم أنْت الكذّاب ؟).
ضحك عْبيّس حينها وطلب منه ألّا يتحدّث عن الأيمان أمامهم، لأن الجميع مفضوحون، وعليه اللّحاق بالصلاة بإمامة السيد يوسف. سمعهم جاجو الذي قال من داخل محله:
-( ظلّوا أضحكوا على العالم بعبادتكم.. ولكن اعرفوا أن الله ما ينضحك عليه).
أراد محمود ممازحة جاجو فسأله أين يصلّي؟ فأجابه بجملةٍ لم يتوقّع أن يسمعها:
-( مثل ما تصّلون بجوامعكم نحن نصلّي بكنيسْنَا.. طرق العبادة تختلف ).
وبعد تحقق الشفاء كانت المقهى مصدر متابعة الشفاء والدعم النفسي من خلال العمل النافع والمفيد والمؤدي للتغيير او الثورة ص 223 : استفسر ستار وهو يمسك عبيّس من عضلة يده اليسرى إذا ما كان بالإمكان العمل ليكون لهم صوتٌ داخل الاجتماعات في المقاهي؟ فعصبتهم لا تكفي. فأعجبت نعيّم الفكرة وزاد عليها بتوزيع المهام، عبيّس مع اجتماعات مقهى عواد وستار مع اجتماعات مقهى أبي كاظم. وسأله ستار:
-( وِأنت أين يا فهيم العصر راح تكون في هذه المعادلة؟ ).
ولابد من الاستعداد للتغير وكان القرار داخل مقهى غضبان وفي جلسة سيكودراما من ممثل واحد هو نعيم ص 247 : وجد نفسه يعود أدراجه الى مقهى غضبان لينام على إحدى الأرائك، يلفّ ذراعه خلف رأسه لجعلها وسادةً تجعله يصفن في وجه السماء ليحسب النجوم. متذكّرًا تلك الليالي التي كان فيها يكلّم بدرية. رأى نفسه أصغر من الاحترام وكذلك رأى في العمر بقيّةً من توازنٍ هشٍّ، وثمة شيءٌ يحتاجه لكي يحصل التغيير بسلام. قال مع نفسه إن هناك أمرًا سيحصل وعليه التهيّؤ ليكون جزءًا منه، حينها يكون تغييره مقبولًا.
لم يشأ التفكير أكثر فقد أتعبته الأسئلة القافزة في رأسه، وحالته لن تهديه إجاباتٍ مقنعة.
وقف أمام الحائط تبوّل طويلًا ثم عاد الى الأريكة.
-السلام عليكم.
ردّ عليه ضابط المفرزة:
-وعليك السلام.
-أنا منتظر صحفي ولدي لقاء ومقابلة مع السيّد، وأريد ترك سيارتي هنا.
كان منتظر يقدم هويته الصحفية إلى الضابط ذي الرتبة الصغيرة الذي التفت إلى سلام هو الآخر:
-هل أنت صحفي أيضا؟
أراد سلام ممازحة الضابط فرد وابتسامة ساخرة تعلو وجهه:
-وما قولك أنت ..أليس في ملامحي ما يدل على إني صحفي؟.
لم يضحك الضابط وكأنه مجبر على التواجد هنا.
-أرجوك أخي نحن هنا نعمل لحمايتكم .
أطلق تأففاً..ثم قال بهمس سمعه سلام:
-لو أن كل رجل دينٍ أو مرجعيةٍ أو حزبٍ ينظم احتفالاً أو تجمعاً فلن نشهد الراحة أبداً.(ص 14).
وهذا شكل من أشكال الحوار السينمائي لنجد من خلاله تفاصل الصورة والحركة والمؤثرات المختلفة أيضا :
" لكن أحد شيوخ الدين وهو قصير القامة تطير عباءته المائلة إلى الاصفرار خلفه، ويطير التراب من حركة حذائه الخاص برجال الدين المغلق من الأمام والمفتوح من خلفه بما يشبه النعال..سألهما:
- (إنْتمْ صحفيين)؟
رد عليه منتظر:
-نعم.
-هل جئتما للحصول على البركة والمبايعة أم لشيء آخر؟
لم يبدأ بعد الإندهاش الكبير..وسلام يفكر بما يجري أمامه من هذه الأمور التي لم يدركها،ويتحدث عنها..خائفاً من مخاطرٍ تزداد كلما تحولت الأشياء من حالتها الطبيعية إلى شيءٍ مقدسٍ وحتمي،تصل إلى حد التضحية بالنفس.
قال منتظر.عفوا شيخنا أنا أنتظر مجيء المصور وأطلب المساعدة في إجراء حوار أو مؤتمر صحفي لنبكر بإرسال التقارير إلى مؤسساتنا (ص 15 -16). هذه هو مشهد الختام السينمائي / الروائي تظهر فيه ملامح السرد السينمائي كاملة الشخوص والحركة والألوان والتعبيرات الوجهية مثل الخوف والهلع والترقب والمكان والأريكة وضيق المساحة والسؤال الأخير أين اختفى سلام؟ ليصبح سلام رمزا على اختفاء السلام في العراق :
"إلتفت المحافظ..رأى عينيه المتورمتين الحمراوين..كأن هرجاً ومرجاً تصارعا طوال الليل فأحال تجاعيد وجهه المعجونة بنعومة المسؤولية الى رجلٍ منهك..بانت لحيته التي لم يحلقها كما هي عادته يومياً..شاهد حزناً شديداً في عيني المحافظ..قال:
-لا أرى إلا خبراً حزيناً.
-بل قل كارثياً أيها الصحفي الهمام.
لم يرد عليه..لكن المحافظ واصل الحديث.
-أريدك أن تذهب الى المشرحة..وعليك تقع مسؤولية إبلاغ عائلتيهما..
سقط منتظر على الأريكة..لكن المحافظ لم يبال.
-مثلما نشرت خبر الإختفاء عليك نشر خبر العثور على جثتين واختفاء ثالثة.
لم يعد المكان يتسع للإثنين..ثمة صورٌ مرعبةٌ تمر برأس منتظر، وهو يحاول الثبات على الأرض..متشبثاً ببقايا قوةٍ كي لا يسقط..مرتقياً حالةً من الهلع والخوف..ليست المشكلة بالنسبة له، إخبار العائلتين وليس نشر الخبر، فمثل هذه الأخبار تنتظرها الوكالات والفضائيات العالمية والعربية وحتى العراقية..لكن المشكلة..هي أين اختفى سلام؟. (ص 341).
-6-
حدث يشبه الصاعقة
السرد السينمائي في مثلث الموت
مثلث الموت لـ على لفتة سعيد رواية تحكي أحداثها مغامرة أربعة صحفيين وهم منتظر وسلام وأحمد وخضير؛ الذين ركبوا مغامرة البحث عن الخبر من مصدره؛ في ظروف سياسية خطيرة ومعقدة في العراق حيث القتل على الهُوية؛ بأوامر من رجال الدين الذين يفسرون الدين على هواهم ورجال السياسة الذين يصنعون الأحداث لمصالحهم الذاتية لنستخلص الحكمة الأخيرة وهي "لا تثق برجل الدين ولا السياسة" فالسارد يقول عن منتظر:" ولا يريد أن يكون كبش فداءٍ لانتقاده الحكومة بعدم حماية أرواح الناس من الخطف والقتل، في الطريق الذي شهد خلال سنوات ماضية عمليات قتل على الهوية ما لم تشهده الطرق الأخرى في العراق.(ص 337). والرواية في شكلها الأولي أكثر تعقيدا من حيث تركيبها الهيكلي، وهي تتعامل مع التجارب البشرية لرجل الدين والسياسة والإعلام من خلال سلسلة من الأحداث يقدمها عدد من الأشخاص في زمان ومكان معين، ولا يقف الحد على أن أحداثها متشعبة وكثيرة إلا أنها تقدم مواضيع عدة تعكس أنواعها والرواية مليئة بالحالة العاطفية، والدينية والتاريخية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية،... الخ، وبالرغم من واقعيتها على أحداث قد تكون تمت في العراق إلا أنها بطبيعتها وموضوعاتها قد تكون تنتمي كفن قومي للمنطقة العربية كلها، بمعني أنها من أبرز التعبيرات الفنية عن نضج الإحساس بالشخصية القومية العربية المتميزة. ولكن بالرغم من تلك الواقعية – في الزمان والمكان والشخوص والقضايا – وهذا ما قد اهتم به كثير من النقاد فتولوا تحليل الرواية في تلك الأبعاد ، بيد أن ما لفتنا في الشكل الفني للرواية هي اعتمادها على طريقة السرد السينمائي (السيناريو)، وما أحسب أن المؤلف قد حدد ذلك عن قصد فتجربة الإبداع في بعدها اللاشعوري منبثقة في جانب كبير منها من اللاشعور ومن الإلهام هذا بالطبع إلى جانب التخطيط والدقة والتنظيم ...إلخ .
السرد السينمائي:
تختلف التعريفات والمداخل التي تتناول لفظة ( السرد ) التي تمثِّل المحور الأساسي الذي تقوم عليه الأعمال الأدبية والفنية عموما .. وتحاول أن تصنع لها تعريفا محددا ودقيقا .. فمن الكتاب من يذهب إلى أن السرد عبارة عن ( الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يتعهد بالإخبار عن واقعة أو سلسلة من الوقائع ) أو أنه ( مجموع الوقائع والأحداث التي تُرتَّب في نظام أو توال سلسلة من المشاهد ) .. وكيف أن لفظة السرد ليس من الممكن أن تشمل غير المكتوب او المنطوق لفظيا كأن نُطلق على المَشاهد المصورة ( سرد ) فهو أمر خاطئ في نظر عديد من الكتاب الذين اعتنوا بنظريات السرد واصطلاحاتها .. فكلهذه تعريفات – أو لنقل محاولات – تحاول حصر المعنى الدقيق للفظة السرد في الأعمال الفنية ..
والسرد السينمائي هو مرادف لمعنى السرد في الفن .. فهو البناء الذي تصب فيه "وحدة الموضوع" أو "حبكة القصة" .. ومجموعة الإشارات التي تُترجِم الحركة المُتخيَّـلة إلى مجموعة من المَشاهد المكتوبة على صفحات السيناريو .. ففي النص الروائي – كما يثبت الكاتب السينمائي طاهر عبد مسلم – يكون التعبير الظاهري عن الأحداث والشخصيات قائما على مبدأين هما : ( المقروء ، المتخيل ) .. بمعنى أنه يعتمد على القراءة أولا لفهم المضمون ومن ثم التخيل لوضع الصورة الشكلية لهذا المضمون .. أما في النص السينمائي فإن ترجمة التعبير تكون ظاهرة في ركائز ثلاثة هي ( المرئي ، المسموع ، المتحرك ) .. بمعنى أن يكون التعبير عن الحدث ظاهرا في توفير الدلالة البصرية ( الصورة بكل أشكالها ) والسمعية ( الحوارات والمؤثرات الصوتية .. ) والحركية ( تفاعل الصورة مع المضمون والذي ينتج عنه شفرات ومدلولات المَشاهد والأحداث ) .. وهذا التطور الذي صاحب عملية كتابة السيناريو السينمائي وفصله عن عملية الإخراج وجعله مستقلا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به قد مر بمراحل عديدة .. حيث استمر النص السينمائي لفترة طويلة كمجموعة ورقات لا تـُكتب إلاَّ لإثبات خطوات الفيلم وأحداثه وحبكته القصصية حيث كان يخضع لمعايير الإخراج التي تعتمد على توفير الجمالية التصويرية .. هذا الأمر الذي بدأ – تحديدا – منذ السينمائي الكبير ديفيد غريفيث الذي ابتكر أساسيات اللغة السينمائية باعتماده على رواية القصص عبر ترتيب اللقطات والمَشاهد بلغتها التصويرية بدلا من الكلمات .. واستمر على ذلك رائد فن الجمال السينمائي الروسي آيزنستاين الذي كان ( ينظر الى السينما ليس كفـن درامي وإنما كفـن ملحمـي .. من حيث البناء الفني .. ومن هنا فانه كان ينظر للفيلم السينمائي ككل متجانس .. وبالتالي فانه كان يسعى للابتعاد بالفيلم السينمائي من ساحة "الأدب" وأشكاله الفنية .. واثقا بغنى " اللغة السينمائية" ) التي تخلق جمالية الصورة .. إلا أن النقاد والكتاب والسينمائيين الذين أتوا من بعده بدؤوا يدركون أهمية السيناريو السينمائي وأهمية تفرده بأساليبه السردية التي يجب أن تكون ظاهرة في بناء الفيلم .. إلى أن دخل الصوت في السينما فجعل السيناريو ركنا أساسيا لا يقبل الجدل .. حيث تفرد حينها بخصوصيته التي أصبح يقوم على أساسها الفيلم السينمائي ورغم ذلك التوافق – الضمني – بين النص الأدبي والسينمائي في تعريف السرد .. إلا أن عملية السرد في النص السينمائي تتميز على النص الروائي بالمساحات الشاسعة التي يمنحها النص السينمائي بجمعه لجميع الفنون الإنسانية ونقله لها من أُطُرها المعرفية التعبيرية الخاصةبها إلى كونها أدوات وعناصر تساهم في تكوين اللغة السينمائية .. بمعنى أنه صقلها وأعطاها شكلا سينمائيا ذا خصوصية .. مما منح عملية السرد مساحة حرة كافية لتشكيل كيفيتها وأشكالها بما يكفل لها الخروج بصيغة نهائية متكاملة .. ويثبت الفيلسوف اليوناني أرسطو ان الفن ليس إلا فعلا من أفعال المحاكاة .. حيث يحاكي الطبيعة والواقع الحدثي والإنساني وأوجه الحياة المختلفة .. وهذه المحاكاة – كما يثبت الناقد والمنظر الشهير أندريه بازان – تقف في السينما بين مطلبين رئيسيين :
الأول : تحويل المظاهر الاعتيادية في الحياة إلى مجموعة من الإشارات الجمالية التي تخلق منها قيمة شاعرية عبر رصف المميزات السينمائية كالتصوير والمونتاج والديكورات والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الصورة لغة تعبيرية طاغية
ملامح السيناريو:
تتجاوز الرواية عدد الكلمات 61431 وتقع في 341 صفحة وتضم 44 فصلا ، وكل فصل مقسم على الاقل على ثلاثة أو أربعة مشاهد لنكون أمام 160 مشهد كحد أدني ، وهذا الشكل الفني من التقطيع والمشاهد يصل بنا إلى أننا امام سيناريو فيلم سينمائي بلا شك.
وأما عن التصوير الفني لتلك المشاهد فيكفي أن نضع بعض المشاهد لتعذر ذكر الكثير منها لنرى كيف وصف المؤلف المشهد ليس كجزء من عمل أدبي روائي ولكن كسيناريوا وحوار بل وديكور وحركة ممثلين وموسيقى ..الخ من بقية أدوات السرد السينمائي .
ففي البداية مشهد أولى يقول المؤلف :" شمول: الوثيقة التي عثر عليها في دائرة الاستخبارات،كانت قد شكلّت ما يشبه الصاعقة التي أربكت كل الثوابت وجعلت الفوضى في الأفكار تدب في هيجان غير محمود..الوثيقة المكونة من خمس صفحاتٍ هي جزءٌ من ملفٍ مبعثرٍ كان قد حمله لأنه وجد فيه أسماء وعناوين وتقارير موجعة.. قال في حينها لعله يفيد في يوم ما حين يتعرف على من وردت أسماؤهم فيها) (ص 7). وبقية المشهد موجودة في متن الرواية لنرى فيه المكان والموسيقى والمؤثرات الصوتية ..الخ.
وهذه بداية مشهد اخر :" كانت الحديقة الطولية في نقابة المعلّمين التي تقع وسط المدينة قد امتلأت بالحاضرين..خليط من أدباء ومثقفين ومسؤولين سابقين وصحفيين ) (ص 9).
وهذا مشهد معبر عن حركة ومشاعر نفسية وتناقضات وجدانية :
" كان عليه أن يصلّي فجراً هذه المرة..شاكراً وحامداً ربه لأنه استجاب لدعائه وأنقذه من قتلٍ محقق..ورغم غمزات المسلحين من أنه توضأ ليصلى الفجر ربما لأول مرة في حياته.. وأنه لجأ الى الله حين كان في ضيق، إلّا أنه تركهم يصطفون في الباحة الأمامية يؤمهم أبو عبد الله فيما راح هو يصلي وحده في الغرفة، سابلاً يديه، رافعاً راحتيه المفتوحتين في نهاية الصلاة ليرتل الشكر..كان قبلها خائفاً ألّا يقبلون بصلاته ويعدونها مخالفة لهم وللدين فكان أسرع منهم ..مانحاً نفسه دقائق معدودة ليتحرك بحرية لم يعهدها منذ أكثر من 20 ساعة . (ص 323)
وها هو حوار مبكر لنجد الرواية في طولها وعرضها مليئة بالحوارات كأحد أدوات السرد السنمائي :
"كان سلام يرقب بعينٍ مفتوحةٍ وأخرى متفحصة كلّ هذه الجموع التي يراها..إلتفت إلى زميله منتظر الذي سبق له أن جاء إلى هنا، وهو يحاول إيجاد مكانٍ لترك سيارته،دون التعرض إلى الممنوع ويتم سحبها ومصادرتها من قبل الشرطة الراجلة أو سيارات النجدة أو رجال الحمايات المنتشرين في كل مكان.
قال منتظر :
-من الأفضل أن نضعها قرب سيارة النجدة.
اقترب من رجال الشرطة الجالسين بداخلها :
-السلام عليكم.
ردّ عليه ضابط المفرزة:
-وعليك السلام.
-أنا منتظر صحفي ولدي لقاء ومقابلة مع السيّد، وأريد ترك سيارتي هنا.
كان منتظر يقدم هويته الصحفية إلى الضابط ذي الرتبة الصغيرة الذي التفت إلى سلام هو الآخر:
-هل أنت صحفي أيضا؟
أراد سلام ممازحة الضابط فرد وابتسامة ساخرة تعلو وجهه:
-وما قولك أنت ..أليس في ملامحي ما يدل على إني صحفي؟.
لم يضحك الضابط وكأنه مجبر على التواجد هنا.
-أرجوك أخي نحن هنا نعمل لحمايتكم .
أطلق تأففاً..ثم قال بهمس سمعه سلام:
-لو أن كل رجل دينٍ أو مرجعيةٍ أو حزبٍ ينظم احتفالاً أو تجمعاً فلن نشهد الراحة أبداً.(ص 14).
وهذا شكل من أشكال الحوار السينمائي لنجد من خلاله تفاصل الصورة والحركة والمؤثرات المختلفة أيضا :
" لكن أحد شيوخ الدين وهو قصير القامة تطير عباءته المائلة إلى الاصفرار خلفه، ويطير التراب من حركة حذائه الخاص برجال الدين المغلق من الأمام والمفتوح من خلفه بما يشبه النعال..سألهما:
- (إنْتمْ صحفيين)؟
رد عليه منتظر:
-نعم.
-هل جئتما للحصول على البركة والمبايعة أم لشيء آخر؟
لم يبدأ بعد الإندهاش الكبير..وسلام يفكر بما يجري أمامه من هذه الأمور التي لم يدركها،ويتحدث عنها..خائفاً من مخاطرٍ تزداد كلما تحولت الأشياء من حالتها الطبيعية إلى شيءٍ مقدسٍ وحتمي،تصل إلى حد التضحية بالنفس.
قال منتظر.
عفوا شيخنا أنا أنتظر مجيء المصور وأطلب المساعدة في إجراء حوار أو مؤتمر صحفي لنبكر بإرسال التقارير إلى مؤسساتنا (ص 15 -16).
وهذه هو مشهد الختام السينمائي / الروائي تظهر فيه ملامح السرد السينمائي كاملة الشخوص والحركة والألوان والتعبيرات الوجهية مثل الخوف والهلع والترقب والمكان والأريكة وضيق المساحة والسؤال الأخير أين اختفى سلام؟ ليصبح سلام رمزا على اختفاء السلام في العراق :
"إلتفت المحافظ..رأى عينيه المتورمتين الحمراوين..كأن هرجاً ومرجاً تصارعا طوال الليل فأحال تجاعيد وجهه المعجونة بنعومة المسؤولية الى رجلٍ منهك..بانت لحيته التي لم يحلقها كما هي عادته يومياً..شاهد حزناً شديداً في عيني المحافظ..قال:
-لا أرى إلا خبراً حزيناً.
-بل قل كارثياً أيها الصحفي الهمام.
لم يرد عليه..لكن المحافظ واصل الحديث.
-أريدك أن تذهب الى المشرحة..وعليك تقع مسؤولية إبلاغ عائلتيهما..
سقط منتظر على الأريكة..لكن المحافظ لم يبال.
-مثلما نشرت خبر الإختفاء عليك نشر خبر العثور على جثتين واختفاء ثالثة.
لم يعد المكان يتسع للإثنين..ثمة صورٌ مرعبةٌ تمر برأس منتظر، وهو يحاول الثبات على الأرض..متشبثاً ببقايا قوةٍ كي لا يسقط..مرتقياً حالةً من الهلع والخوف..ليست المشكلة بالنسبة له، إخبار العائلتين وليس نشر الخبر، فمثل هذه الأخبار تنتظرها الوكالات والفضائيات العالمية والعربية وحتى العراقية..لكن المشكلة..هي أين اختفى سلام؟. (ص 341).
-7-
النسق الأوديبي في السقشخي
النسق الأوديبي في الكتابة الروائية أو الشعرية قصد به استلهام ملامح الأسطورة اليونانية "أوديب ملكا" واستدماجها داخل النص الأدبي تعد أسطورة (الملك أوديب) للمسرحي الإغريقي سوفوكليس تحفة فريدة في الأدب العالمي،وربما تكون أهم مسرحية وصلت إلينا من التراجيديات الإغريقية. وصفها أرسطو بأنها بلغت حد الكمال. وكانت قد عرضت أول مرة عام 425 قبل الميلاد، وتروي هذه المأساة أن كاهناً أخبر (لايوس) ملك طيبة، وزوجته (جوكاستا) أنه إذا وُلِد لهما ولد فسيقتل أباه ويتزوج أمه، وعندما وُلِد الابن (أوديب) قررت أمه جوكاستا أن تفر من المصير الذي تنبأ به الكاهن بأن تقتل الطفل وتقوم بتسليمه (أوديب) الى أحد الرعاة الذي كان عليه أن يترك الطفل في الغابة بقدمين موثوقتين بحيث يموت أو تأكله الوحوش، على أن الراعي أخذته الشفقة بالطفل وقام بتسليمه إلى رجل يعمل في خدمة ملك مدينة كورينث، وهذا الرجل بدوره يأخذ الطفل إلى سيده الذي لا ينجب ، ويتربى أوديب أميراً صغيراً في كنف ملك كورينث دون أن يعلم أنه ليس الابن الحقيقي لهذا الملك، و يخبره كاهن دلفي أن قدره أن يقتل أباه ويتزوج أمه، فيعزم أوديب على أن يهرب من هذا القدر بألا يعود أبداً إلى أبويه الذين ربياه صغيراً، بينما هو عائد من دلفي يدخل في صراع عنيف مع عجوز متغطرس على ظهر مركبة، ويفلت من زمام نفسه فيقتل هذا الرجل دون أن يعرف أنه قتل أباه ملك طيبة، وتقوده خطاه إلى طيبة وهناك كان السفنكس (أبو الهول) يفترس شباب وشابات المدينة ولن يكف عن ذلك إلا إذا وجد شخصاً يعرف الإجابة عن اللغز الذي يطرحه وهو" ما الشيئ الذي يسير أولاً على أربع في الصباح ثم على اثنتين عند الظهر وعلى ثلاث عند الغروب؟" وقد وعد شعب طيبة بأنهم سينصبون من يستطيع حل اللغز وإنقاذ المدينة من الوحش ملكاً ويزوجونه بأرملة الملك، ويغامر أوديب ويجد الجواب عن اللغز "إنه الإنسان". ويلقى أبو الهول نفسه في البحر وتتخلص طيبة من الكارثة ويصبح أوديب ملكاً ويتزوج جوكاستا التي لم يكن يعرف أنها أمه، وبعد أن حكم أوديب زمناً طويلاً بسلام تصاب المدينة بوباء الطاعون ويذهب ضحيته كثير من سكان طيبة ويكلف أوديب أخ زوجته ( كريون) بالتوجه إلى المعبد لمعرفةنبوءة الإله أبولو. ويبلغ الملك أوديب أن الكارثة ستستمر إلى أن يقبض على قاتلالملك السابق ويقدم للمحاكمة. ويعلن أوديب أنه لن يهدأ له بال حتى يقبض على القاتلالشرير ويعاقبه، غير مدرك أنه هو القاتل نفسه. ويطالب العراف ترياسيس بأن يكشف عما يعرفه من أمر ما تواجهه المدينة فيرفض العراف ويستشيط أوديب غضباً ويتهمالعراف بأنه متآمر مع كريون لإزالته من الحكم. ويعلن ترياسيس أن أوديب سيصاببالهلع عندما يكتشف حقيقة أبيه وزوجته وتحاول جوكاستا زوجة أوديب أن تخفف عن زوجها بأن تقول له إن النبوءات لا أساس لها وتقص عليه أن نبوءةظهرت في الماضي البعيد بأن ابنها سيقتل أباه ويتزوجها. وقالت إنها صرفت هذا الإبنبأن طلبت من أحد الخدم القضاء عليه منعاً لتحقق النبوءة وتحاول طمأنته بأن النبوءة لم يتحقق منها شيء ولا تدرك جوكاستا أنها فتحت بذلك باباً للحقيقة الرهيبة ويكشف العراف (الكاهن) ترياسيس أن الطاعون عقاب الألهة على الأثم المزدوج الذي اقترفه أوديب وهو قتل الأب والزواج من الأم ، ويعرف أوديب من الكاهن الحقيقة فيذهب ويعترف لأمه بذلك فتقتل نفسها ويقوم هو بفقأ عينيه ويصبح أعمى. وتنطوي المسرحية على العديد من الأفكاروالقضايا الفكرية والفلسفية فهي تبحث في الأخطار التي يواجهها المرء في رحلتهالطويلة على طريق البحث عن الذات وتبحث في مشاعر الذنب وتكشف عن طبيعةالقدر وتدرس العلاقة بين الفرد وقدره، فحرص أوديب على البحث عن الذات وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه – وكلها خصائص تتميز بها شخصيته – هي السبب وراء المواجهة مع قدره وهي الحافز في تحقق النبوءات. وتتيح لنا بنية العنوان في رواية (السقشخي([ () على لفته سعيد: السقشخي. الفؤاد للنشر والتوزيع . القاهرة . 2017.])) للروائي علي لفتة سعيد فرصة للولوج في بنية الشخصية, للارتباط الوثيق بينهما, كون هذه التسمية تطلق على من يسكن مدينة (سوق الشيوخ) في محافظة الناصرية, كونها اختصار لهذه الكلمتين, شأنها في ذلك شأن من يسكن بغداد فهو بغدادي, ومن يسكن البصرة, فهو بصري, ومن يسكن الموصل, فهو موصلي, ومن يسكن سوريا, فهو سوري, ومن يسكن مصر, فهو مصري. جاء ذلك على لسان بطل الرواية (ماجد), عندما كان يدرس ومن خلال سؤال وجه للطلاب عن التسمية الصحيحة لساكني (سوق الشيوخ), عندها نكتشف أن شخصية البطل من ساكني هذه المدينة الجنوبية الاثرية, الغارقة في القدم, ولكن الامر الذي يثير الاهتمام, هو أن المتلقي يتوقع قبل الدخول الى عالم هذا النص, بانه سيكون مع أحداث تدور داخل تلك المدينة, لكنه يتفاجأ بأن بداية الاحداث تدور في احدى الولايات الامريكية, بتفاصيل دقيقة تنم عن معرفة تامة بالحياة هناك, وقد اوكلت مهمة سرد الاحداث لبطل الرواية (ماجد), كونه المحور الاساسي والرئيسي للمبنى السردي, ومن الوهلة الاولى نشعر بالتصاق حميمي مع هذا البطل, الامر الذي يجعلنا نتواصل معه في رحلته هذه, وقد قطعت الاحداث الى محاور متعددة, تتناوب بالظهور, بشكل انسيابي, حيث نتابع ظهور البطل في امريكا مع زوجته زينب وهي من اصل لبناني([ () يوسف عبود جويعد : جذور الطين الحر في...(السقشخي) في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي . تحرير خالد مححمد عبدالغني . تحت النشر. ]),
ماجد/ أوديب :
تحكي الرواية عن ماجد الذي يواجه الخوف منذ طفولته وتربيته ألّا يكون في مواجهة القوة وأن يبحث عن الحياة في مسيرها الطبيعي.. ولكن كلمةً واحدة تقوده الى السجن مثلما قادته وهو طفل مشاجرة لم يكن فيها غير الخاسر الى مركز الشرطة أيضا.. ولأنه يكتشف إن البقاء في البلد أضحى محكوما بالضياع والخوف وترقب الموت في أية لحظة يهرب إلى الأردن ويلاحقه الخوف أيضا ثم يهرب إلى لبنان فيصادف امرأة لبنانية أمريكية جاءت لزيارة أهلها فيقعان في الحب لتبدأ رحلة أخرى إلى أمريكا حيث يتزوجها. وتبدأ هناك سلسلة أخرى من المتاعب والمآسي. ماجد ابن سوق الشيوخ هذه البيئة التي تحمل المتناقضات، ابن العائلة الفقيرة بالمال الغنية بالقيم، الذي عاش طفولة بائسة، ولكنها غنية بروح المرح والبساطة والذكريات الحلوة في مدينته، بين رفاقه وأقرانه من ابناء محلته، وزملائه في المدرسة، يكمل دراسته الجامعية، ويعين بعنوان (معلم جامعي) ليدرس التربية الفنية في احد مدارس المدينة، على الرغم من كونه يستحق ان يكون مدرسا في المدارس المتوسطة والثانوية، ولكنه يفتقد للواسطة وكونه ليس من ازلام السلطة، خصوصا وقد قررت السلطة وبأمر من القائد الضرورة تبعيث التعليم، فلا مكان لغير البعثي في سلك التربية والتعليم مهما كانت كفائتة ومقدرته ومكانته العلمية، فلا صوت يعلو على صوت الحزب القائد. نتيجة للفاقة وهزالة الراتب الشهري للموظف الحكومي في زمن الحرب والحصار، وفقدان الدينار لقيمته في السوق، مما اضطر اغلب الموظفين للعمل بعد الدوام الرسمي في مختلف المهن، كباعة متجولين، او سواق سيارات أجرة (تاكسي)، او باعة على الارصفة، وحتى العمل في الاعمال الشاقة كاعمال البناء...الخ . وقد كان ماجد احد هؤلاء حيث وقف خلف ( جنبر) صغير ليبيع الشاي في السوق على احد الارصفة !!! رغم ذلك فانه صار هدفا أحد اصحاب محلات بيع القمصان (سلمان ) ، ابن الحاج حصون ابو الصوف الذي كان يعمل وكيلا للأمن ويرفع التقارير الكيدية ضد من لا يعجبه و لا يسكت على تصرفاته الفجة وغير الانسانية، لان (ماجد) رفض ان ينجز واجبات ولده الذي كان احد طلاب (ماجد) في المدرسة، فقرر ان يعاقبه بتلفيق تهمة عدم الرضا عن الحزب والثورة والتعرض للسيد الرئيس بسوء، وكان له ذلك حيث اقتيد (ماجد ) لمديرية الامن، وتعرض لشتى انواع التعذيب والإهانة والإذلال بتهمة معاداة الحزب والثورة ...
وفي رواية "السقشخي" للاديب العراقي على لفته سعيد تتجلى ملامح النسق الأوديبي منذ عنوان الفصل الأول الذي حمل عنوان "الطالع" وكأنه القدر أو الحظ ف دلالته ، ويأتي بعد ذلك تفاصيل هروب ماجد من السجن بالعراق مثلما خرج أوديب من بلدته صغيرا فيقول: هربت من العراق في أول شهر بعد مغادرتي السجن ". وكان الخروج من المدينة االى البلاد المجاورة - من العراق للأردن ثم لبنان ثم أمريكا والعودة للعراق - مثلما خرج اوديب من المدينة "طيبة وعودته إليها فيما بعد الرحلة ليكون المصير يقول ماجد: لحظة الهرب من العراق كانت قصةً رهيبةً مع رعاة غنمٍ أوصلوني إلى الحدود العراقية الأردنية.. هناك البدو يحفظون عن ظهر عقولهم، لون الرمال ويخيّل لي أنهم يعلمون عدد حبات الرمال في الصحراء، وعدد الصّخور والوديان في الطرق التي تصادفهم وفيها عشب لأغنامهم. تحت ظلّ شجرةٍ تائهةٍ أجلسوني هناك مباركين لي نجاح إدخالي إلى الأردن وعلي أن اجتاز المسافات الجديدة ومبالغ جديدة لكي يوصلني أحد الشباب إلى السّاحة الهاشمية في الأردن ويدفعه القدر للجلوس في المطعم في لبنان ليتعرف على زينب ويحبها ويتزوجها فيقول: كنت ساهما في احد المقاهي في شارع الحمرا ..أخاف من رؤية أية شخصية عراقية قد تعرفني .. وكانت هي تجلس وحيدة ..ومثل قدر لا نراه إلا في المخيلة ابتسم أحدنا للاخر وربما الوقت الطويل الذي أمضيناه جلوسا منفردين أوحي لبعضينا أننا في مأزق حياتي " . وتكون زينب فيما بعد دليله للدخول إلى أمريكا، مثلما دخل اوديب طيبة بعد ان حل اللغز، دخل ماجد أمريكا بعد زواجه من زينب، ومثلما أسلمت جوكاستا ابنها للقدر عندما هربته خارج المدينة طفلا ، تقود زينب ماجد الى برج التجارة بسيارتها ليتم اتهامه بعد ذلك بالضلوع في تفجير البرجين، ولعل ماجد يدرك في اعماقه المصير والنسق الأوديبي حين يقول: فأنا أعرف هذا الحظ التعيس الذي يلاحقني في أي مكان أكون فيه..لا فرحة تكتمل إلا بمضايقة او اختناق الحزن لمفاصل العمر" . ومثلما كان الكاهن ترياسيس ذلك العراف الذي لديه النبؤة والمعرفة طوال الأسطورة، كان في السقشخي يونس خال ماجد ذلك الرجل الشيوعي المثقف الذي لديه المعرفة والنبؤءات أيضا فيقول ماجد عنه: ولكن كيف لها أن تقتنع أن خالي يونس هو من زرع في رأسي أن في هذين البرجين يكمن كل شيء أقتصاد وقدر ليرسم العالم". نلاحظ أنه حتى في ذكر يونس تصاحبه كلمة القدر أيضا - فهو الشيوعي كالنبي الذي بقى حيا في بطن الحوت ولم تتمكن منه قوى الطغيان - ، ويتم القبض على ماجد لمجرد مصادفة وجوده وتصويره لتفجير البرجين برغبة داخلية "دفينة" من حب الاستطلاع والمعرفة مثلما كان أوديب يعاقب على حب المعرفة وبحثه عن أصله ومكان عائلته – المعرفة بشكلها الرمزي - فيقول ماجد : رفعت رأسي وبلا شعور كانت الكامير بيدي وانا اصور لحظة ارتطام الطائرة ..باحثا عن فسحة أكبر من نافذة السيارة ..وثمة خفقان كبير يضرب صدري ويجادل لحظة الانغماس في شعور الاطلاع والرغبة في معرفة الاشياء التي حولي ..نزلت من السيارة لأري المشهد كاملا في الاتجاه المستقيم للشارع المؤدي الى المأساة وبهذا أدت الرغبة في المعرفة إلى التمهيد للقدر كي يقوم بدوره في معاقبة ماجد وأديب معا، وعند التحقيق معه في أمريكا يرد ماجد على المحقق في الحوار التاليبما يؤكد دور القدر في معاقبته: ماذا كنت تفعل بالقرب من مركز التجارة العالمي ولماذا تصوّر؟ صرخت مثله بدون وعي: الصّدفة، أنا مرهونٌ لها.. الصّدفة مرهونةٌ لأمثالنا نحن الجنوبيين.. الصّدفة سيدي أن أكون لحظتها هناك.. وأن يحدث الإنفجار الرّهيب الذي قتل الآلاف، صدفة أقسم بربّ المسيح ومحمد وموسى، أنها صدفة ليس إلّا.. ألا تؤمن بالصّدف والقدر والمحتوم؟ نحن من حضارتنا السومرية والقدر يلعب معنا والحظّ يُمسك بتلابيبنا..".
العودة للوطن:
مثلما عاد أوديب لوطنه بعد رحلة غيابه لتتحقق ملامح المأساة لديه بقتل أبيه والزواج من أمه وفقأ عينيه ليصبح الوطن غاية في السوء فيهيم على وجهه في الصحراء حزينا ، يعود ماجد للعراق ولمدينته ( تخيلت ان الدهشة ستكون رفيق دربي وهي التي تعقد لساني وأخاف الوقوع في بئر غارقاً بالحسرة والأسف, وأصّدق قول زينب التي اشتقت لها كثيراً إنها كانت على حقّ من أن المتغيرات التي حصلت في العراق, لن تكون متاحة لواحد مثلي.. كنت أخاف أن أجد الجميع وقد صار مثل النائب ضابط حنون.. الشرطة المرتشون وحرّاس شعبة الحزب والرفاق البعثيون وكتاب التقارير هم الآن يقودون المسؤولية بوجوه ملتحية.. خفت أن اجد بائع القمصان إمام جامع بعد ان قدّم الولاء الجديد.. فتخيلته كيف يئم الناس بالصلاة وبتقدمهم في المواكب .)ص 188 وهكذا وبعد رحلة العذاب والاعتقالات والخوف, وبعد التغيير, يجد بطل هذا النص, وبعد عودته, أن الحال سار من سيء الى اسوء, وان الحياة داخل هذا البلد تشعبت حتى خلت من الملامح الواضحة, وصار للحياة فيها وجوهاً كثيرة, - فالحياة الاولى وهي حياته بين اهله واصحابه وابناء بيئته والتي ظل متمسك بها ومرتبط بها كونها الجذور التي يستمد منها وجوده كما هي حياة اوديب في موطنه الأصلي ، والحياة البديلة:- وهي هروبه الى الاردن ثم الى لبنان ثم الى امريكا وقد اراد لها ان تكون بديلة الا انها لم تحقق ما يريد وبقي وجوده دون ملامح وهي حياة أوديب في المدينة التي تربى فيها وكبر وترعرع وقد أرد بعد ذلك ونتيجة للبحث عن هويته أن يعود لموطنه الأصلي. والحياة في مدينته بعد التغيير وقتل الأب – صدام حسين - :- والتي وجدها تغرق في بحر من الظلمات وتسودها حالة لم يكن يألفها من قبل وتشوبها الفوضى والتخبط وتحكمها اطراف دينية متبارية .
زينب/ أنتيجون:
زينب في الرواية هي شخصية محورية وذات تأثير فاعل في الحدث الدرامي وذات دلالة عميقة لما يمثله هذا الجانب الغريزي للشرقي بصورة عامة وللجنوبي بشكل خاص ذلك الحياء المتأطر في تقاليد العفة تتنازعة الرغبة والانسحاق في سبيل الوصول اليها بالشكل الذي يرضي جميع نوازعه ،فهو يؤمن بالحلال والحرام، ويؤمن بالعفة والعفاف، ويؤمن بالرغبة الجامحة التي تجتاحه عند رؤية الجمال، فالجنوبي عاشق للجمال فهناك الغناء والموسيقى وحتى الطفل يتكلم شعرا ،ونشيج النساء غناء .
في بيروت قادته الصدفة للقاء والتعرف باللبنانية العربية الامريكية الجنسية الفتاة الجميلة ((زينب ))، حيث يجد ((ماجد)) في زينب الحلم الذي لا يمكن ان يتخيل تحققه في يوم الايام ضمن حياة الخوف والحرمان ، ((زينب)) الجمال والثقافة والرقة والحب حد الذوبان، خلبت لبه وهيمنت على قلبه ، بأنوثتها الباذخة وعطشها للحب والأمان والجنس والصدق في العلاقة، هذا الذي لم تجده في امريكا وجدته في بيروت في شخصية عذراء تدعى ((ماجد))، فكانت تلك السفينة او ذلك اليخت الباذخ الرقة والجمال، او تلك الحورية الساحرة التي انقذت غريق تلاقفته امواج بحر الحياة الهائج المليء بأسماك القرش المتلهفة لازدراده وتقطيعه اربا، الماء الكوثر العذب الذي روى ضمأ عطشان كادت تقتله ملوحة الماء الاجاج الملوث بكل قاذورات الارض ووساختها ...
كان الحب متبادلا، توج بعقد الزواج الشرعي، ومن ثم الانتقال الى بلاد العم سام حيث تمثال الحرية الذي تفتخر به الامبراطورية الامريكية حاملة لواء الديمقراطية وموقدة شعلة الحرية لكل شعوب الارض كما تدعي... تستقبله ((زينب)) ووالدتها بترحاب كبير ومودة واحترام، أحس بالأمان فهو الان تحت ظل تمثال الحرية وحماية العم سام، ابهرته عمارات وناطحات السحاب، الأسواق والأنوار التي لا تطفأ، المدن التي لا تعرف السبات، الحركة التي لا تتوقف، مما جعل ماجد يفكر في استكشاف هذا البلد العجيب، ناسه، معالمه الكبرى، كيف تعيش الناس، حرية الحركة والتجوال والاستكشاف ليعوض عن كل حياة الكبت والممنوعات في بلاده، وما جاورها، فكما هي القبلة مسموحة وبلا حرج وسط شوارع وساحات وحتى في وسائط النقل او المطاعم، تكون كل تطلعات الانسان مسموحة، حبه للاطلاع، وفضوله في الاستكشاف، ورصد حياة الامريكان بمختلف اعراقهم وأديانهم ومعتقداتهم، فأراد ان يشبع هذا الفضول بالاطلاع على برج التجارة العالمي الشهير ([ ()حميد الحريزي :السقشخــي معاناة العراقي بين الدكتاتورية والـ(ديمقراطية). في كتاب على لفته سعيد وعالمه الروائي. تحرير خالد عبدالغني . تحت النشر.
]).
ومثلما كانت انتيجون ابنة أوديب هي الملاذ والأمل والعون على رؤية الحياة والعيش فيها كانت زينب بالنسبة لماجد فهو دائم التفكير فيها وعميق الارتباط بها فيقول :"كنت أحاول الإسراع للوصول الى البيت.. ثمّة شيءٌ ما ينغصني وثمّة خيط يطاردني يصرخ لإخافتي, كأنه نباح كلاب ضالة.. أفكر أن زينب هناك تنتظرني.. ربما أتأخر كثيراً في العودة إليها.. فوجه ناصر يشير لي أن الخطوة الاخرى لن تكون سهلة أحاول أن اختفي.. لأعود الى ذلك القدر المشؤوم الذي يلاحقني انى ذهبت ويرسم لي قضباناً تمنع عني الشمس ردحاً جديداً"، وهنا في هذا المقطع السابق نلاحظ سيطرة القدر لى حياة ماجد مثلما سيطر القدر على حياة أوديب فكلاهما تحركه الأحداث ويذهب به القدر كل مذهب.
ولكن الرواية كما رأينا في بعدها الرمزي والتحليل النفسي تكشف عن مفهومين كبيرين هما النسق الأوديبي كما لاحظنا، واسقاط ذات المؤلف على شخصية ماجد بطل الرواية، وأيضا في بقية الأعمال الإبداعة الأخرى له. وكأنه يحكي عن معاناة الشخصية العراقيية الجنوبية – المؤلف - ويرشدنا على ذلك الإسقاط للذات ذلك الحوار الذي أجراه خالد مهدي الشمري مع المؤلف على لفتة سعيد حيث يقول فيه :
" ولد في مدينة سوق الشيوخ يتيم الأم منذ السنة الثانية من العمر، غرس والده "شاعر الأبوذية" فيه الحنان والثقافة وترك له الخطوط الأولى في مسيرته الأدبية، خط أول كلماته في المكتبة المركزية، وكتب أول قصيدة عن الموت مثلما كتب أول قصة من جبهات القتال عن الموت أيضا، وكتب أول رواية (وشم ناصع البياض) عن الموت، وكتب للمسرح (المئذنة) عن الموت كذلك و كتب ثلاث كتب في النقد.
-8-
التطبيع الاجتماعي وصناعة الشخصية الانتهازية في رواية
البدلة البيضاء للسيد الرئيس
تلخص لنا نهال القويسني الرواية بقولها :" إن الرواية تقدم نموذجًا لشخصٍ منذ طفولته وصباه حتي تمام نضجه ورجولته . ومنذ بداية قراءتي للكتاب شعرت أن الكاتب قد أقدم على مغامرةٍ كبيرة، حين اختار أن يجيئ السرد على لسان طفلٍ صغير يتيم، حيث أوكل إليه مهمّة السارد العليم. وقد استغرق هذا السرد نصف حجم الرواية تقريبا. ، حيث تجري الأحداث ووصف الشخصيات والأماكن بعيون ووجدان ومشاعر طفل صغير. وما أدراك ما وجدان الطفل، يرى العالم من حوله بعيون براءته وإدراكه الفطري، ومخاوفه وتوجّساته. كل ذلك مع ألم اليتم وفقد الأم نتيجة المرض العضال، الناتج عن الفقر وسوء الأحوال المعيشية. ببراءته الطفولية يعاني من قسوة زوجة الأب، وضيق الحال وقلة حيلة الوالد، الذي يحنو عليه ويتولّاه بالرعاية قدر استطاعته، بعد عودته من عمله الشاق الذي أثر على صحته وحياته. ويلفت نظر القارئ تلك المقاطع التي تشير إلى صور الزعماء بالبدلة البيضاء على حائط مدخل الدار، ومحاولة الأب تلقين ابنه نظرة فخيمة للزعماء تقترب من التأليه. وهنا ننتبه إلى نظرة البسطاء للزعماء والقادة، ومدى قناعتهم بالقدرة الفائقة لهؤلاء على القيادة وحسن تسيير الأمور، وكأنهم من طينةٍ غير باقي البشر، ويقدرون على ما لا يقدر عليه الآخرين. طفل مقهور صامت طوال الوقت بناء على نصيحة والده، (أليس هذا حال معظم مواطني إقليمنا) يضع رأسه بين ركبتيه ويبكي لساعات طويلة، او يتأمّل السفن والمراكب ويتمنّى السفر على ظهر إحداها، ويتنسّم الهواء على شاطئ الفرات. لا أحد يشعر به أو يهتم بأمره. مقهور بظروفه التي وجد نفسه فيها، بيتمه الذي كُتِبَ عليه، بفقر والده وضيق الحال وصعوبة الحياة.
ويشير حسن الموسوي في قراءته بقوله :" بداية سوف ادخل لقراءتي النقدية لهذه الرواية عن طريق العنوان ( البدلة البيضاء للسيد الرئيس )، فالعنوان هو عتبة نصية او نص موازي وهو المدخل الى المتن السردي، و يعرف العنوان ( على انه مجموع العلامات اللسانية ، كلمات مفردة ، جمل، التي يمكن ان تدرج على رأس نص لتحدده و تدل على محتواه العام و تعرف الجمهور بقراءته) و يتألف العنوان في هذه الرواية من مقطعين هما : البدلة البيضاء، و البياض هنا يعني النقاء ولعل هذا ما ينقص مدلول بطل الرواية الذي عاش في بيئة لا نقاء فيها وهو بحاجة لهذا النقاء من اجل مواجهة المجتمع الذي بدء يحتقره نتيجة السلوك المنحرف لزوجة ابيه و التي كانت تتردد على الأسواق كثيرا و تقيم علاقات غير شرعية مع العديد من الرجال في السوق و في مطحنة المدينة و عدم قدرة الأب الذي يعمل في معامل الطابوق و المغلوب على أمره في السيطرة على زوجته الشهوانية . السيد الرئيس و هو رمز للسلطة و القوة ، هنا تبلورت شخصية مدلول الباحث عن النقاء و السلطة لمواجهة قهر المجتمع و نظرته الدونية له و من ثم الإندفاع نحو العاصمة بغداد من اجل طي صفحة الماضي في مدينة لا يعرفه فيها أحد و من ثم الحصول على القوة و السلطة .
ثم يقول عبدالنبي فرج عن البدلة البيضاء للسيد الرئيس :"في هذه الرواية الشخوص تقف على الحافة، وكأن ليس لدية قدرة على دفع ثمن التورّط العميق، فهم ليسوا أحياء ولا أموات، ليسوا فاسدين تماما، ولكن لا يتمتّعون بالنزاهة، فزوجة الأب الذي تعيش حياة البؤس مع زوج لا ترغب فيه وفيه رائحة القذرة وتريد أن تستمتع بالحياة لا تتطوّر في علاقة جنسية كاملة ولكن تسمح بكلمات الغزل والنظرات والتحرّش البسيط. أم ساهي عاد زوجها بقدم مقطوعة وعاجزا جنسيا ثم يموت بعد ذلك ليتركها وهي فائرة ولديها رغبات جنسية مجنونة، ورغم ذلك لا تتورّط في علاقات خارج المنزل، تظل طوال الوقت منشغلة بالجنس والكلام الجنسي، ثم تجد ملاذها في استغلال الراوي الطفل جنسيا بشكلٍ سطحي وتتلصص عليه في الحمام. والراوي نفسه يعمل في دولاب الدولة الفاسد باعتباره ترس صغير مجد، ولكن تظل هناك دائما منطقة لا يستطيع تجاوزها.
ويعتبر حمدي العطار هذه الرواية التي تحمل اشتغالات نقدية متنوعة وعميقة تمكن الروائي من بناء شخصية قلقة تمثل ما مر فيه العراق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتوفق كثيرا في بناء المشهد السردي المتنوع الايقاع لتأتي الخاتمة قمة في الابداع (صار الحنين يجرني ، ولا أعلم أن كان هروبا أم محاولة لغسل الذنوب…وبعد أن شاهدت الشباب وهم يحرقون جدارية صدام. وثمة هلع واحتدام وتدافع، حتى أن حقيبتي الصغيرة تمزق غطاؤها وكادت تسقط من كتفي. صعدت على كتف أحد الشباب من الجيل الجديد، وهتفت: ( بالروح بالدم نفديك يا عراق).
في حين يقول أحـــمَـــد الـمُــــؤذّن :"الرواية شاهـدة على عـصرها كعمل روائي وثــق لمختلف تحولات المجتمع العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بحرب غـزو الكويت وما تلاها من أحـداث عاصفـة مع اطباق الحصار الدولي بما يتناسب والأجندات الأمريكية التي أرادت آنذاك تدمير مستقبل العراق وهو ما تـم فعـلا، الجميع يعرف بقية التفاصيل وما حصل، لذا فإن الكاتب، وضع في المتـن إشارات تدلل على تدهـور اللحمـة الاجتماعيـة والإنسانية داخل بنية المجتمع العراقي الذي صار يدفع أثمان باهضة من مستقبله وحاضره وأمـنه ورفاهيته وقد أكتوى بديكتاتورية حــزب البعث التي زجت بالعراق في الجحيم حيث تحولت محافظات الجنوب لخزان بشري لا ينضب وبمثابة وقــود للحـرب.
وتقول عبير العطار الحرب صنعت خللًا في تركيبة السكان فترمّلت النساء مبكّرًا جدا والأطفال كثر، صاروا أيتامًا وقهرت نفوسهم منذ حداثة العمر، فماذا تصنع إذن النساء بشبابهن إذا ما غاب الرجال للعمل المقيت أو غيبهم الموت من الحرب أو رجعوا بعاهات لا شفاء منها؟ المبدع في روايته جلّ همّه العراق والشعب العراقي وما آلت إليه النفوس التي أثقلت كاهلها الحروب حتى وإن غاب مدلول بطل العمل أكثر من عشرين عاما.. وقد عاد شخصًا آخر تعلّم كيف يكون الاقتراب من السلطة ويضع كلمات خاله في ذاكرته باستمرار: "لا تكن في موضع من يعض اليد، كن معهم لتكون في موقعك الأعلى"
وتقول فاتن فروق عبدالمنعم :" صورة الرئيس صدام حسين معلقة ببدلته البيضاء، وضعها والد مدلول في مدخل البيت، الرئيس بالبدلة البيضاء وصدر والد مدلول أحرقه النفط الأسود، الرجل يرتدي البدلة البيضاء في الاحتفالات الخاصة جدا مما يدل على الانفصام الكامل بين صدام حسين وشعبه الذي أحرقه النفط الأسود، الكاتب يريد أن يقول أن البترول سبب نكبة العراق أو قل أنه سبب نكبة العرب كلهم، أحرقهم وأفسدهم، وأنشأ حياة رأسمالية طاحنة أحالتهم إلى كائنات تتراوح بين كائنات حية معذبة وتروس تحترق آيلة للإنهيار في أي وقت، في ظل ديكتاتورية صدام حسين وحزب البعث الذي خلف شعب خائف سواء انتمى للحزب وبلغ مرقى القمة فهو محاصر بالخوف أينما كان، القمة في هذا الحزب تعني أن يكون الفرد مراقب طول الوقت، أو لم ينتم إلى الحزب هو أيضا في خطر ماحق. مدلول يقولون عنه في الحي الذي يسكنه أنه ابن الخطيئة تربّى بين قحبتين، زوجة أبيه التي تخاف على نفسها من والده المصاب بالسلّ، وصديقتها أم ساهي الخياطة التي تذهب لتبتاع احتياجاتها من صيهود فيكتفي منها بالتعري ليرى منها ما يجعله يعطيها مشترواتها بنصف السعر وأحيانا مجانا، كأنهما يتخلّصان من الرمضاء بالنار فينتهيا إلى لا شيء يذكر أو بلوغ فعل مادي يشبع الأجساد الجائعة.
وترى عبير عبدالله أنها رواية مؤلمة كطلقة نار في قلب ضمير الإنسانية، صدق موجع على قلة صفحاتها الـ 155 تنير الطريق لمن يريد أن يفهم ويعي ويدرك أو يصدم من يقرأها للمرة الأولى بحقيقة الحياة وخبايا بعض النفوس . يحكي على لسان السارد العليم أو على لسان البطل مدلول طفلا ورجلا مكتمل الرجول في الثلاثين من عمره تقريبًا . يهتم بالمتلقي ويخاطبه، وكأنه يحكي له ببراءة وخفة دم تارةً وتارة أخرى بوجع حكيم عرك الحياة وفهمها بما صنع هو من أجله ، ويدور بينهما حوار ص 76 / 75 (أحاول جاهدًا أمامكم أن أرتب خطواتي وفقرات ذكرياتي، لأني أعلم أن بعضكم سيترك الحكاية ويمسك بشيء هنا أو هناك ويقول لم أفهم شيئًا أو أنك تتعمد طريقة الحكي المتقافزة، اسمعوا ما أقوله وعليكم ربط التفاصيل التي ترونها مناسبة لكم في معرفة الغايات). استخدام الرمز ص 76 (صورة البدلة البيضاء التي أحملها معي أينما أذهب، تلبية لما أوصاني به أبي). وهي صورة غلاف الكتاب التي يتخذها أملا وهدفًا وإشارة أيضًا لتأييد الكبار وأنه على العهد معهم لشدة خوفه. وهذا أدى إلى أن تلتقط له الصورة التي غيرت حياته وزادت مراتبه ،وفيها تظهر شدة انحنائه وتذلـله الواضح للرئيس صدام حسين.
يبدو أن الذين كتبوا عن هذه الرواية دارت رؤاهم حول الانطباعية منهجا فهم فيما نحسب أدباء وكتاب قرأوا الرواية بعين الابداع أو الايديولوجيا ولكنهم لم يجيبوا عن أي من تساؤلاتها الكبرى التي تدور حول لماذا تم تطبيع وتنشئة مدلول على هذا النحو؟ وهل كان من الممكن أن يكون على نحو آخر من الانحراف.؟ حيث تتّضح معالم شخصية البطل (مدلول) شيئاً فشيئاً.. اليتم والفقر والحرمان والمأساة التي ترافقه منذ وفاة أمه وزواج أبيه من شكرية التي كانت تفرض سيطرتها على العائلة ولا يستطيع الأب فعل أي شيء، وكان دائماً يوصي ولده مدلول (وليدي.. من تصادفك ريحْ قويّة انْحِني لها لأن إنتَ بلا ظهر.. من تْشوف روحك ضعيفة إسْكت) ص23.
كما كان الأب يوصي مدلول (خلّي عينك بالصورة.. بحلق بيها كل يوم, إذا رِدِتْ تتْخلّص من الماضي) ص54. ، لولا ظهور خاله في حياته ، هذا الخال الذي رأيناه من قبل في رواية السقشخي "يونس" الذي كان امينا ومساندا ومربيا لـ"ماجد" وما علاقة تلك الخئولة الطيبة بالمؤلف على لفتة سعيد نفسه والذي لا استبعد وجود الخال في حياته على نحو طيب يستطيع ان ينبئنا بذلك فيما لو كتب سيرته الذاتية ، تقول نهال القويسني :"ويأتي موت الأب ليكمل المشهد الدرامي المأساوي في حياة الطفل الصغير بطل الرواية، ليجد نفسه وقد فقد كلّ شيء وأصبح في يُتمٍ مزدوج. ويظهر الخال خلال مراسم العزاء، ويتساءل الكل بصورةٍ فيها قدرٌ كبيرٌ من التوجّس والريبة، عمّن أخبره وكيف علم بالخبر، ولم أتى بعد كل هذا الوقت. ويبدو أن هناك تاريخًا خلف غياب الخال قبل ظهوره ذلك اليوم، وإن لم يفصح الكاتب عن ملابسات ذلك الغياب واكتفى بتساؤلات أهل المدينة وتعجبّهم من ظهوره بعد كل هذا الوقت. قد لعب الخال دورًا محوريًا وجوهريًا في تحوّل مسار حياة الطفل. فقد تعهّده وزوجته بالرعاية والتوجيه، وأتاحا له فرصة استكمال تعليمه، الذي حرم منه نتيجة نزاع له مع أحد أقرانه تسبّب في طرده من المدرسة، كما ارتأى كبراء العشيرة في المنطقة. في إشارة واضحة لغياب القوانين الوضعية وإنفاذ العدالة بصورتها المعاصرة. ويبرز بطلنا مدلول مُظهِرا نبوغًا ومهارات تواصل عالية، مكّنته نتيجة دعم وتوجيه خاله، إلى جانب نقاشات واجتماعات المثقفين على المقهى، التي كان يحضرها ويستمع إليها في إنصات، إلى تحقيق نجاحات كبيرة في العمل السياسي والحزبي، يبرز صاحبنا ضمن الكوادر الواعدة ويبذل كل ما في وسعه ليتقرب من السلطة وشخوصها، وينجح ويتقدّم وينجرف، ويصبح من أصحاب الكلمة المسموعة. ويظهر الخال مرّة أخرى في لحظةٍ فارقة، ليوقظه من غفوته ويحاول إعادة الاتّزان لحياته، ما بين طموحاته ونجاحاته وأهدافه وقيمه ومبادئه. وفي الحقيقة إن شخصية الخال هي واحدة من تلك الشخصيات التي أبدع الكاتب في تصويرها. فهو واحد من أولئك الذين عاشوا وتربّوا وتشكّل وجدانهم في جيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي. جيل الأيدولوجيات الكبيرة والأفكار الإنسانية الطموحة، ومحاولات تحقيق العدل الإنساني، وإتاحة الحرية وفرص الحياة الكريمة لكل البشر على قدر سواء. جيل آمن بالقضية وعاش في ظلال تلك الأفكار مقتنعا بها ومناضلا في سبيل تحقيقها، مقدما تضحيات كبيرة في سبيل ذلك، وصلت إلى حد التضحية بالحياة ذاتها. يظهر الخال ظهوره الثاني الحاسم والفارق للمرة الثانية في حياة بطلنا "مدلول"، بعد كل هذا المشوار الطويل من الألم والمعاناة والكفاح والاقتراب من تحقيق الأحلام والطموحات. يتحدّث إليه حديث المُعَلِم المُرشِد والقدوة والوالد، فيطرح أمامه تساؤلات عن هدفه وغايته وطريقته في الانبطاح أمام السلطة للحصول على مكاسب شخصية، والتخلّي عن المبادئ والأفكار التي ربّاه عليها وحاول ترسيخها في وجدانه. في البداية يظن مدلول أن خاله يغار من نجاحه، خاصة حين قال له "أخاف منك". قد فاته أن الخال يعني أنه يخاف عليه من نفسه وطموحاته التي جرفته إلى طريق الانبطاح أمام السلطة كسبيل للوصول". ثم يقول غانم عمران المعموري عن الخال :"خاله الذي كان له الفضل الكبير في وصول مدلول إلى مراتبٍ عاليةٍ في حزب البعث ولكنه كان كثير التحذير لمدلول أن لا يكون عبيد لهم حتى قال له (من يصل إلى هذه المكانَة في ظَرف قصير فهذا يعني إنه يعمل أي شي حتى لو كانت القوادَة نفسها) ص127.. كما ذكر خاله في أحد زيارته لابن أخته (مدلول) إلى شقته في بغداد الكرادة (أخاف أن يُسجّل كلامي.. ربما هناك من وضع جهاز تنصّت في الشقّة.. لا تستبعد هذا يا مدلول) ص125.وهذا دلالةً على زمن الخوف الشديد من بطْش السلطة وقوتها آنذاك وسيطرتها التامة على الشارع العراقي.. ولماذا انحرفت شكرية وأم ساهي ؟ وهذا الانحراف الجنسي لزوجات جنود الحرب موجودة في رواية "الصورة الثالثة ومزامير المدينة وفضاء ضيق" فما الفارق بينهن؟ فالانحراف هنا مع طفل صغير أدخلاه عالم الرجولة مبكرا معتدين على براءته ": ليدخل الولد في صراع نفسي جنسي مع كل حركة لـ(أم ساهي) وقيامها بحركاتٍ مثيرة حتى وصل بها الحال أجلسته على فخذيها العاريين، ذلك اليتيم الذي يخشى زوجة أبيه وسطوتها.. أخفى الكاتب الشخصية الرئيسية في الرواية مجهولة رغم التنويه عنها كونه ولد يتيم الأم ويعيش مع زوجة أبيه الذي يقضي معظم وقته في الطين والنفط الأسود والذي طالما يكون موضع اشمئزاز وسخرية من زوج أبيه.
وهكذا تم صنع الانتهازي المتملق للسلطة بديلا من المنحرف جنسيا فذلك الطفل الذي دخل عالم النساء مبكرا ما كان له أن يكون قديسا ولكن الأنا الأعلى كبت تلك الرغبات المبكرة وأزاحها باتجاه السلطة وحب المتسلطين حتى صار كما يقول :" في خضم اختلاط الأشياء وتشابكها، سمعت صوتًا ينادي .. هل أنت مرتاح الضمير والبال، حيث يموت شبابنا في الحرب وأنت تهتف للحكومة وتتملّق لها وتنفذ ما تريد وتشارك في عذاب الناس؟ هل أنت مرتاح الضمير وكلّ الذي يجري من إعدامات لكلّ من يتنفّس أو يعبّر عن رأيه وأنت لم تزل واحدًا من أعوان النظام ؟ إلتفتّ الى مصدر الصوت فداهمني صوتٌ آخر من خلفي .. هل حقّقت ذاتك بتقرّبك الى السلطة لتعيش منافقًا، هـاتفًا بـحياة مِـن يـبحث عن مـجدٍ وأنـت بلا مجد ؟ إلتفتّ الى الصوت فداهمني صوتٌ آخر من جهةٍ أخرى .. هل ستكون في منأى عن الكراهية إذا ما طالت الحرب وقتل أناس فيها وترمّلت نساء ويتّم أطفال ؟
ما هذه الأصوات يا إلهي .. وأنا المسكون بمعرفة أني لم افعل شيئا لأني غير مشاركٍ في صنع أحداث العراق .. أنا أعمل في الجانب الثقافي أرتّب اللقاءات واحضر الندوات وأساهم في كتابة التقارير الثقافية وأراجع لغتها .. نعم تطوّرت كثيرًا وصرت من الناس الذي يعتمد عليهم في أسرار الكتابة الثقافية والتي أنشد منها أن أكون من يراجع كتابات السيد الرئيس، والـحلم الـذي يـطوّقـنـي أن أطـلب منه إذا ما التقيته أن يرتدي البدلة البيضاء، وأن يضع ربطة عنقٍ حمراء .
ويعود مدلول للمدينة في النصف الثاني من الرواية وقد صار رجلا ليقول:" عدت الى المدينة بعد هذه الغربة التي ذكرت زمنها .. المدينة لم تتغيّر كأنها مصمّمة على ألّا تتغيّر كي تحفظ للناس ذكرياتهم وأماكن تنقّلاتهم وعشقهم ومحبتهم وروحهم .. فقط بضعة بيوتٍ جديدةٍ لحيٍّ سكنيٍّ جديدٍ عند المدخل الرئيس من جهة الناصرية .. وهي بيوتٌ لتجّارٍ وضبّاطٍ وهو أمرٌ واضحٌ لسعة الأبنية وطرزها وأغلبها إن لم يكن كلّها من طابقين وبطريقة بناء تشبه ما يُبنى في بغداد في الأحياء الراقية .
نزلت من سيارة الأجرة ظهرًا، بخطواتٍ لا ظلّ لها من الشمس الحارقة كأننا في تموز، أحاول أن أبدو مألوفًا حتى لا أثير انتباه أحد، فالغريب مكشوف الملامح والمشي في مثل هذه المدينة الوادعة وفي مثل هذا الوقت، يثير الظنون والشكوك وحتى الريبة، رغم إن الشوارع فارغةً إلّا من شرطيٍ يقف في باب مركز الشرطة .. فيما كان أصحاب المحال قد وضعوا قطعًا من القماش العريضة أمام أبواب محالهم لتغطية البضاعة وإعلان الإغلاق لفترة الظهيرة القائظة .. وحتى سوق القصابين وباعة السمك وباب دائرة الكهرباء بلا حركة ".
ينقل لنا المؤلف حالة الشخصية الثانوية الخيّاطة (أم ساهي) المتزوّجة من رجلٍ عسكري أصيب في حرب الشمال (العصاة بالشمال أصابوه برجليه الاثنين )ص16.. إشارةً منه إلى زمن الحدث الذي ذهب ضحيته العديد من الرجال وتركت الحرب أرامل ومحرومات من كل شيء، وقد ركز الكاتب على جانب نفسي اجتماعي مهم وهو الغريزة الجنسية كما في قول أم ساهي (لم يكن بإمكانه النوم أو فعل شيء.. صار شغل الأصابع أكثر في الليالي السود) ص16. وهذا يشير إلى الزمن التاريخي وبُعْده النفسي الشامل لفئات عديدة من النساء في المجتمع العراقي اللاتي عانَينَّ ويلات الحروب والظروف الاجتماعية الصعبة. وكان قدر الطفل مدلول ان يدخل عالم الفحولة مبكرا فهو :"ظلّ يسمع حديث الخيّاطة وهي تتغزّل بجسد زوجة أبيه من أنه ريّانٌ وبضّ ومرَبْربٌ وجاذبٌ لعيون الرجال الذين سيموتون لو شاهدوا ولو جزءًا صغيرًا من بياض أبطيها، أو الخط الفاصل ما بين النهدين، فما بالهم لو رأوا هذا الجسد كلّه .. الجسد المحروم من لذّة الأصابع وذوبان الغزل.. جسدٌ ممهورٌ لرجلٍ متوسّط القامة، مليءٌ برائحة النفط الأسود، والعابس بوجه الحياة، والحامل لهموم الدنيا، والكابت حتى لوعيه وثقافته، والأرمل الذي ماتت زوجته الأولى مصابةً بمرض السل.. كانت الخيّاطة قد سارعت بالجلوس على حافّة السرير المعدني تؤرجح ساقيها بتعاقبٍ ملعوب، لتحرّك الريح تحت السرير، وتطلب منها أن تلبسه :
- ( خلّيني أشوف دقّة الخياطة وقياسه على هذا الجسم الريان .. كلّه لحم ) .
ضحكت زوجة أبيه مخرجةً فرحًا مكبوتًا وحاجةً لغزلٍ ولو من امرأةٍ أخرى.. أشارت لها بطرف سبابتها اليمنى أن تنتبه للولد فهو يسمع.. وكان هو يسمع ولا يدري لماذا ساحت عيناه بذلك المشهد الذي لم يفارقه كلّما ارتفعت ساقا أم ساهي مثل أرجوحة العيد، وهي تصعد الى الأعلى وتهبط الى الظلام وتعيد الكرّة الى النهار، ولم ينتبه في لحظتها الى قصر ثوبها فوق ركبتيها، حيث انكشف البياض الكامل لربلتي ساقيها ولحمٌ يهتزّ من جسدها كلّما ضحكت.
يسمع زوجة أبيه تقول لها :
- ( انتبهي الولد موجود.. استحي قليلا ) .
كانت عيناه تدخلان عالمًا جديدًا، عالم من لذّة قاتلة .. عالمٌ من تعويض نقصان الهوان الذي يعيشه .. احتراقٌ من نوعٍ لا يستطيع توصيفه.. ربما أدرك بعد عمرٍ أن الرؤية الجديدة التي تشبه ما هو محصور في مرآة، تكون أكثر سطوعًا ورغبةً في المضي بتأمّلها".
وهكذا تمت التنشئة الاجتماعية على أيدي الأب والخال وشكرية وأم ساهي للطفل مدلول ليصبح متملقا انتهازيا محبا للسلطة والتسلط.
المؤلف في سطور
الدكتور خالد محمد عبدالغني
من مواليد قرية بلقس مركز قليوب محافظة القليوبية في (31 يناير 1970), حصل على درجة الدكتوراه ، كلية الآداب ، قسم علم النفس، جامعة بنها 2003 بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات والمراكز العلمية والبحثية . نشر أكثر من أربعين كتاباً، وأكثر من سبعين بحثاً ودراسة وأكثر من مائة وخمسين مقالا في الصحف والمجلات والدوريات وشارك بالعديد من المؤتمرات الأدبية والعلمية الدولية والإقليمية والمحلية في علم النفس والتربية الخاصة والنقد الأدبي. وفاز بجائزة عبد الستار إبراهيم ورضوى إبراهيم في الأصالة والإبداع العالمية في العلوم النفسية السلوكية من ولاية مريلاند الامريكية لعام 2018 . كما فاز بجائزة علاء الدين كفافي في علم النفس الأسري من القاهرة عام 2010. وعمل مديرا لتحرير مجلة الرواية ويعمل نائبا لرئيس تحرير مجلة التحليل النفسي، ورئيسا للقسم الأدبي بجريدة الحياة المصرية . ومؤسسا ورئيسا لتحرير مجلة النداء . وأمين عام الجمعية المصرية للتحليل النفسي، بالاضافة لعضوية العديد من الجمعيات النفسية والأدبية والاجتماعية. وله العديد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية.
الفهرس
مقدمة..............................................................................ص 4
1.التطهير العرقي والجنون في مواسم الإسطرلاب...............ص 10
2.تآمر اللاشعور في الصورة الثالثة ...............................ص 22
3.الأسطورة/ الأم في مزامير المدينة ............................ ص 30
4.مأساوية المصير في فضاء ضيق..................................ص 40
5.المقهى كفضاء سيكودرامي في حب عتيق ....................ص 49
6.حدث يشبه الصاعقة في مثلث الموت..........................ص 63
7.النسق الأوديبي في السقشخي...................................ص 73
8.التطبيع الاجتماعي في رواية البدلة البيضاء................ ص 76
9.المؤلف .........................................................ص101
10.الفهرس................................................................. ص 103