علي سيف الرعيني _| حين يخاف المبدع ضياع صوته الحقيقي !!

للاسف هناك اصوات تحاول التسلق بشتى الوسائل للوصول إلى منصةالإبداع لكن البعض يمضي بلا هوية إبداعية اوحتى كينونة تعطيه تصريح عبور بهذا المجال فهو فاقدا للمعنى الإبداعي الحقيقي وفاقدالشئ لايعطيه !
ليست كل المخاوف التي تسكن المبدع مرتبطة بالفشل أو قلة التقدير أو ضيق الفرص، فهناك خوف أكثر قتامة وعمقًا، خوف لا يراه الناس خلف التصفيق ولا تلتقطه عدسات الإعجاب. إنه الخوف من أن يفقد صوته الحقيقي وسط الضجيج الذي تصنعه الشهرة والتوقعات الجماعية.
في بدايات الإبداع يكون الإنسان أقرب إلى نفسه. يكتب لأنه يشعر، ويرسم لأنه يرى العالم بطريقة مختلفة، ويتحدث لأنه يحمل فكرة تستحق أن تُقال. لا يفكر كثيرًا في عدد المتابعين أو حجم التصفيق، بل يكون همه الأول أن يكون صادقًا مع ما يدور في أعماقه. لكن مع مرور الوقت يبدأ الإعجاب بالنمو، وتبدأ معه التوقعات أيضًا.
فجأة يجد المبدع نفسه محاصرًا بصورة رسمها له الآخرون. الجمهور يريد منه أن يكتب بالطريقة ذاتها، وأن يكرر الأفكار نفسها، وأن يبقى داخل القالب الذي أحبوه فيه. وكلما حاول أن يتغير أو يغامر أو يعبر عن جانب جديد من شخصيته، واجه استغرابًا أو انتقادًا أو خيبة أمل من بعض المتلقين.
وهنا تبدأ المعركة النفسية
هل يظل وفيًا لصوته الداخلي أم يستجيب لما ينتظره الآخرون منه؟ هل يكتب ما يؤمن به حقًا أم ما يضمن له المزيد من القبول؟ هل يكون نفسه أم يصبح نسخة من الصورة التي صنعها له الجمهور؟
هذا الصراع قد يكون مرهقًا إلى حد كبير، لأن المبدع لا يريد أن يخسر جمهوره، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يخسر ذاته. والأسوأ من ذلك أن التنازلات الصغيرة قد تتراكم دون أن يشعر، حتى يستيقظ يومًا وهو يكتب كلمات يتقن صياغتها لكنه لا يشعر بها، أو يقدم أعمالًا تنال الإعجاب لكنها لم تعد تعبر عنه
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمبدع ليس أن يقل عدد المعجبين، بل أن يصبح أسيرًا لإعجابهم. فالإعجاب الذي كان يومًا مصدرًا للدعم قد يتحول إلى قيد خفي يمنعه من النمو والتجدد واكتشاف آفاق جديدة في نفسه وإبداعه
والحقيقة أن الإبداع الأصيل لا يولد من محاولة إرضاء الجميع، بل من الشجاعة في التعبير عن الحقيقة كما يراها صاحبها. فالجمهور قد يحب صورة معينة من المبدع، لكن المبدع الحقيقي يدرك أن وظيفته ليست المحافظة على صورة جامدة، بل المحافظة على صدقه الداخلي مهما تغيرت الظروف.
لذلك يحتاج كل مبدع بين الحين والآخر أن يصغي إلى صوته البعيد وسط ضجيج التصفيق، وأن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا لكنه مصيري: هل ما أقدمه اليوم يشبهني حقًا؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فإنه لا يزال يسير في طريقه الصحيح. أما إذا كانت الإجابة لا، فقد حان الوقت للعودة إلى تلك المساحة الأولى التي بدأ منها كل شيء، حيث كانت الفكرة صادقة، والكلمة حرة، والإبداع مرآة للنفس لا انعكاسًا لرغبات الآخرين.
ففي نهاية المطاف، قد يخسر المبدع بعض الإعجاب إذا اختار أن يكون نفسه، لكنه يخسر روحه كلها إذا اختار أن يكون ما يريده الآخرون فقط !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى