بلاد السيبة قد تعود إلى هذا البلد السعيد!

قبل الخوض في تفاصيل هذه المقالة، أريد أن أسلِّطَ الضوءَ على أصلِ مقولة "بلاد المخزن وبلاد السيبة" التي كانت مُتداولة، في الأوساط السياسية المغربية قبل الفترة الاستٍعمارية. وتدلُّ على أن المغربَ كان مقسما، جغرافياً وسياسياً، إلى منطقتين:

-منطقة أولى خاضِعة لسُلطة الدولة (السلطان)، إذ كانت تعتمد، في امتداد سلطتها المركزية، على القيَّاد (جمع قائد). والقائد هو رمز السلطة المحلية التي هي، كما سبق الذكرُ، امتداد للسلطة المركزية. وسكان هذه المنطقة كانوا يحترِمون ما عليهم من واجبات، بما في ذلك، تحصيل أو جباية الضرائب.

-ومنطقة ثانية مُتمرِّدة ترفض السلطةَ المركزية وسلطةَ القُياد المحلية. وهذه المنطقة كانت ترفض، ليس فقط، السلطتين المركزية والمحلية، بل كانت ترفض أداءَ الضرائب لخزينة الدولة. بل كانت، كذلك، لا تعترف بالمحاكم الشرعية التي تستمد أحكامَها من الشريعة الإسلامية، إذ كان لها شيوخٌ راكموا من الحكمة ما يكفي ليفكُّوا النزاعات القائمة بين الناس، اعتِماداً على الأعراف الاجتماعية les normes sociales وما تجمَّع لديهم من خِبرة expertise، عبر اختلاطهم بالمجتمع وبهمومِه. غير أن سكان هذه المنطقة المُتمرِّدة كانوا يعترِفون بالرمزية الدينية للسلطان le symbolisme religieux du sultan، بمعنى أنهم يعترفون به كرمزٍ للدين، وليس كرئيس الدولة.

وبالطَّبع، هذا الوضعُ له تأثير، ليس فقط على جمع الضرائب، ولكن، كذلك، على مستوى إسعاف الدولة المركزية، وعلى وحدة الدولة التي تتأرجح بين توسع نفوذِها وتضييقِه حسب الظروف السياسية والمخزنية التي كانت سائدةً في عهد السلاطين العلويين الذين حكموا المغربَ قبل فترة الاستِعمار.

ما جعلني أُحرٍِر مقالة في موضوع "بلاد المخزن وبلاد السيبة"، هو أن "بلاد السيبة" قد ترجِع إلى هذا البلد السعيد، ما دامت سيادة الدولة la souveraineté de l'état تتقلص بسبب التراخي le laxisme الذي أصبح هو السائد في عددٍ من المجالات المُرتبِطة بتدبير الشأن العام. والأمثلة، في هذا الشأن، كثيرة، أذكر من بينها ما يستحق الذكرَ، علما أن الأمثلة التي سأقف عليها، سببُها تفشِّي الفساد في مختلف أرجاء البلاد. من بين ما يستحقُّ الذكر، أسوق الأمثلة التالية :

1.المرافق المُخصصة لركن السيارات les parkings. هذه المرافق لها حراس، وخصوصا، في المدن الكبرى التي يصعب فيها إيجادُ مكانٍ لركن السيارات، كمَدينتَي الدار البيضاء والرباط. هؤلاء الحراس يصولون ويجولون في هذه المرافق. بل لهم قوانين خاصة بهم ومن صٌنعهم. بل إنهم، هم مَن يحدِّد أثمنةَ الركن les prix du stationnement. والزبونُ لا اختيارَ له إما أن يقبل الثمنَ وإما أن يبحث عن مكان آخرَ لركن سيارته. بل منهم مَن يفرض ثمنا باهضا إذا قاموا هم أنفسُهم بركن السيارة، وينخفض هذا الثمن إذا قام صاحب السيارة برَكنها.

2.الشواطئ التي هي عبارة عن فضاءات عمومية، مفتوحة في وجه جميع المواطنين (رجالاً ونساءً)، أي هي ملكيةُ للدولة، موضوعة رهن إشارتِهم من أجل قضاء أوقات تٌنسيهم همومَ العمل وضغطَه. بمعني إنها أماكن عمومية للتَّرفيه عن النفس وقضاء وقت في الراحة والاستِجمام. هذه الشاطئ يحتلُّها أصحاب الكراسي والمظلات والطاولات، ويفرضون أثمِنةَ كِرائها على الوافدين على الشاطئ. بل منهم مَن يمنع هؤلاء الوافدين من استِعمال كراسيهم وطاولاتهم ومِظلاتهم الخاصة، مدَّعين أنهم اكتروا الشاطئ من السلطات المحلية.

3.الإدارات العمومية، وخصوصا، تلك التي تُدِيرها الجماعات المحلية المُنتَخَبَة. هذه المرافق، هي مرافقٌ عمومية، تقدِّم خدمات إدارية للمواطنين (رجالاً ونساءً). في بعض هذه الإدارات العمومية، يوجد موظَّفون يظنون ظنًّا يقينيأً أن هذه المرافق مِلكٌ لهم، وبالتالي، لهم الحق في التصرُّف فيها كما يظنون ويحلو لهم ذلك. حينها، يصبِحون يصولون ويجولون فيها كما تمليه عليهم أهواؤهم. فيخلقون كل أنواع العراقيل لإجبار المواطنين على منحِهم الرشاوي les pots-de-vin لقضاء أغراضهم، علما أن الدستور المغربي واضح، في هذا الصدد، إذ يفرض على الإدارات العمومية "الحكامة الجيدة" la bonne gouvernance التي، بدورها، لا تستقيم إلا بوجود النزاهة la probité والشفافية la transparence وربط المسؤولية بالمحاسبة relier la responsabilité et la reddition des comptes.

في ختام هذه المقالة، أقول، بكل صراحة وجرأة، أنه ما كان لهذا الوضع أن يكون لولا غياب المراقبة le contrôle وفرض القانون. وحراس أماكِن ركن السيارات، وأصحاب الكراسي والطاولات والمِظلات، المحتلون للشواطئ، وموظفو الإدارات العمومية وآخرون، ما كان لهم أن يصولوا ويجولوا في هذه المرافق العمومية، لولا تواطؤ complicité السلطات المحلية أو سكوتُها عن المنكَر، من قيادٍ وبشوات ومُنتَخَبين محليين.

والسبب الرئيسي لهذا الوضع المُقلق، هو انتشار الفساد، في جميع مرافق الدولة التي تتهاون في تطبيق القانون بصرامة، وتتسامح مع المخالفين لهذا القانون. القانون معمولٌ من أجل تنظيم حياة الناس ليتساكنوا ويتعايشوا في المجتمعات البشرية، كما يضمن حمايةَ حقوق هؤلاء الناس، ويمنع الفوضى. ويضع القواعد التي، بدورِها، تضمن العدالة داخلَ المجتمعات، ويحدد الواجبات والممنوعات في نفس المجتمعات.

فالدولة مطالبةٌ، أولا، بمحاربة الفساد، ثم بتطبيق القانون بصرامة، وإلا سنعود تدريجيا، ومع مرور الوقت، إلى "بلاد السيبة" التي هي جزءٌ من تاريخ المغرب الذي لا يريد له مواطِنوه إلا الخير وكل الخير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى