كنت في الخامسة عشرة فقط عندما بدأت أبحث عن الطريق إلى فلسطين. كان أول اقتراب تنظيمي لي من «الصاعقة»، ولم يستمر أكثر من أسبوعين. ما إن عرفت ارتباطها بالنظام السوري حتى ابتعدت عنها. لم أكن أبحث عن تنظيم يمنحني هوية. كنت أبحث عن فلسطين. وحين وجدت في فتح، في ذلك الزمن، الطريق الأقرب إلى فلسطين التي كنت أبحث عنها، انتميت إليها. وعشت معها سنوات طويلة من الثورة والنضال والمنافي والعودة والحلم. لذلك كان ترتيب الأشياء في داخلي واضحًا منذ الخامسة عشرة: فلسطين أولًا... والتنظيم وسيلة. لم أنتمِ إلى فلسطين لأنني أصبحت فتحاويًا. انتميت إلى فتح لأنني كنت فلسطينيًا أبحث عن طريق إلى وطنه. ولهذا أيضًا، حين وصلت إلى قناعتي تجاه فتح التي أفرزها المؤتمر الثامن ونتائجه، لم أحتج إلى تغيير بوصلتي. فالوسيلة يمكن أن تتغير. أما فلسطين فلا. وإذا فقدت الوسيلة البوصلة، فلن أفقدها معها. من هذا الموقع قرأت قبل أيام الاستطلاع رقم 97 الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وكتبت مقالي: «ماذا لو دخل المجتمع الفلسطيني الانتخابات؟» لم أقرأ الأرقام بعين الفتحاوي القديم، ولا سألت ماذا تستطيع فتح أن تفعل لاستعادة أصواتها، ولا ماذا تستطيع حماس أن تفعل لتوسيع قاعدتها. قرأت الاستطلاع كمواطن فلسطيني. كواحد من المجتمع الذي شمله السؤال. ولهذا قادتني الأرقام إلى سؤال آخر: إذا كانت مساحة واسعة من الفلسطينيين لم تعد ترى نفسها ممثلة في الثنائية التقليدية بين فتح وحماس، فلماذا يبقى المجتمع مجرد جمهور ينتظر أن تصنع التنظيمات قوائمها ثم تستدعيه يوم الانتخابات ليختار بينها؟ لماذا لا يشارك المجتمع نفسه في صناعة من يمثله؟ ثم قرأت الاستطلاع نفسه من نافذة أخرى. كان الكاتب هذه المرة الأسير المحرر د. ياسر أبو بكر. ياسر مواطن فلسطيني مثلي، لكنه حين كتب مقاله «ماذا يقول استطلاع أغسطس لفتح؟» كتب أيضًا من موقع فتحاوي واضح: أسير محرر، وعضو منتخب في المجلس الثوري بعد المؤتمر الثامن، ثم انتخبه المجلس رئيسًا للرقابة الحركية. لكننا لم نضع الكاميرا في المكان نفسه. أنا سألت: ماذا تقول الأرقام للمجتمع الفلسطيني؟ وياسر سأل: ماذا تقول الأرقام لفتح؟ والسؤالان مشروعان. بل إن اختلافهما هو الذي جعلني أرى الصورة بصورة أوسع.
ضعف حماس لا يصنع قوة فتح
كتب ياسر قراءة هادئة للاستطلاع، ولم يحاول الهروب من أرقامه الصعبة. توقف أمام الـ79% المطالبين باستقالة الرئيس محمود عباس، والـ65% الذين يعتبرون السلطة عبئًا، والـ83% الذين يرون فسادًا في مؤسساتها، وأمام تساوي فتح وحماس تقريبًا عند 24% في التأييد الحزبي، وأمام الـ44% الذين لا يرون أيًا منهما جديرًا بقيادة وتمثيل الشعب. ووصل إلى استنتاج أراه مهمًا: تراجع حماس لم يتحول إلى صعود لفتح. ومن هنا جاءت واحدة من أهم عباراته: ضعف الخصم لا يصنع قوتنا. لكن ياسر، بحكم موقعه وزاوية نظره، انتقل بعد التشخيص إلى السؤال عن كيفية استعادة فتح لمكانتها: التجدد، والعودة إلى الناس، واستعادة صورتها كحركة تحرر وطني لا كامتداد للسلطة، وإعادة بناء الثقة. حتى مروان البرغوثي، الذي يتقدم بفارق كبير في سيناريو الانتخابات الرئاسية، قرأ ياسر حضوره باعتباره مؤشرًا إلى أن الرصيد الوطني لفتح في المجتمع أكبر من نسبة التأييد الحزبي المباشر لها. وهنا اختلفت زاوية قراءتي معه قليلًا. فمروان البرغوثي فتحاوي، نعم. لكن رمزيته تجاوزت منذ زمن الحدود التنظيمية لفتح. والفلسطيني الذي يصوت لمروان لا يمنح صوته بالضرورة للقيادة الحالية للحركة أو لقائمتها الانتخابية. قد يكون الرجل فتحاويًا في ذاكرته السياسية، ومستقلًا في قراره الانتخابي. وقد يحب تاريخ فتح، ولا يثق بمن يمثلها اليوم. وهذا التفريق مهم. لكن أكثر ما أثار انتباهي لم يكن مقال ياسر. كان ما حدث بعده. قرأت المقال حتى السطر الأخير. ثم نزلت إلى التعليقات. وهناك... تغير الفيلم. لم أعد أقرأ ياسر أبو بكر. بدأت أقرأ فتح.
حين تكلمت فتح خارج القاعة
التعليقات ليست استطلاعًا علميًا. أصحابها لم يُختاروا وفق عينة احتمالية، ولا يجوز تحويل أصواتهم إلى نسب والقول إنها تمثل جميع أبناء فتح. لكنها شيء آخر لا يقل أهمية سياسيًا: استطلاع غير مقصود. مرآة نوعية لمزاج فتحاوي خرج طوعًا، من دون أسئلة معدة سلفًا، ومن دون خيارات «نعم» أو «لا»، ومن دون أن يطلب أحد من أصحاب التعليقات أن يقولوا ما قالوه. رجال ونساء. كوادر قدامى. أسرى محررون. شباب. أبناء غزة والضفة. أصوات من الشتات. أشخاص يتحدثون من داخل فتح، وآخرون من تاريخها وبيئتها، وبعضهم ما زال يدافع عنها بقوة. لم يكونوا صوتًا واحدًا. لكن شيئًا ما كان يتكرر بينهم بصورة يصعب تجاهلها. أحدهم يرى الاستطلاع «ناقوسًا يدق». آخر يسأل: كيف يمكن لمن تسبب في المرض أن يقدم العلاج؟ وثالث يقول إن المؤتمر الثامن أضاع فرصة الإصلاح والتجديد. وآخر يرى أن فتح التنظيم ابتلعتها فتح السلطة، حتى أصبح المسؤول في السلطة مرجعية للتنظيم بدل أن يكون التنظيم مرجعيته. وهناك من يطالب بتغيير جذري في الأشخاص من رأس الهرم إلى القاعدة. ومن يحذر من إعادة إنتاج الوجوه نفسها. ومن يقول إن الحركة ابتعدت عن الناس. ومن يسأل إن كان الوقت المتبقي قبل الانتخابات يكفي أصلًا لتدارك تراكمات عقود. ومن يتوقع أن يستخدم آلاف الفتحاويين صندوق الانتخابات لمحاسبة قيادات حركتهم نفسها. ومن يرى أن المؤتمر السابع، ثم الثامن بصورة أشد، عمّقا الأزمة بدل حلها. وبعض الأصوات ذهبت أبعد من ذلك، إلى حد القول إن فتح التي عرفوها انتهت، وإن ما بقي يحمل الاسم لكنه لم يعد يحمل الوظيفة التاريخية نفسها. وفي المقابل كان هناك صوت آخر يدافع عن فتح والسلطة، ويحمّل الاحتلال وحكومة اليمين وحماس جزءًا أساسيًا من مسؤولية الكارثة والأزمة. وجود هذا الصوت مهم. لأنني لا أريد أن أحول التعليقات إلى محكمة أعددنا حكمها قبل أن تبدأ الجلسة. أريد أن أسمعها كما جاءت.
والمرأة كانت في المشهد
ولم تكن الأصوات رجالًا يتجادلون حول مواقعهم في الحركة. المرأة كانت حاضرة أيضًا. نجوى تحدثت عن معايير عائمة، وعن ميدان فارغ، وعن علاقة شكلية مع الجماهير، وعن مركزية رام الله وكأن بقية الوطن بعيد عن مجال الرؤية، ثم وضعت المسألة في جملة شديدة البساطة والعمق: الناس هم من يرفعون، وهم من يسقطون. وأم أحمد الياسر لم تحصر أزمة فتح في هياكلها التنظيمية، بل أعادت الكاميرا إلى حياة الناس: تفريغات 2005، ورواتب الشهداء والأسرى وعائلاتهم، ورواتب الموظفين ومستحقاتهم، وغزة وما أصاب مجتمعها، والأقاليم، والكوادر، والمحاسبة، وحقوق الناس وكرامتهم. وهذا مهم. لأن أزمة أي حركة سياسية لا تُقاس فقط بما يجري في اجتماعات لجنتها المركزية ومجلسها الثوري. تُقاس أيضًا بما يحدث عندما تخرج من الاجتماع إلى الشارع.
هل كانت القاعة تسمع؟
وهنا عدت بذاكرتي إلى المؤتمر الثامن. قاعة. منصة. مندوبون. انتخابات. تصفيق. حديث عن التجديد والاستنهاض وضخ دماء جديدة. ثم انتهى المؤتمر، وانتُخبت مؤسساته، وعقد المجلس الثوري المنتخب جلسته الأولى وانتخب هيئاته، ومن بينها ياسر أبو بكر رئيسًا للرقابة الحركية. لكنني وأنا أقرأ التعليقات وجدت نفسي أمام سؤال آخر: هل كانت القاعة تسمع فتح الموجودة خارجها؟ لا أقول إن التعليقات تمثل كل فتح. ولا أقول إن المؤتمر لم تكن له شرعيته التنظيمية. لكن المفارقة تستحق التوقف. إذا كانت قاعة المؤتمر قد أظهرت هذا القدر من التوافق، فلماذا نسمع خارجها، وبعد فترة قصيرة، كل هذا القلق والغضب والشكوى من الإقصاء والشللية وضعف المحاسبة والانفصال عن الجماهير وإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم؟ ربما لأن المؤتمر أجاب عن سؤال: من يقود فتح؟ بينما قطاع من أبناء الحركة كان ينتظر إجابة عن سؤال آخر: أي فتح نريد؟ والفرق بين السؤالين كبير.
فتح التي يحبونها... وفتح التي يغضبون منها
أكثر ما لفتني في التعليقات أن كثيرًا من أصحابها لا يهاجمون فتح لأنهم يكرهونها. يكاد العكس يكون صحيحًا. إنهم غاضبون لأن في ذاكرتهم فتحًا أخرى. فتح الثورة. فتح البساطة. فتح القائد الذي يعرفه الناس ويعرف الناس. فتح التي كان عضو لجنتها المركزية، كما كتب أحد المعلقين، «مدرسة» و«سندًا» يتفاعل ليل نهار مع هموم الجماهير. فتح التي لم يكن المنصب فيها غاية. ولهذا تكررت في التعليقات فكرة مؤلمة: المشكلة ليست في فتح الفكرة، بل في فتح التي أصبحت عليها. وهنا ربما نفهم شيئًا لا تستطيع نسبة الـ24% وحدها أن تشرحه. قد يكون هناك فلسطينيون لم يغادروا فتح في وجدانهم، لكنهم غادروا الثقة بقيادتها الحالية. وبين التعليقات نفسها من لم يغادر فتح، لكنه يعلن أنه ينتظر صندوق الانتخابات ليحاسب قيادتها. وقد يكون آخر يرى مروان البرغوثي امتدادًا لفتح التي يريدها، لكنه لا يرى القيادة الحالية امتدادًا لها. هناك فرق بين أن تترك فتح... وأن تشعر أن فتح هي التي تركتك.
المؤتمر شيء... والصندوق شيء آخر
وهنا تصبح الانتخابات المقبلة امتحانًا مختلفًا تمامًا. في المؤتمر تستطيع الحركة تحديد أعضاء المؤتمر. وتحدد نظامه. وتنتخب قيادتها ومؤسساتها وفق قواعدها الداخلية. لكن في الانتخابات العامة تختفي جدران القاعة. لا تستطيع اللجنة المركزية اختيار الناخبين. ولا يستطيع المجلس الثوري أن يحدد كيف يفكر المواطن عندما يقف أمام ورقة الاقتراع. هناك، يصبح الفتحاوي الغاضب ناخبًا. والكادر الذي شعر بالإقصاء ناخبًا. والمرأة التي تقول إن القيادة لا ترى سوى رام الله ناخبة. والشاب الذي لم يعد يرى نفسه في التنظيمات ناخبًا. وابن المخيم والقرية والمدينة وغزة جزءًا من السؤال الوطني الأوسع. والذي أحب فتح خمسين عامًا يستطيع، في لحظة الصندوق، ألا ينتخب قائمتها. لهذا فإن بعض التعليقات التي قرأتها تحت مقال ياسر قد تكون انتخابيًا أخطر من نقد يأتي من خصوم فتح. فالخصم معروف. أما الناخب الذي ما زال يقول «فتحنا» ثم يقرر معاقبة قائمتها، فهو السؤال الذي لا تظهره صور المؤتمرات.
أزمة فتح أم أزمة النموذج؟
وهنا أعود إلى مقالي الأول. الاستطلاع رقم 97 لم يقل فقط إن فتح تعاني. وحين حصلت حماس على 24% أيضًا، لم يقل إن الأزمة فتحاوية وحدها. وعندما قال 44% إن لا فتح ولا حماس تستحقان تمثيل الشعب وقيادته، أصبح السؤال أوسع من أزمة تنظيمين. إنها أزمة نموذج سياسي. ولهذا كتبت من موقع المواطن، لا من موقع الفتحاوي القديم. أنا لا أبحث عن فتح تستطيع هزيمة حماس. ولا عن حماس تستطيع هزيمة فتح. أبحث عن مجتمع يستطيع أن يستعيد حقه في إنتاج قيادته وممثليه. وهذا لا يلغي فتح. ولا يلغي حماس. ولا يلغي الشعبية أو حزب الشعب أو المبادرة أو غيرها. لكنه يعيد الجميع إلى حجمهم الطبيعي: قوى داخل المجتمع، لا المجتمع داخل القوى.
فلسطين لم تكن يومًا وسيلة إلى فتح
ربما لهذا أعادتني هذه التعليقات إلى ذلك الفتى في الخامسة عشرة. لم يكن يعرف شيئًا عن مقاعد المجالس المركزية والثورية. ولا عن مؤتمرات الحركة. ولا عن السلطة. كان يعرف شيئًا واحدًا: هناك فلسطين ضاعت، وهو يريد أن يجد طريقه إليها. مر أسبوعان قصيران في الصاعقة، فاكتشف أن الطريق ليس هناك. ثم وجد فتح. ودخلها لأنها بدت له طريقًا إلى فلسطين. مرت عقود. تغير العالم. تغيرت الثورة. جاءت السلطة. وعقدت المؤتمرات. وتغير الرجال والمواقع والأسماء. لكن المعادلة عندي لم تتغير: فلسطين هي الغاية. وكل تنظيم وسيلة. وكل قيادة وسيلة. وكل سلطة وسيلة. وكل انتخابات وسيلة. وإذا تحولت الوسيلة إلى غاية، يبدأ الضياع. لذلك لا أرى الوفاء لفتح في الدفاع عنها مهما فعلت. ولا أرى الوفاء لتاريخها في مطالبة الناس بأن يبقوا حيث كانوا لأنهم كانوا هناك يومًا. الوفاء الحقيقي لذلك التاريخ هو أن نسألها السؤال الذي كانت هي نفسها تسأله في بداياتها: هل ما نفعله يقربنا من فلسطين أم يبعدنا عنها؟
اللقطة الأخيرة
أعود بالكاميرا إلى قاعة المؤتمر الثامن. المنصة في الأمام. الكراسي مصطفة. الأيدي ترتفع. التصفيق يملأ القاعة. ثم تتحرك الكاميرا ببطء إلى الخلف. تعبر الباب. وتخرج. هناك رجل أمضى عمرًا في فتح ويقول إن من تسبب في المرض لا يستطيع علاجه. وهناك امرأة تقول إن الناس هم من يرفعون ومن يسقطون. وهناك كادر قديم. وشاب لم يعد يجد نفسه في اللغة القديمة. وفتحاوي يقول إنه سيحاسب قيادته في الصندوق. وآخر ما زال يدافع عنها. وثالث يقول إن فتح التنظيم ابتلعتها فتح السلطة. ورابع يريد فتح التي عرفها، لا فتح التي يراها. ولا أسأل هؤلاء: هل أنتم مع فتح أم ضدها؟ السؤال أكبر: أي فتح تريدون؟ وربما لم تكن المفاجأة الكبرى في الاستطلاع رقم 97. المفاجأة كانت فيما حدث عندما بدأ أبناء فتح وبناتها يتحدثون عنه. الأرقام قالت إن فتح عند 24%. وياسر أبو بكر قال لحركته: اسمعوا ما تقوله الأرقام. لكن كثيرًا ممن ردوا عليه قالوا، كل بطريقته: نحن هنا... المشكلة أنكم لم تعودوا تسمعوننا. قبل أكثر من ستة عقود، كنت فتى في الخامسة عشرة يبحث عن فلسطين. واليوم، بعد كل ما مر، ما زلت أبحث عنها من المكان نفسه. فلسطين لم تكن يومًا طريقًا إلى فتح. فتح كانت طريقًا إلى فلسطين. وإذا فقد الطريق بوصلته، فلا ينبغي للمسافر أن يفقد بوصلته معه. لأن المؤتمر يستطيع أن ينتخب قيادة الحركة. والحركة تستطيع أن تختار مؤسساتها. لكن هناك شيئًا لا يستطيع أي مؤتمر أن يمنحه لنفسه: ثقة الناس. فهذه لا تُنتخب داخل القاعة. تأتي من خارجها. من الرجال والنساء. من الشباب والقدامى. من أبناء فتح ومن غادروها ومن لم يدخلوها يومًا.
التنظيم يستطيع أن ينتخب قيادته. أما شرعيته... فيمنحها المجتمع.
يحيى بركات
15/8/2026
ضعف حماس لا يصنع قوة فتح
كتب ياسر قراءة هادئة للاستطلاع، ولم يحاول الهروب من أرقامه الصعبة. توقف أمام الـ79% المطالبين باستقالة الرئيس محمود عباس، والـ65% الذين يعتبرون السلطة عبئًا، والـ83% الذين يرون فسادًا في مؤسساتها، وأمام تساوي فتح وحماس تقريبًا عند 24% في التأييد الحزبي، وأمام الـ44% الذين لا يرون أيًا منهما جديرًا بقيادة وتمثيل الشعب. ووصل إلى استنتاج أراه مهمًا: تراجع حماس لم يتحول إلى صعود لفتح. ومن هنا جاءت واحدة من أهم عباراته: ضعف الخصم لا يصنع قوتنا. لكن ياسر، بحكم موقعه وزاوية نظره، انتقل بعد التشخيص إلى السؤال عن كيفية استعادة فتح لمكانتها: التجدد، والعودة إلى الناس، واستعادة صورتها كحركة تحرر وطني لا كامتداد للسلطة، وإعادة بناء الثقة. حتى مروان البرغوثي، الذي يتقدم بفارق كبير في سيناريو الانتخابات الرئاسية، قرأ ياسر حضوره باعتباره مؤشرًا إلى أن الرصيد الوطني لفتح في المجتمع أكبر من نسبة التأييد الحزبي المباشر لها. وهنا اختلفت زاوية قراءتي معه قليلًا. فمروان البرغوثي فتحاوي، نعم. لكن رمزيته تجاوزت منذ زمن الحدود التنظيمية لفتح. والفلسطيني الذي يصوت لمروان لا يمنح صوته بالضرورة للقيادة الحالية للحركة أو لقائمتها الانتخابية. قد يكون الرجل فتحاويًا في ذاكرته السياسية، ومستقلًا في قراره الانتخابي. وقد يحب تاريخ فتح، ولا يثق بمن يمثلها اليوم. وهذا التفريق مهم. لكن أكثر ما أثار انتباهي لم يكن مقال ياسر. كان ما حدث بعده. قرأت المقال حتى السطر الأخير. ثم نزلت إلى التعليقات. وهناك... تغير الفيلم. لم أعد أقرأ ياسر أبو بكر. بدأت أقرأ فتح.
حين تكلمت فتح خارج القاعة
التعليقات ليست استطلاعًا علميًا. أصحابها لم يُختاروا وفق عينة احتمالية، ولا يجوز تحويل أصواتهم إلى نسب والقول إنها تمثل جميع أبناء فتح. لكنها شيء آخر لا يقل أهمية سياسيًا: استطلاع غير مقصود. مرآة نوعية لمزاج فتحاوي خرج طوعًا، من دون أسئلة معدة سلفًا، ومن دون خيارات «نعم» أو «لا»، ومن دون أن يطلب أحد من أصحاب التعليقات أن يقولوا ما قالوه. رجال ونساء. كوادر قدامى. أسرى محررون. شباب. أبناء غزة والضفة. أصوات من الشتات. أشخاص يتحدثون من داخل فتح، وآخرون من تاريخها وبيئتها، وبعضهم ما زال يدافع عنها بقوة. لم يكونوا صوتًا واحدًا. لكن شيئًا ما كان يتكرر بينهم بصورة يصعب تجاهلها. أحدهم يرى الاستطلاع «ناقوسًا يدق». آخر يسأل: كيف يمكن لمن تسبب في المرض أن يقدم العلاج؟ وثالث يقول إن المؤتمر الثامن أضاع فرصة الإصلاح والتجديد. وآخر يرى أن فتح التنظيم ابتلعتها فتح السلطة، حتى أصبح المسؤول في السلطة مرجعية للتنظيم بدل أن يكون التنظيم مرجعيته. وهناك من يطالب بتغيير جذري في الأشخاص من رأس الهرم إلى القاعدة. ومن يحذر من إعادة إنتاج الوجوه نفسها. ومن يقول إن الحركة ابتعدت عن الناس. ومن يسأل إن كان الوقت المتبقي قبل الانتخابات يكفي أصلًا لتدارك تراكمات عقود. ومن يتوقع أن يستخدم آلاف الفتحاويين صندوق الانتخابات لمحاسبة قيادات حركتهم نفسها. ومن يرى أن المؤتمر السابع، ثم الثامن بصورة أشد، عمّقا الأزمة بدل حلها. وبعض الأصوات ذهبت أبعد من ذلك، إلى حد القول إن فتح التي عرفوها انتهت، وإن ما بقي يحمل الاسم لكنه لم يعد يحمل الوظيفة التاريخية نفسها. وفي المقابل كان هناك صوت آخر يدافع عن فتح والسلطة، ويحمّل الاحتلال وحكومة اليمين وحماس جزءًا أساسيًا من مسؤولية الكارثة والأزمة. وجود هذا الصوت مهم. لأنني لا أريد أن أحول التعليقات إلى محكمة أعددنا حكمها قبل أن تبدأ الجلسة. أريد أن أسمعها كما جاءت.
والمرأة كانت في المشهد
ولم تكن الأصوات رجالًا يتجادلون حول مواقعهم في الحركة. المرأة كانت حاضرة أيضًا. نجوى تحدثت عن معايير عائمة، وعن ميدان فارغ، وعن علاقة شكلية مع الجماهير، وعن مركزية رام الله وكأن بقية الوطن بعيد عن مجال الرؤية، ثم وضعت المسألة في جملة شديدة البساطة والعمق: الناس هم من يرفعون، وهم من يسقطون. وأم أحمد الياسر لم تحصر أزمة فتح في هياكلها التنظيمية، بل أعادت الكاميرا إلى حياة الناس: تفريغات 2005، ورواتب الشهداء والأسرى وعائلاتهم، ورواتب الموظفين ومستحقاتهم، وغزة وما أصاب مجتمعها، والأقاليم، والكوادر، والمحاسبة، وحقوق الناس وكرامتهم. وهذا مهم. لأن أزمة أي حركة سياسية لا تُقاس فقط بما يجري في اجتماعات لجنتها المركزية ومجلسها الثوري. تُقاس أيضًا بما يحدث عندما تخرج من الاجتماع إلى الشارع.
هل كانت القاعة تسمع؟
وهنا عدت بذاكرتي إلى المؤتمر الثامن. قاعة. منصة. مندوبون. انتخابات. تصفيق. حديث عن التجديد والاستنهاض وضخ دماء جديدة. ثم انتهى المؤتمر، وانتُخبت مؤسساته، وعقد المجلس الثوري المنتخب جلسته الأولى وانتخب هيئاته، ومن بينها ياسر أبو بكر رئيسًا للرقابة الحركية. لكنني وأنا أقرأ التعليقات وجدت نفسي أمام سؤال آخر: هل كانت القاعة تسمع فتح الموجودة خارجها؟ لا أقول إن التعليقات تمثل كل فتح. ولا أقول إن المؤتمر لم تكن له شرعيته التنظيمية. لكن المفارقة تستحق التوقف. إذا كانت قاعة المؤتمر قد أظهرت هذا القدر من التوافق، فلماذا نسمع خارجها، وبعد فترة قصيرة، كل هذا القلق والغضب والشكوى من الإقصاء والشللية وضعف المحاسبة والانفصال عن الجماهير وإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم؟ ربما لأن المؤتمر أجاب عن سؤال: من يقود فتح؟ بينما قطاع من أبناء الحركة كان ينتظر إجابة عن سؤال آخر: أي فتح نريد؟ والفرق بين السؤالين كبير.
فتح التي يحبونها... وفتح التي يغضبون منها
أكثر ما لفتني في التعليقات أن كثيرًا من أصحابها لا يهاجمون فتح لأنهم يكرهونها. يكاد العكس يكون صحيحًا. إنهم غاضبون لأن في ذاكرتهم فتحًا أخرى. فتح الثورة. فتح البساطة. فتح القائد الذي يعرفه الناس ويعرف الناس. فتح التي كان عضو لجنتها المركزية، كما كتب أحد المعلقين، «مدرسة» و«سندًا» يتفاعل ليل نهار مع هموم الجماهير. فتح التي لم يكن المنصب فيها غاية. ولهذا تكررت في التعليقات فكرة مؤلمة: المشكلة ليست في فتح الفكرة، بل في فتح التي أصبحت عليها. وهنا ربما نفهم شيئًا لا تستطيع نسبة الـ24% وحدها أن تشرحه. قد يكون هناك فلسطينيون لم يغادروا فتح في وجدانهم، لكنهم غادروا الثقة بقيادتها الحالية. وبين التعليقات نفسها من لم يغادر فتح، لكنه يعلن أنه ينتظر صندوق الانتخابات ليحاسب قيادتها. وقد يكون آخر يرى مروان البرغوثي امتدادًا لفتح التي يريدها، لكنه لا يرى القيادة الحالية امتدادًا لها. هناك فرق بين أن تترك فتح... وأن تشعر أن فتح هي التي تركتك.
المؤتمر شيء... والصندوق شيء آخر
وهنا تصبح الانتخابات المقبلة امتحانًا مختلفًا تمامًا. في المؤتمر تستطيع الحركة تحديد أعضاء المؤتمر. وتحدد نظامه. وتنتخب قيادتها ومؤسساتها وفق قواعدها الداخلية. لكن في الانتخابات العامة تختفي جدران القاعة. لا تستطيع اللجنة المركزية اختيار الناخبين. ولا يستطيع المجلس الثوري أن يحدد كيف يفكر المواطن عندما يقف أمام ورقة الاقتراع. هناك، يصبح الفتحاوي الغاضب ناخبًا. والكادر الذي شعر بالإقصاء ناخبًا. والمرأة التي تقول إن القيادة لا ترى سوى رام الله ناخبة. والشاب الذي لم يعد يرى نفسه في التنظيمات ناخبًا. وابن المخيم والقرية والمدينة وغزة جزءًا من السؤال الوطني الأوسع. والذي أحب فتح خمسين عامًا يستطيع، في لحظة الصندوق، ألا ينتخب قائمتها. لهذا فإن بعض التعليقات التي قرأتها تحت مقال ياسر قد تكون انتخابيًا أخطر من نقد يأتي من خصوم فتح. فالخصم معروف. أما الناخب الذي ما زال يقول «فتحنا» ثم يقرر معاقبة قائمتها، فهو السؤال الذي لا تظهره صور المؤتمرات.
أزمة فتح أم أزمة النموذج؟
وهنا أعود إلى مقالي الأول. الاستطلاع رقم 97 لم يقل فقط إن فتح تعاني. وحين حصلت حماس على 24% أيضًا، لم يقل إن الأزمة فتحاوية وحدها. وعندما قال 44% إن لا فتح ولا حماس تستحقان تمثيل الشعب وقيادته، أصبح السؤال أوسع من أزمة تنظيمين. إنها أزمة نموذج سياسي. ولهذا كتبت من موقع المواطن، لا من موقع الفتحاوي القديم. أنا لا أبحث عن فتح تستطيع هزيمة حماس. ولا عن حماس تستطيع هزيمة فتح. أبحث عن مجتمع يستطيع أن يستعيد حقه في إنتاج قيادته وممثليه. وهذا لا يلغي فتح. ولا يلغي حماس. ولا يلغي الشعبية أو حزب الشعب أو المبادرة أو غيرها. لكنه يعيد الجميع إلى حجمهم الطبيعي: قوى داخل المجتمع، لا المجتمع داخل القوى.
فلسطين لم تكن يومًا وسيلة إلى فتح
ربما لهذا أعادتني هذه التعليقات إلى ذلك الفتى في الخامسة عشرة. لم يكن يعرف شيئًا عن مقاعد المجالس المركزية والثورية. ولا عن مؤتمرات الحركة. ولا عن السلطة. كان يعرف شيئًا واحدًا: هناك فلسطين ضاعت، وهو يريد أن يجد طريقه إليها. مر أسبوعان قصيران في الصاعقة، فاكتشف أن الطريق ليس هناك. ثم وجد فتح. ودخلها لأنها بدت له طريقًا إلى فلسطين. مرت عقود. تغير العالم. تغيرت الثورة. جاءت السلطة. وعقدت المؤتمرات. وتغير الرجال والمواقع والأسماء. لكن المعادلة عندي لم تتغير: فلسطين هي الغاية. وكل تنظيم وسيلة. وكل قيادة وسيلة. وكل سلطة وسيلة. وكل انتخابات وسيلة. وإذا تحولت الوسيلة إلى غاية، يبدأ الضياع. لذلك لا أرى الوفاء لفتح في الدفاع عنها مهما فعلت. ولا أرى الوفاء لتاريخها في مطالبة الناس بأن يبقوا حيث كانوا لأنهم كانوا هناك يومًا. الوفاء الحقيقي لذلك التاريخ هو أن نسألها السؤال الذي كانت هي نفسها تسأله في بداياتها: هل ما نفعله يقربنا من فلسطين أم يبعدنا عنها؟
اللقطة الأخيرة
أعود بالكاميرا إلى قاعة المؤتمر الثامن. المنصة في الأمام. الكراسي مصطفة. الأيدي ترتفع. التصفيق يملأ القاعة. ثم تتحرك الكاميرا ببطء إلى الخلف. تعبر الباب. وتخرج. هناك رجل أمضى عمرًا في فتح ويقول إن من تسبب في المرض لا يستطيع علاجه. وهناك امرأة تقول إن الناس هم من يرفعون ومن يسقطون. وهناك كادر قديم. وشاب لم يعد يجد نفسه في اللغة القديمة. وفتحاوي يقول إنه سيحاسب قيادته في الصندوق. وآخر ما زال يدافع عنها. وثالث يقول إن فتح التنظيم ابتلعتها فتح السلطة. ورابع يريد فتح التي عرفها، لا فتح التي يراها. ولا أسأل هؤلاء: هل أنتم مع فتح أم ضدها؟ السؤال أكبر: أي فتح تريدون؟ وربما لم تكن المفاجأة الكبرى في الاستطلاع رقم 97. المفاجأة كانت فيما حدث عندما بدأ أبناء فتح وبناتها يتحدثون عنه. الأرقام قالت إن فتح عند 24%. وياسر أبو بكر قال لحركته: اسمعوا ما تقوله الأرقام. لكن كثيرًا ممن ردوا عليه قالوا، كل بطريقته: نحن هنا... المشكلة أنكم لم تعودوا تسمعوننا. قبل أكثر من ستة عقود، كنت فتى في الخامسة عشرة يبحث عن فلسطين. واليوم، بعد كل ما مر، ما زلت أبحث عنها من المكان نفسه. فلسطين لم تكن يومًا طريقًا إلى فتح. فتح كانت طريقًا إلى فلسطين. وإذا فقد الطريق بوصلته، فلا ينبغي للمسافر أن يفقد بوصلته معه. لأن المؤتمر يستطيع أن ينتخب قيادة الحركة. والحركة تستطيع أن تختار مؤسساتها. لكن هناك شيئًا لا يستطيع أي مؤتمر أن يمنحه لنفسه: ثقة الناس. فهذه لا تُنتخب داخل القاعة. تأتي من خارجها. من الرجال والنساء. من الشباب والقدامى. من أبناء فتح ومن غادروها ومن لم يدخلوها يومًا.
التنظيم يستطيع أن ينتخب قيادته. أما شرعيته... فيمنحها المجتمع.
يحيى بركات
15/8/2026