23- رسالة غانية ملحيس الى خالد عطية
يا خالد
مقالك"نافذة الروح في الغربة" ليس مجرد كتابة، بل مرآة تُطلّ على شقوق الروح، وتلامس العقل والوجدان معا بحساسية نادرة.
قرأتك فوجدت أن الغربة التي تحدّثتَ عنها تتجاوز المكان، وتتجاوز المسافات الممتدة بين مخيم النيرب وألمانيا، إنها الغربة التي تلازم الفلسطيني أينما حلّ… حتى وهو في قلب وطنه العربي الجريح، ذلك الوطن الذي أخفق، منذ أكثر من قرن، في أن يحفظ القلب من التيه، وفي أن يكون حضنا لا عصفا.
وغربةٌ أخرى أشدّ يا خالد، في الوطن الأسير الذي يضيق بأبنائه، لا لأن العدوّ الذي يتربع فوق أنقاضنا بلا قلب وبلا روح فحسب، بل لأنه يمتلك عقلا أداتيا لا يرحم بشرا ولا شجرا ولا حجرا، فيحوّل الحياة كلها إلى مختبر لامتحان وحشية الإنسان… وحشية تتجاوز كل خيال.
ويفاقم الوجع قادةٌ منّا ضلّوا السبيل، فصاروا كالسيف المسلّط، يعمّقون الشرخ في الروح والعقل والقلب، حتى غدا أهل البلاد غرباء في أرضهم… وأشدّ غربةً خارجها.
عجيبٌ هذا الإنسان الذي استحضرته يا خالد بكل هذا الجمال الممزوج بالوجع وثقل الذاكرة…
الإنسان الذي، رغم ما حمل من خيبات وغدر وإساءات وتخلٍّ وكذب، يبقى قادرا على تطهير ذاكرته من الأثقال،
ويبقى قلبه متسعا لأولئك الذين منحوه نورا ودفئا، وأصغوا لروحه المعذّبة،
وشاركوه الفرح والألم،
فأعانوه - بصدق وجودهم - على احتمال الحياة رغم قسوتها التي لا تُحتمل.
كتابتك يا خالد شهادة على أن الروح، مهما جرّبت الغدر والغربة، تظل قادرة على الحب…
وقادرة على أن ترى الضوء الحقيقي وسط العتمة.
دمتَ قادرا على البوح والحب والتذكّر، ودام حضورك عقلا وفكرا وقلبا وروحا تثري الوعي وتنتزع الأمل من تحت الركام.
غانية ملحيس
4/12/2025
////
24- رسالة خالد
دكتورة غانية العزيزة
تعجز الكلمات أحيانا عن اللحاق بعمق القراءة، وأنتِ قرأتِ النص لا بعين واحدة، بل بعيون الذاكرة والتجربة والوجدان معاً.
ما كتبتِه ليس تعليقاً… بل تأويلاً كاملاً للوجع الفلسطيني، ذاك الوجع الذي يولد مع الطفل، ويكبر معه، ولا يتركه حتى حين يغادر المكان ذاته.
قلتِ الحقيقة التي نحاول كثيراً الالتفاف عليها:
الغربة ليست دائماً هناك… في ألمانيا، أو في آخر الأرض.
الغربة الكبرى هي تلك التي تنشأ في صدورنا ونحن في قلب الوطن- حين يصبح البيت ضيقاً، والأفق مقفلاً، والكرامة مهددة، والروح مثقلة بما لا يقوى الجسد على احتماله.
هي الغربة التي يصنعها العدو بوحشيته العارية، وتصنعها أيضاً أشباهُ القادة الذين أضاعوا البوصلة، فصاروا عبئاً لا وطناً، وسيفاً لا سنداً.
ومع ذلك - وهنا جوهر ما لمسْتِه أنتِ -
يبقى الإنسان الفلسطيني، بكل كدماته، مخلوقاً مدهشاً:
يُطهر ذاكرته ولا يُطفئها،
يحمل الخيبات دون أن يتحول إلى خيبة،
ويظلّ يجد في داخله ركناً صغيراً للذين مرّوا بصدق،
وتركوا نوراً لا تطفئه المسافات ولا الجراح.
شكراً لكِ لأنكِ لم تقرئي النص كنص، بل كمرآة تشبه ملامحنا جميعاً.
وشكراً لأنكِ من القلائل الذين يمنحون الكلمة بعدها الأخلاقي والإنساني، فلا تبقى مجرد كتابة، بل تتحول إلى مساحة للفهم والتشافي وعودة الروح إلى نفسها.
دمتِ شريكة الفكر والقلق…
وشريكة الضوء أيضاً.
حضوركِ ليس ترفاً، بل ضرورة تُذكّرنا أن الوعي ما زال قادراً على أن ينهض- حتى من تحت الركام.
خالد عطية
4/12/2025
يا خالد
مقالك"نافذة الروح في الغربة" ليس مجرد كتابة، بل مرآة تُطلّ على شقوق الروح، وتلامس العقل والوجدان معا بحساسية نادرة.
قرأتك فوجدت أن الغربة التي تحدّثتَ عنها تتجاوز المكان، وتتجاوز المسافات الممتدة بين مخيم النيرب وألمانيا، إنها الغربة التي تلازم الفلسطيني أينما حلّ… حتى وهو في قلب وطنه العربي الجريح، ذلك الوطن الذي أخفق، منذ أكثر من قرن، في أن يحفظ القلب من التيه، وفي أن يكون حضنا لا عصفا.
وغربةٌ أخرى أشدّ يا خالد، في الوطن الأسير الذي يضيق بأبنائه، لا لأن العدوّ الذي يتربع فوق أنقاضنا بلا قلب وبلا روح فحسب، بل لأنه يمتلك عقلا أداتيا لا يرحم بشرا ولا شجرا ولا حجرا، فيحوّل الحياة كلها إلى مختبر لامتحان وحشية الإنسان… وحشية تتجاوز كل خيال.
ويفاقم الوجع قادةٌ منّا ضلّوا السبيل، فصاروا كالسيف المسلّط، يعمّقون الشرخ في الروح والعقل والقلب، حتى غدا أهل البلاد غرباء في أرضهم… وأشدّ غربةً خارجها.
عجيبٌ هذا الإنسان الذي استحضرته يا خالد بكل هذا الجمال الممزوج بالوجع وثقل الذاكرة…
الإنسان الذي، رغم ما حمل من خيبات وغدر وإساءات وتخلٍّ وكذب، يبقى قادرا على تطهير ذاكرته من الأثقال،
ويبقى قلبه متسعا لأولئك الذين منحوه نورا ودفئا، وأصغوا لروحه المعذّبة،
وشاركوه الفرح والألم،
فأعانوه - بصدق وجودهم - على احتمال الحياة رغم قسوتها التي لا تُحتمل.
كتابتك يا خالد شهادة على أن الروح، مهما جرّبت الغدر والغربة، تظل قادرة على الحب…
وقادرة على أن ترى الضوء الحقيقي وسط العتمة.
دمتَ قادرا على البوح والحب والتذكّر، ودام حضورك عقلا وفكرا وقلبا وروحا تثري الوعي وتنتزع الأمل من تحت الركام.
غانية ملحيس
4/12/2025
////
24- رسالة خالد
دكتورة غانية العزيزة
تعجز الكلمات أحيانا عن اللحاق بعمق القراءة، وأنتِ قرأتِ النص لا بعين واحدة، بل بعيون الذاكرة والتجربة والوجدان معاً.
ما كتبتِه ليس تعليقاً… بل تأويلاً كاملاً للوجع الفلسطيني، ذاك الوجع الذي يولد مع الطفل، ويكبر معه، ولا يتركه حتى حين يغادر المكان ذاته.
قلتِ الحقيقة التي نحاول كثيراً الالتفاف عليها:
الغربة ليست دائماً هناك… في ألمانيا، أو في آخر الأرض.
الغربة الكبرى هي تلك التي تنشأ في صدورنا ونحن في قلب الوطن- حين يصبح البيت ضيقاً، والأفق مقفلاً، والكرامة مهددة، والروح مثقلة بما لا يقوى الجسد على احتماله.
هي الغربة التي يصنعها العدو بوحشيته العارية، وتصنعها أيضاً أشباهُ القادة الذين أضاعوا البوصلة، فصاروا عبئاً لا وطناً، وسيفاً لا سنداً.
ومع ذلك - وهنا جوهر ما لمسْتِه أنتِ -
يبقى الإنسان الفلسطيني، بكل كدماته، مخلوقاً مدهشاً:
يُطهر ذاكرته ولا يُطفئها،
يحمل الخيبات دون أن يتحول إلى خيبة،
ويظلّ يجد في داخله ركناً صغيراً للذين مرّوا بصدق،
وتركوا نوراً لا تطفئه المسافات ولا الجراح.
شكراً لكِ لأنكِ لم تقرئي النص كنص، بل كمرآة تشبه ملامحنا جميعاً.
وشكراً لأنكِ من القلائل الذين يمنحون الكلمة بعدها الأخلاقي والإنساني، فلا تبقى مجرد كتابة، بل تتحول إلى مساحة للفهم والتشافي وعودة الروح إلى نفسها.
دمتِ شريكة الفكر والقلق…
وشريكة الضوء أيضاً.
حضوركِ ليس ترفاً، بل ضرورة تُذكّرنا أن الوعي ما زال قادراً على أن ينهض- حتى من تحت الركام.
خالد عطية
4/12/2025