في صباحٍ ضبابي من أيام الشتاء، كان العجوز يجلس على أحد مقاعد الترام، يتكئ على عصاه الخشبية المزخرفة بنقوش دقيقة.
من خلف الزجاج المبلل بالندى، كان يراقب الأرضية المرصوفة بالرمل والغبار، ويستنشق هواءً مبللًا برائحة البحر البعيدة.
عيناه… كانتا ما تزالان تحملان بريقًا خافتًا لذكريات شبابه الطويلة؛
عينان زرقاوان تشبهان بحر الإسكندرية حين يهدأ بعد عاصفة، صافيتان، حزينتان، وفي عمقهما صمتٌ يعرفه كل من عاش أكثر مما يجب.
هو عجوزٌ إلى الحد الذي يجعل الزمن نفسه يتردد قبل أن يحسب عمره.
نحيل، لكنه مهيب… طويل القامة رغم انحناءة ظهر خفيفة، كأن الريح مرّت عليه ألف مرة ولم تستطع أن تُسقطه.
كان يرتدي بدلة قديمة، لكنها أنيقة…
لونها بدا كأنه شرب من غبار الزمن دون أن يفقد وقاره.
أما وجهه، فكان أبيضَ مشوبًا بحمرة خفيفة، وشعره الفضّي يشبه الزبد الذي تُخلِّفه الأمواج على الشاطئ كل صباح.
اقترب منه المحصل — شاب بعينين حادتين وصوت جاف: — التذكرة يا أستاذ.
رفع العجوز رأسه ببطء، وقال: — اللي فوق السبعين بيركبوا من غير تذكرة يا ابني.
— تمام… ورّيني البطاقة.
توقفت عينا العجوز لحظة… لحظة كأنها عمرٌ كامل يمر في نفسٍ واحد.
قال بصوت رخيم يشبه الأمواج حين تضرب الصخور برفق: — انت محتاج بطاقة علشان تعرف سني... محتاج ورقة علشان تصدّق اللي عينك شايفاه؟
لكن الشاب نظر إليه بنبرة جامدة: — اللوائح بتقول كده.
تنهد العجوز…
وانفتح داخله باب قديم، خرجت منه ذاكرة متعبة:
رأى نفسه شابًا يقفز في مياه البحر، والضحكة معلّقة على كتفيه؛
ورأى نفسه يوم كُرّم بعد ثلاثين سنة خدمة، ثم نُسي اسمه في اليوم التالي؛
ورأى أبناءه الذين ابتلعهم صخب الحياة، فلم يبقَ له منهم إلا رسائل قصيرة تقول: “حقك عليّ يا بابا… الظروف.”
ورأى أصدقاءه الذين رحلوا واحدًا تلو الآخر… حتى بقي هو رجلًا من زمن آخر؛
زمن لا يشبه المسلسلات المدبلجة، ولا هواتف اللمس، ولا أخبار الحروب العبثية، والحوادث المرعبة، والصراعات اللاهثة المحمومة، التي تتدافع كجلطة على قلب العالم.
هو يعيش اليوم في زمن غريبٍ لا يفهمه… زمنٌ بلا رائحة، بلا طعم، بلا صوت صادق.
مدَّ راكبٌ شاب يده بخمسة جنيهات: — خلاص … سيبه، وأنا هدفع.
التفت إليه العجوز بابتسامة موجوعة: — لا… أنا مش فقير يا ابني.
صاح راكب آخر،بالمحصل: — إزّاي كمساري زيّك مش قادر يميّز؟! ده راجل قد جدّك يا ابني!
وآخر قال بمرارة: — هو مش شايف إنسان… شايف لوائح!
أدار العجوز وجهه إلى النافذة.
وفي انعكاس الزجاج، رأى شخصين:
رجلًا زمان كان قويًا لا تكسره الرياح
ورجلًا الآن تتلاعب به أي نسمة هواء
ورأى في عينيه البحر ذاته…
البحر الذي شهد ولادته وشبابه وحبّه وانكساراته.
البحر الذي صار بعيدًا… بعيدًا جدًا… لكنه لا يزال حيًا في زرقة عينيه.
عاد صوت المحصل: — من فضلك يا أستاذ متضيعش وقتي، بطاقة الهوية.
ابتسم العجوز ابتسامة ممزوجة بمرارة السنين: — وقت إيه يا ابني إللي يضيع؟!
أنا عشتُ كثيرًا… وكل يومٍ من حياتي كان أكبر من حتة ورقة بلاستيك.
كان الركاب بين صامتٍ، ومحرجٍ، وفضوليّ…
بين من يرى المشهد صراعًا بين كرامة،و ورقٍ ولوائح، وبين من يراه صراعًا بين زمنين لا يلتقيان.
رفع العجوز رأسه، قليلا وقال بصوت هادئ لكنه حازم: — إن أردتَ التأكد من عمري… انظر إلى عيني. هناك سنوات لا تحتاج بطاقة.
سكت الجميع… حتى المحصّل نفسه تجمّد في مكانه.
رفع العجوز رأسه أكثر وقال بصوت خافت، لكنه حادّ كحدّ السنين:
— لا يحقّ لأحدٍ أن يسألني عن رقمي… ولا عن تاريخ ميلادي.
مدّ العجوز يده المرتعشة، وأخرج خمس جنيهات كمن يتنازل عن شيء لا يريد التخلي عنه.
إلا أن المحصل رفض النقود وأصر على رؤية البطاقة وفحصها: — لا… ما ينفعش اخذ منك نقود، لازم أشوف البطاقة.
نظر العجوز إليه في غضب… همس أحد الركاب:
— خلاص يا حاج وريه البطاقة، دي مجرد ورقة..
وقال آخر: — خلاص يا الحاج، الكمساري ده غلس بس هو في الآخر بينفذ التعليمات.
أخرج العجوز البطاقة حزينًا مكسورًا، وكأنه يتنازل عن عمره كله.
وبقي ينظر إلى المحصل، بنظرةٍ هادئة كسيرة، تشبه وداعًا طويلًا…
بين رجلٍ وزمنٍ لم يعد يحتمله...
وداعًا بين رجلٍ أثقلته السنين وزمنٍ لم يعُد يراعي قلبه.
تطلع المحصل إلى البطاقة ومضى بخطوات سريعة، متزمرا غاضبا، كأنه يريد الهرب من شيء لا يفهمه.
عاد إلى مقدمة الترام يقطع التذاكر دون أن ينظر خلفه.
أما العجوز…
فلم يتحرّك.
ظل يحدّق في الأفق العائم خلف الزجاج…
زرقة عينيه صارت ساكنة… ساكنة جدًا، كأن الموج استراح.
تنفّس نفسًا أخيرًا…
هادئًا، خفيفًا
تحركت الأمواج في الزجاج وكأنها تودّعه.
عينيه الزرقاوين لم تغلق تمامًا، بل لمعت مرة أخيرة كبحر في ليلة هادئة، تحمل كل ذكرياته وحكمته، ثم استسلم السكون.
لاحظ الراكب الجالس جواره أن يد العجوز انزلقت قليلًا فوق العصا.
اقترب، همس بخوف: — يا عمّي… حضرتك كويس؟
لم يُجب.
تجمّع الركاب حوله… صمتٌ ثقيل كأن الترام نفسه توقف عن الحركة.
صرخت امرأة بصوت مخنوق: — حد ينده الكمساري!
جاء المحصّل متذمّرًا: — في إيه تاني؟
لكن لمّا اقترب ورأى العجوز مائلًا، وجهه ساكن...
تجمّد.
مدّ يده ليلمس كتف العجوز، ثم تراجع ببطء…
قال الراكب بصوت منخفض، لكنه قاطع: — مات… الراجل مات.
اهتز وجه المحصّل لحظة…
بدت عيناه كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منه.
وقف مرتبكًا، يفتح فمه ولا تخرج الكلمات.
أغلق دفتر التذاكر ببطء… ببطء شديد، كأن الورق صار أثقل من قلبه.
نظر إلى العجوز مرة أخيرة.
ورأى في سكونه شيء ما ،لم يستطع أن يراه وهو حيّ:
أكبر من اللوائح…
وأعمق من التذكرة.
في الخارج، كان البحر بعيدًا…
لكن زرقة عيني العجوز — المختفية الآن خلف الجفنين — كانت لا تزال تُلقي ظلّها على الأفق،
كالذكريات التي لا يمحوها الزمن.
من خلف الزجاج المبلل بالندى، كان يراقب الأرضية المرصوفة بالرمل والغبار، ويستنشق هواءً مبللًا برائحة البحر البعيدة.
عيناه… كانتا ما تزالان تحملان بريقًا خافتًا لذكريات شبابه الطويلة؛
عينان زرقاوان تشبهان بحر الإسكندرية حين يهدأ بعد عاصفة، صافيتان، حزينتان، وفي عمقهما صمتٌ يعرفه كل من عاش أكثر مما يجب.
هو عجوزٌ إلى الحد الذي يجعل الزمن نفسه يتردد قبل أن يحسب عمره.
نحيل، لكنه مهيب… طويل القامة رغم انحناءة ظهر خفيفة، كأن الريح مرّت عليه ألف مرة ولم تستطع أن تُسقطه.
كان يرتدي بدلة قديمة، لكنها أنيقة…
لونها بدا كأنه شرب من غبار الزمن دون أن يفقد وقاره.
أما وجهه، فكان أبيضَ مشوبًا بحمرة خفيفة، وشعره الفضّي يشبه الزبد الذي تُخلِّفه الأمواج على الشاطئ كل صباح.
اقترب منه المحصل — شاب بعينين حادتين وصوت جاف: — التذكرة يا أستاذ.
رفع العجوز رأسه ببطء، وقال: — اللي فوق السبعين بيركبوا من غير تذكرة يا ابني.
— تمام… ورّيني البطاقة.
توقفت عينا العجوز لحظة… لحظة كأنها عمرٌ كامل يمر في نفسٍ واحد.
قال بصوت رخيم يشبه الأمواج حين تضرب الصخور برفق: — انت محتاج بطاقة علشان تعرف سني... محتاج ورقة علشان تصدّق اللي عينك شايفاه؟
لكن الشاب نظر إليه بنبرة جامدة: — اللوائح بتقول كده.
تنهد العجوز…
وانفتح داخله باب قديم، خرجت منه ذاكرة متعبة:
رأى نفسه شابًا يقفز في مياه البحر، والضحكة معلّقة على كتفيه؛
ورأى نفسه يوم كُرّم بعد ثلاثين سنة خدمة، ثم نُسي اسمه في اليوم التالي؛
ورأى أبناءه الذين ابتلعهم صخب الحياة، فلم يبقَ له منهم إلا رسائل قصيرة تقول: “حقك عليّ يا بابا… الظروف.”
ورأى أصدقاءه الذين رحلوا واحدًا تلو الآخر… حتى بقي هو رجلًا من زمن آخر؛
زمن لا يشبه المسلسلات المدبلجة، ولا هواتف اللمس، ولا أخبار الحروب العبثية، والحوادث المرعبة، والصراعات اللاهثة المحمومة، التي تتدافع كجلطة على قلب العالم.
هو يعيش اليوم في زمن غريبٍ لا يفهمه… زمنٌ بلا رائحة، بلا طعم، بلا صوت صادق.
مدَّ راكبٌ شاب يده بخمسة جنيهات: — خلاص … سيبه، وأنا هدفع.
التفت إليه العجوز بابتسامة موجوعة: — لا… أنا مش فقير يا ابني.
صاح راكب آخر،بالمحصل: — إزّاي كمساري زيّك مش قادر يميّز؟! ده راجل قد جدّك يا ابني!
وآخر قال بمرارة: — هو مش شايف إنسان… شايف لوائح!
أدار العجوز وجهه إلى النافذة.
وفي انعكاس الزجاج، رأى شخصين:
رجلًا زمان كان قويًا لا تكسره الرياح
ورجلًا الآن تتلاعب به أي نسمة هواء
ورأى في عينيه البحر ذاته…
البحر الذي شهد ولادته وشبابه وحبّه وانكساراته.
البحر الذي صار بعيدًا… بعيدًا جدًا… لكنه لا يزال حيًا في زرقة عينيه.
عاد صوت المحصل: — من فضلك يا أستاذ متضيعش وقتي، بطاقة الهوية.
ابتسم العجوز ابتسامة ممزوجة بمرارة السنين: — وقت إيه يا ابني إللي يضيع؟!
أنا عشتُ كثيرًا… وكل يومٍ من حياتي كان أكبر من حتة ورقة بلاستيك.
كان الركاب بين صامتٍ، ومحرجٍ، وفضوليّ…
بين من يرى المشهد صراعًا بين كرامة،و ورقٍ ولوائح، وبين من يراه صراعًا بين زمنين لا يلتقيان.
رفع العجوز رأسه، قليلا وقال بصوت هادئ لكنه حازم: — إن أردتَ التأكد من عمري… انظر إلى عيني. هناك سنوات لا تحتاج بطاقة.
سكت الجميع… حتى المحصّل نفسه تجمّد في مكانه.
رفع العجوز رأسه أكثر وقال بصوت خافت، لكنه حادّ كحدّ السنين:
— لا يحقّ لأحدٍ أن يسألني عن رقمي… ولا عن تاريخ ميلادي.
مدّ العجوز يده المرتعشة، وأخرج خمس جنيهات كمن يتنازل عن شيء لا يريد التخلي عنه.
إلا أن المحصل رفض النقود وأصر على رؤية البطاقة وفحصها: — لا… ما ينفعش اخذ منك نقود، لازم أشوف البطاقة.
نظر العجوز إليه في غضب… همس أحد الركاب:
— خلاص يا حاج وريه البطاقة، دي مجرد ورقة..
وقال آخر: — خلاص يا الحاج، الكمساري ده غلس بس هو في الآخر بينفذ التعليمات.
أخرج العجوز البطاقة حزينًا مكسورًا، وكأنه يتنازل عن عمره كله.
وبقي ينظر إلى المحصل، بنظرةٍ هادئة كسيرة، تشبه وداعًا طويلًا…
بين رجلٍ وزمنٍ لم يعد يحتمله...
وداعًا بين رجلٍ أثقلته السنين وزمنٍ لم يعُد يراعي قلبه.
تطلع المحصل إلى البطاقة ومضى بخطوات سريعة، متزمرا غاضبا، كأنه يريد الهرب من شيء لا يفهمه.
عاد إلى مقدمة الترام يقطع التذاكر دون أن ينظر خلفه.
أما العجوز…
فلم يتحرّك.
ظل يحدّق في الأفق العائم خلف الزجاج…
زرقة عينيه صارت ساكنة… ساكنة جدًا، كأن الموج استراح.
تنفّس نفسًا أخيرًا…
هادئًا، خفيفًا
تحركت الأمواج في الزجاج وكأنها تودّعه.
عينيه الزرقاوين لم تغلق تمامًا، بل لمعت مرة أخيرة كبحر في ليلة هادئة، تحمل كل ذكرياته وحكمته، ثم استسلم السكون.
لاحظ الراكب الجالس جواره أن يد العجوز انزلقت قليلًا فوق العصا.
اقترب، همس بخوف: — يا عمّي… حضرتك كويس؟
لم يُجب.
تجمّع الركاب حوله… صمتٌ ثقيل كأن الترام نفسه توقف عن الحركة.
صرخت امرأة بصوت مخنوق: — حد ينده الكمساري!
جاء المحصّل متذمّرًا: — في إيه تاني؟
لكن لمّا اقترب ورأى العجوز مائلًا، وجهه ساكن...
تجمّد.
مدّ يده ليلمس كتف العجوز، ثم تراجع ببطء…
قال الراكب بصوت منخفض، لكنه قاطع: — مات… الراجل مات.
اهتز وجه المحصّل لحظة…
بدت عيناه كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منه.
وقف مرتبكًا، يفتح فمه ولا تخرج الكلمات.
أغلق دفتر التذاكر ببطء… ببطء شديد، كأن الورق صار أثقل من قلبه.
نظر إلى العجوز مرة أخيرة.
ورأى في سكونه شيء ما ،لم يستطع أن يراه وهو حيّ:
أكبر من اللوائح…
وأعمق من التذكرة.
في الخارج، كان البحر بعيدًا…
لكن زرقة عيني العجوز — المختفية الآن خلف الجفنين — كانت لا تزال تُلقي ظلّها على الأفق،
كالذكريات التي لا يمحوها الزمن.