عائشة أبو ليل - حين يغدو العطش نظاماً ويصبح الوهم سلعةً وطنية" رؤية نقدية في قصة (صناديق العطش) للكاتب الليبي حسين بن قرين درمشاكي

صناديقُ العطش… حين يصبح الوهمُ آخر ما يملكه الفقير

في زمنٍ ص ار فيه الحقُّ أكثر ضياعًا من الماء، والكرامةُ أقلَّ حضورًا من الظلّ، تخرج هذه القصة كصرخةٍ ممزقة من صدر شعبٍ يُساق كل يوم إلى فخاخ الحياة: يشتري الوهم ليُطفئ العطش، ويُصوّت للألم كي يبقى حيًّا.
هذا النص ليس مجرّد حكاية… إنه مرآة صدئة تعكس وجوه أمّةٍ تُجلد بالحرمان، ويُباع مستقبلها على ظهر شاحنة ماء.
الكاتب حسين بن قرين درمشاكي لا يروي واقعة… بل يفتح بابًا على جحيمٍ صغير يسكن البيوت المتروكة للقدر، ويعرّي منظومة كاملة تُحَوِّل المواطن إلى ظلٍّ يدفع ثمن الهواء الذي يتنفسه.

«حين يَغدو العطش نظامًا… ويصبح الوهم سلعةً وطنية»**

قصة “صناديق العطش” ليست مجرد نصّ قصير؛ إنها حفرٌ عميق في لحم الوطن المكشوف، ورؤية تُعرّي منظومة ظلمٍ متجذرة حتى العظم.
ببلاغةٍ باهرة وصورٍ مشتعلة، يكتب الكاتب مأساة الناس الذين يطاردهم الماء فلا يجدونه إلا بثمن مضاعف، بينما يفيض حولهم فسادٌ لا ينضب. العطش هنا ليس نقصًا في الماء… بل نقصًا في العدالة، في الشرف، في الدولة، وفي معنى الإنسان نفسه.

العمّ محمود ليس شخصية فردية؛ إنه أيقونة المواطن العربي المهزوم، الذي عاش عمرًا في خدمة وطنٍ لم يمنحه في النهاية سوى صفٍّ طويلٍ من الانتظار، وبرميل لا يمتلئ أبدًا، ووعودٍ تُباع بملصقاتٍ لامعة مثل صناديق الاقتراع.
وفاطمة ليست زوجةً وحسب… إنها صوت الأم التي تحرس الفراغ، وتصبر على الحطب الذي لا يشتعل، والجدران التي لا تُنقذ أحدًا.

أما أبو حذيفة، العائد من “جهادٍ” مزعوم، فليس سوى أداة في ماكينة أكبر؛ ماكينة تُعيد تشكيل البؤس وتوزيعه بعدلٍ رهيب على سكان الحي.
والموكب الفاره الذي يمرّ يختصر نظامًا كاملًا: نظامٌ يملك كل شيء إلا الخجل.

القصة تُجيد أن تفضح تواطؤ السلطة والدين والمال في صناعة عطشٍ لا ينتهي، عطشٌ يبدأ من صنبور الماء ولا ينتهي عند صناديق الاقتراع.
إنها رؤية تقول بوضوح:

حين يسيطر الفاسدون على الماء… يمنحون الناس الوهم بدلًا عنه.
وحين يجفّ الوطن، تصبح صناديق الانتخابات أحواضًا لزراعة الخراب.

الكاتب يقدّم نصًا ساخرًا بمرارة، موجعًا بلا خطب، سياسيًّا دون أن يصرخ؛ وهذا ما يجعله نصًا كبيرًا، نصًا يولد في القارئ غضبًا لا يهدأ، وحزنًا لا يُنسى.

وبهذه القصة يثبت الكاتب " حسين بن قرين درمشاكي " أنه يكتب من صميم الجرح الشعبي ، من رئٍة تتنفس الغبار ،ومن قلبٍ يعرف تماماً كيف يحول الألم إلى فنٌ ، والظلم إلى كتابة تقف طويلاً في ذاكرة القارئ .
إنه نصٌ سيبقى يتردَد في أذهان كل من يقرؤه، لأنه ببساطة ....يحمل الحقيقة كلها دون أن يرفع صوته.

Messenger_creation_DDCEEB8D-BEE0-4122-AA32-991D02142836.jpeg


قصة قصيرة/صناديق العطش
للكاتب " حسين بن قرين درمشاكي "

على حائط البيت الطيني المهترئ في أحد أزقة أوباري، كانت عقارب ساعة الرمل تقترب من منتصف النهار. الشمس تسلِّط سياطها على جبين "العمّ محمود"، الذي لم يتحرك من كرسيه البلاستيكي منذ ساعة. يداه تحيطان بماسورة المياه النحاسية التي لا تجود بشيء. كانت الرمال الساخنة قد بلعت حتى لون الإسفلت.
محمود ينتظر، كعادة أهل الحي، صوت جرس شاحنة توزيع المياه التي يديرها "أبو حذيفة"، الذي عاد بعد سنوات قضاها في "جهاد" لم يُعدْهُ إلا بذاكرة مثقوبة ولحية كثيفة. زوجة محمود، "فاطمة"، تقف عند العتبة، ترتشف الهواء الساخن، تتأمل صفّ الأواني الفارغة: خمسة براميل، وجرّتان، ودلو صدئ.

وصلت الشاحنة. هدر المُحرِّك كان أشبه بصيحة نذير. اصطفّ الجيران صفًا متعرجًا. دفع محمود ماله – أوراق نقدية مُلصَقة بشريط لاصق – لـ "أبي حذيفة". المبلغ كان أكثر بثلاثة أضعاف مما كان قبل شهرين، لكنه ضرورة.
"البركة في الدولة يا عمّي"، قال أبو حذيفة بخفوت، ويده تمتد لجيب محمود قبل أن يصله. "ثمن الديزل ارتفع، وأسعار الصمامات نار".
فاطمة تهمس لنفسها: الخزّان ملآن على بعد كيلومتر واحد فقط، لكن يده لا تصل إليه.

في الأثناء، مرَّ موكب سيارات فارهة مظللة، تطلق أبواقها بصخب يكسر صمت الجوع والعطش. في المقعد الأمامي لإحدى السيارات، شوهد الشيخ "مصطفى"، الواعظ الذي يطلُّ يوميًا من شاشات التلفاز يبثُّ في الناس خُطباً عن صبر أيوب والتوكل على الرّزّاق. كان يحمل في يده هاتفًا ذكيًا باهظ الثمن، ويرتدي عمامة بيضاء ناصعة لا تعرف غبار الطريق.
تشنّج وجه محمود، لكنّه أدار رأسه نحو ماسورة المياه. "ابني الأكبر، يا فاطمة، في طرابلس. وعد بالعودة عندما يستقيم العمود". أجابته فاطمة بصوت بالكاد يُسمع: "العمود يا محمود، بات أعوج منذ زمن".

جاء دور محمود لملء برميله الأخير. التفت إليه أبو حذيفة بنظرة باردة. "أرادوا مني أن أؤمِّن الحاوية التي تحمل صناديق الاقتراع الأسبوع الماضي"، همس أبو حذيفة بتهديد، "لكني رفضت. هذا باطل".
شعر محمود بمرارة تذيب ريقه. كانت يده ترتجف وهو يمسك بالخرطوم. فجأة، سمع صوت فاطمة الصارخ من العتبة: "المياه انقطعت يا محمود! لم يمتلئ إلا الثلث!"
كان الخزان في الشاحنة قد فرغ. نظر محمود إلى أبي حذيفة، الذي كان يلوّح بيده لجاره التالي، بينما يشير إلى الساعة: "انتهى وقتي لهذا الحي".

توجّه محمود ببطء نحو المنزل، حاملًا البرميل الممتلئ جزئيًا. مرّ بجانب جاره، الذي كان يمسك بيد ابنه الصغير، وينظر إلى محمود بعينين ميتتين. دخل محمود البيت، ووضع البرميل بجوار الأواني الفارغة. جلس على الكرسي البلاستيكي، وأغمض عينيه. فاطمة، التي كانت تنظر إلى حائط المطبخ حيث علَّق محمود شهادة تكريمه لخدمته العسكرية الطويلة، التفتت إليه.
"محمود، ماذا سنفعل الآن؟ ليس لدينا ماء حتى لنغسل طبقًا واحدًا".

رفع محمود يده، مشيراً إلى خزانة قديمة مغلقة في ركن الغرفة. "افتحيها، يا فاطمة. لم يعد لنا إلا هو".
فتحت فاطمة الخزانة على مضض. لم تجد الحبوب ولا الزيت. وجدت فقط، مكدَّسة بأناقة ومُغطاة بقطعة قماش مهترئة، حفنة كبيرة من صناديق خشبية صغيرة مغلقة، لا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى