د. يحيى الطاهر - ما وراء الشوق- قراءة غنوصية طقوسية في نصّ الشاعرة السودانية أريج محمد

البوابة الأولى: طقس الظهور — استدعاء التيه العشقي
سُئل أحد العارفين بسرائر الشعر وأوجاع أهله حين تتجسّد في هيئة طقوس غامضة:
أين اختفت أريج محمد؟ تلك التي باعت روحها لآلهة العشق الكوني، وغادرت مألوف الأشياء لتسكن الغسق حيث تتعلم النجوم كيف تتكلّم الحنين؟
فأجاب العارف وهو يتطلّع إلى فراغٍ يشبه بابًا إلى عالم موازٍ: لا أدري… لكنها تأبّطت قصيدة وخرجت.
وها نحن — في يقظتنا المخطوفة — نمضي خلفها
في هذا البوح الذي يتصاعد كبخورٍ من كواكب عاشقة.
باحت أريج :
ياصاحِب
ياواقِف بين دقات القلب
بين الجُّرح النازِف شوق
وفرح اللُقيا نغم مشتول
على طول الناي
ياصوت غناي
يا نُص كلماتي الما مكتوب
يالفحة توبي
ودرعي الساتِر
ساعة ضيق
يا زول مرسوم
على طول النيل
أفراح و نخيل
وعلى كتف الضفه
مراسي الشوق
ياليل مفتون بعيون اطفال
فاتحين الباب
للحلم الجاي من تال القمره
ح نكبر بكره
وبكره قريب
من وين أبداك ؟
من يوم الإلفه
السكنت روحي مِن نظراتك
ورسمت كل دروب أحلامي
خيوط من نور ؟
ياخ ما أظن !
من قبل كِده
من يوم شافك قلبي
ودوزن نبضهُ
بحبَك حُب
وكان مِن بدري
صباحي بيشرق
شمسهُ بتضحك
وليلهُ حكاوي
ونوبه وطار
وقمره تباري مشيك
وتزرع مِن خطواتك
شتلات نور
في الشريان
المارق مِنك وواصل روحي
مواويل شوق ....

قصيدتها «يا صاحِب» ليست كلامًا؛
إنها نداء خفيّ يعيد خلق الحبيب من أحشاء الضوء
ويُلبسه هيئةً قمرية تجرح وتُشفي معًا.
البوابة الثانية: الحبيب بوصفه كائنًا بين نبضتين
تفتتح الشاعرة نداءها:
"ياواقِف بين دقات القلب
بين الجرح النازف شوق
وفرح اللقيا نغم مشتول»
الحبيب ليس داخل القلب، بل بين دقاته:
في ذلك الشقّ الماورائي الذي تسكنه الأسرار
حيث لا حياة من دونه ولا موت يستطيع اقتحامه.
هو كائن ثنائي:
جرحٌ يقطر توقًا ↔ وفرحٌ يزهر نغمًا
الحب هنا موسيقى الوجع.
الحبيب لا يوصف كبشر
بل كقوّة تهندس المشاعر على مقياس الكون.

البوابة الثالثة: خرائط الجسد كوطن — جغرافيا الشوق
" يا زول مرسوم
على طول النيل
أفراح ونخيل"
يصبح الحبيب خارطة لوطن كامل
وشجرة نسب للروح السودانية:
نيلٌ لا يتعب، نخيلٌ لا يموت.
وعلى «كتف الضفة»
ترسو مراسي الشوق…
كأن الجسد ميناءٌ تنتظر المراكب أن تعود إليه
من سفر الأقدار الطويل.
البوابة الرابعة: الأطفال — حرّاس الحلم القادم
"ياليل مفتون بعيون أطفال
فاتحين الباب للحلم الجاي من تال القمرة"
الليل ذاته واقع في عشق الطفولة!
وما خلف القمر
هو الجهة التي تُصنع فيها الأحلام
قبل أن يسمح للضوء بدخول العالم.
الطفل = ذاكرة السماء حين كانت طاهرة
والحبيب = أحلام تنحدر من مجرّة لا نراها إلّا بالقلوب.
البوابة الخامسة: السؤال خَلق — ومن أين يبدأ العشق؟
فجأة… طفرة وجودية:
من وين أبداك؟
من يوم الألفة السكنت روحي؟
… لا!
من يوم شافك قلبي
ودوزن نبضه بحبك حب"
السؤال هنا ليس بحثًا عن بداية
بل اختراع لبداية لم تُكتَب بعد.
إنه إعلان:
الحب أقدم من الزمن
وسابق على اللغة
وتجلّى أولًا كنبضة.
الحبيب هنا موسيقى
ونبض القلب آلةٌ يدوزنها حضوره.
البوابة السادسة: خطوات من نور — العالم يتشكّل بالمعشوق
" وتزرع من خطواتك شتلات نور
في الشريان
المارق منك وواصل روحي
مواويل شوق…"
خطاه تزرع الضوء.
العتمة لا تُهزم في هذه القصيدة بالنهار
بل بالمحبوب نفسه.
الشريان نهرٌ
والنور زرعٌ
والروح أرضٌ
والحبيب المطر.
إنه ليس شخصًا؛
إنه حادثة كونية
تجعل الوجود صالحًا للدهشة.
البوابة السابعة: التجلّي — العاشق والمعشوق مرآتان
في كامل النص
لا نكاد نرى فاصلًا بين «أنا» و«أنت"
كأن الشاعرة تقول:
الحبيب ليس آخر
بل نسخة مكتملة من الذات ن وتصر هنا بعناد طفولي على تذكيرنا بجوهر الحب الصوفي ذلك الذي لا تصح فيه ثنائية عاشق ومعشوق !
إنه
الحضور الذي به تتذكّر الروح أصلها
وتستعيد حقيقتها الأولى
قبل أن تنام في الجسد وتنسى.
خاتمة: العودة إلى النور الأول
كل بيت في "يا صاحِب"
هو محاولة لجعل الحب طريقة لفهم الكون.
ليس عشقًا أرضيًا
بل طقس عودة
إلى نقطة تتوحّد فيها
الأنا → والأنت → والوجود.
الحبيب في قصيدة الشاعرة السودانية أريج محمد
ليس زائرًا للروح
إنه مالك مفتاحها
ومَن يسحبها برفق
إلى موطنها الأزلي…
حيث
“مواويل الشوق”
لا تُقال…
بل تُخلق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى