فوز حمزة - حدث في العاشرة مساءً...

الجالسون على جهة اليمين يرونها قادمةً من جهة الشمال، والآخرون الذين اختاروا الجلوس ناحية الشمال يرونها مقبلةً من اليمين.
أنا فقط كنت أراها تتهادى في مشيتها بخفةٍ ودلالٍ نحوي.
بقيت لحظاتٍ واقفةً دون أن تنظر لأحدٍ منهم.
بدت كأنها لا تعلم بوجودهم، كانت بارعةً في التجاهل. ثباتُها وثقتُها بنفسها يدلان على مهارتها. لقد أثارت إعجابي بتصرّفها حين دخل زوجُها الأعرج؛ فاستقبلته بفرح، طابَعَةً على خدّه قبلةً ثم أحاطته بذراعيها الطويلتين الناعمتين، لكنه ـ بامتعاضٍ شديد ـ أزاحهما عن رقبته.
ابتعد عنها ليجلس على الكرسي عند حافة السرير.
ظننتها محرجةً مثلي، لكن على العكس؛ لقد احتوت الموقف بذهابها إلى طاولة الزينة، فأمسكت قنينةَ عطرٍ كنت قد أهديتُها إياها في عيد ميلادها. رشّت القليل منه على ملابسها ورقبتها وخلف أُذنيها، فامتلأ المكان بالرائحة. لمعتْ عيناها وهي تنظر إلى القنينة، لقد تذكّرت ـ وأنا متأكدٌ من ذلك ـ القبلةَ الطويلةَ التي تبادلناها أنا وهي حينها. ما زال طعمُ القبلة حاضرًا على شفتيَّ.
استيقظتْ ذاكرتي عندما أغمضتُ عينيَّ وأنا أتذكّر تلك الليلة التي قضتها في أحضاني متشبثةً بي كطفل. أحسستُ بقشعريرةٍ لذيذة. تبًّا لها!
كيف هان عليها فعلُ هذا بي؟! ألم تجد غيرَ هذا العطر؟!
صوتُ الزوج الجهوري أعادني إلى المكان والزمان لكن بحالةٍ أسوأ.
كفُّه الغليظةُ السوداء، وهي تحيط بخصرها الغضّ، جعلت النار تشتعل بي ولا تنطفئ. كدت أن أصرخ: "أبعد يدَك عنها أيها القذر!".
الظلامُ الذي حلَّ فجأة، إلّا من مصباحٍ متدلٍّ من الوسط فوق رأسيهما، أنساني ما كنت فيه، وحوّلني فقط إلى مستمعٍ لموسيقى انبعثت من أحد الأركان لتُحدِث ضجيجًا عاليًا. مكثتُ في مقعدي أترقّب الأحداث. لقد أخبرتني: "عند العاشرة سينتهي كلُّ شيء."
اضطرابُ الزوج وتوتّره وهو يجرُّ ساقَه العرجاء يوحي بأن شيئًا سيئًا سيحدث.
بدأ يذرع الأرض صامتًا، بدا كالمجنون وهو يقف أمام المرآة يُحدّث نفسه:
"تلك هي العِلّةُ، تلك هي العِلّةُ يا نفسي، علّةٌ لا أُسَمّيها لكِ أيتها النجوم الطاهرة، تلك هي العِلّة."
فجأةً توقّف عن محادثة المرآة متلفتًا نحوي، أو هكذا ظننت.
تسلّل الرعبُ إليَّ من ثقبٍ في قلبي حينما أخرج قنينةَ العطر من جيب بنطاله. ظلّ يحدّق فيها طويلًا قبل أن يردّد ثلاثَ مرّات: "سأقتلها... سأقتلها... سأقتلها."
أخذتْ نبضاتُ قلبي في التسارع وأنا أرى المسدسَ في يده الأخرى. جبيني أخذ يتفصّد عرقًا. ماذا أفعل؟!
لقد عرف كلَّ شيء. لم أستطع منعَ الخوف من السيطرة عليّ. كيف أمنعه من الاقتراب منها؟! ها هو يدسّ يده تحت ثيابها وهي غافية، يتحسّس كلَّ جزءٍ منها. تبدو كآلهةٍ للجمال خرجت للتوّ من محرابها... الدماءُ تغلي في عروقي وأنا أراه يضع رأسه بين ثدييها. كدت أن أصرخ بأعلى صوتي: "إنهما لي! ابتعد عنهما أيها العبد!... أووووه! أبعدْ شفاهَك الغليظة عن فمها، لقد قبّلها! يا ويلي!"
الحرائقُ التي شبت فيّ لم تتركني إلّا وأنا كالدخان. يداي ترتجفان كيديه حينما كان يهمّ بإطلاق الرصاص عليها؛ ليفعل أيَّ شيء: يمزّقها إربًا إربًا، أو حتى يخنقها، إلّا أن يقترب بأنفاسه من أنفاسها.
عند العاشرة مساءً، تصفيقُ الجمهور غطّى على أصوات الرصاصات الثلاث التي أطلقها عليها.
....... نُشرتْ في مجلة الآداب والفنون الورقية العدد السادس والثلاثون ( 63 ) 2025
تحياتي لكادر المجلة وشكر خاص للأستاذ جمال عابد .. Jamal Abid

فوز حمزة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى