سمير اليوسف - الحبُّ في النوم ماذا لو أن ثمة عالماً خاصاً بالعشّاق؟ .

أقصر أبواب كتاب ابن حزم الأندلسي، "طوق الحمامة"، بابٌ يتعلق برجل رأى جارية مجهولة الهوية في الحلم فأحبّها: "فاستقيظت وقد ذهب قلبي فيها وهمْت بها، وإني لفي أصعب حال من حبها." بل أنه ظل على حبّها لأكثر من شهر بعد مشاهدتها في ذلك الحلم.
ولكن كيف وكانت لحظة يقظته كافية لكي يدرك بأن الأمر برمته كان مجرد حلم وأن المرأة التي رأى لهي من نسج الخيال ولا وجود لها في الواقع؟ كيف يمكن أن تستمر لأكثر من شهر في حبّ من لا وجود لها إلا في الخيال؟
كان ابن حزم رجل فقه ومثقفاً ومؤلفاً موسوعياً، كيّس التفكير والتدبر العقلي. وكان من الطبيعي إلا يرى في الأمر سوى "من حديث النفس وأضغاثها وداخلٌ في باب التمني وتخيّل الفكر." ولهذا فإنه لم يمنح هذا الباب أكثر من صفحة واحدة احتل الخبر الشطر الأكبر منها. وما كان للمؤلف المولود في نهاية القرن العاشر الميلادي والمتوفى في العقد السادس من القرن الحادي عشر ليتكهن أن ما قاله بطريقة عابرة ترمي إلى حسم الأمر تلقائياً- "من حديث النفس وأضغاثها وداخلٌ في باب التمني وتخيّل الفكر."- سيكون موضوع جدال خطير في علم النفس اسمه "اللاوعي". أن الحبّ في الحلم، على ما سيجادل سيجموند فرويد، هو تعبير عن أمنية مكبوتة في اللاوعي*.
وعليه فإن تشبث الرجل تشبثاً عاطفياً بإمرأة الحلم، رغم يقينه بأن لا وجود لها في الواقع، لهو البديل لألم الحياة دون حبّ، دون تحقق أمنية اللقاء بمن سيحب، خاصة وبعد تحقق الأمنية وإن بشكل سريع وفي حلم فقط. لقد آثر العاشق أن يستأنف حياة اليقظة، ولما يزيد عن شهر من الزمن، وكأنها محض امتداد لحياة النوم والحلم تشبثاً منه بالحبيبة.
ولكن ماذا لو أن ثمة تفسيراً أبعد من التفسير النفسي؟ ماذا لو أن عالم الحبّ، او العالم الذي ينتمي إليه العشّاق، هو عالم آخر مختلف عن عالم النوم وعالم اليقطة؟ عالم يقع ما بين هذين العالمين حيث يمكن لأهل الحلم واليقظة، أهل الخيال والواقع، ان يختلطوا ويقعوا في حب واحدهم الآخر؟
ما كان لصاحب "طوق الحمامة" أن يقبل بفرضية كهذه. ولا أي شخص يفكر بالحبّ من منطلق عقلاني منطقي.
.
*[طبعاً، وكما هو متوقع من المغفور له، فإن عالِم التحليل النفسي النمسوي، لن يكتفي باعتبار الأمنية-الرغبة المكبوتة مجرد تعبير عن جوع للحب وإنما عما قد يكون أخطر وأشدّ مدعاة للحظر والكبت .. مثلاً أن الجارية هي رمز للأم المشتهاة جنسياً من قبل الإبن وفقاً لـ"عقدة أوديب"]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى