د. زياد العوف - في الغَزَل العُذريّ... من عينيّة الشاعر الأمويّ الصِّمّة القشيري

الغَزَل هو التعبير الفنّيّ الشعريّ عن عاطفة الحبّ وما يمازجها من شوق وحنين ورغبة وميل إلى سدّ النقص وتحقيق الاكتمال النفسي والجسديّ من خلال التواصل الشعوريّ والجنسيّ مع المحبوب .
يذكر أفلاطون في إحدى حواريّاته بأنّ ( أيروس ) وهو الحبّ ، إنّما هو سليل(الثروة) و (الفقر) ، ومن ثَمَّ فإنّ الحبّ يستشعر الرغبة الدائمة في امتلاك ما لا يملك..وهذا ما يفسّر ديناميّة هذه الرغبة الدائمة .
عرفَ الشعرُ العربيّ أنواعاً ثلاثة من الغزَل ، وذلك تبَعاً لموقف الشاعر من التعبير عن مشاعر الحبّ والهوى .
فكان لدينا :
١- الغزَل الصريح :
ويتمثّل في التعبير المتحرّر عن الرغبات الحسيّة ، والملاذّ والشهوات الجسدية دون مراعاة للقيم الدينية أو الأخلاقية أو الاجتماعية السائدة..ولعلّ الشاعر الأمويّ عمر بن أبي ربيعة خير من يمثّل هذا الاتّجاه .
٢- الغزَل العفيف :
وقد غلب عليه مصطلَح الغزَل العذري ، نسبة إلى قبيلة ( عُذْرة ) حيث شاع وانتشر .
ويتجلّى في هذا اللون من الغزَل الذي ظهر في العصر الأموي تأثير القيم الأخلاقية الإسلامية ؛ حيث يعبِّر الشاعر عمّا يكتنفه من مشاعر الحبّ والشوق والحنين فيسمو عن التصريح بالشهوات والرغبات الحسيّة ويستغرق في وصف مشاعر الحبّ السامية وما يخالطها من هيام ولوعة واشتياق وأسى .
ولعل خير من يمثّل هذا الاتّجاه الغزليّ كلّ من الشعراء جميل بثينة ، ومجنون ليلى ، وكثيّر عزّة ، وشاعرنا الصّمّة القشيري ، وهو ليس بشهرة سابقيه ، على أنّه شاعر مجيد .
٣- الغزَل التقليديّ :
وهو وسط بين سابقيه ؛ إذ هو يجمع بين اللونين السابقين دون إفراط في خصائص أيّ منهما .
ويشيع هذا النّمط من الغزل عند الشعراء الذين لم يغلب عليهم الغزل ، مثل جرير والأخطل والفرزدق ، من كبار شعراء العصر الأمويّ . (١)

ما دعاني إلى هذا التوضيح المختصر عن شعر الغزَل إنّما هو هذه الأبيات المختارة لشاعرنا الأمويّ الصّمّة بن عبد الله القشيري، وهو شاعر مجيد ، كما أشرتُ ، لكنّه مقِلّ ، وقد اشتُهِر بغزلياته في ابنة عمّه ( ريّا ) بخاصّة .
ويذكر مؤرّخو الأدب والشعر العربيّ في أسباب هذه القصيدة أنّ الشاعر كان قد " خطب ابنة عمّه ريّا إلى أبيها ، فزوّجه على إبل ذكرها له ، فساق أبوه عنه الإبل إلى أخيه ، وأنقصها بعيراً ، فحلف عمّه لا يأخذها إلّا كاملةً ، وحلف أبوه لا يزيده شيئاً ، فغضب الصمّة لتمسّك كلّ منهما برأيه ، ورحلَ إلى الشام فألحقه الخليفة بالفرسان ، إلّا أنّ حنين الشاعر إلى أهله ووطنه ثار في نفسه فأنطقه بهذه الأبيات " (٢)

- حنَنْتَ إلى ريّا ، ونفسكَ باعدت
مزاركَ من ريّا ، وشِعباكما معا

- فما حسَنٌ أنْ تأتي الأمرَ طائعاً
وتجزعَ أنْ داعي الصّبابةِ أسمعا

- قِفا ودّعا نجداً ومَن حلَّ بالحِمى
وقلَّ لنجدٍ عندنا أنْ يودَّعا

- بنفسي تلك الأرض، ما أطيبَ الرّبا
وما أحسنَ المصطاف والمتربَّعا

- وليستْ عشيّاتُ الحِمى برواجع
عليكَ ، ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمعا

- بكتْ عيني اليسرى، فلمّا زَجرْتُها
عن الجهلِ بعد الحِلمِ أسْبلتا معا

- تلفّتُّ نحو الحيّ حتّى وجدتُني
وجِعتُ من الإصغاء ليتاً وأخدعا *

- وأذكرُ أيام الحِمى ثُمَّ أنثني
على كبِدي من خشيةٍ أنْ تَصدَّعا

- * الإصغاء : المَيل ، الليت : صفحة العُنُق ، الأخدَع : عِرق في العنُق .
١- يُنظَر ،
د. شكري فيصل ، تطوّر الغزَل بين الجاهلية والإسلام ، بيروت، دار العلم للملايين ، ط ٤ ، د. ت .

٢- مطيع ببيلي ، من حماسة أبي تمام ، دمشق ، وزارة الثقافة ، ١٩٧٨م.

#دكتور_زياد_العوف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى