ونحن نعيش زمنا لم تعد فيه الكتب نادرة ولا المعلومات شحيحة ولا الوصول إلى المعرفة أمرا عسير ومع ذلك فإن وفرة القراءة لا تبدو بالضرورة في مستوى الوعي الذي نراه من حولنا
نقرأ كثيرا نتبادل الاقتباسات نصور الكتب ننشر قوائم ما قرأنا ونتحدث عن المؤلفين والأفكار لكن السؤال الذي نادراً ما نطرحه على أنفسنا هو: ماذا بقي من كل ذلك داخلنا؟
كم فكرة غيّرت طريقة تفكيرنا فعلا؟
كم سلوكا تغير لأننا قرأنا عنه؟
وكم كتابا أغلقناه ونحن نظن أننا اكتسبنا معرفة بينما لم نكتسب سوى انطباع مؤقت؟
المشكلة ليست في القراءة بالطبع وإنما في الطريقة التي نقرأ بها
فالقراءة يمكن أن تكون فعلا لبناء العقل لكنها يمكن أيضا أن تتحول إلى استهلاك ثقافي تماما كما نستهلك الأخبار والصور والمحتوى السريع ننتقل من كتاب إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى حتى يصبح الهدف هو الوصول إلى الصفحة الأخيرة لا الوصول إلى فهم أعمق
ومن أكثر العادات التي تحتاج إلى مراجعة أن نتعامل مع الكتاب وكأنه مصدر نهائي للحقيقة الكاتب ليس نبيا والكتاب ليس نصا مقدسا قد يكون المؤلف واسع المعرفة لكنه يظل صاحب رؤية لها حدودها وافتراضاتها وزاوية نظرها وقد يقدم حجة قوية في جانب ثم يبالغ في تعميمها في جانب آخر القارئ ربما يسأل ماذا يقول الكاتب؟كيف عرف ذلك؟ مادليله وما الذي أغفله؟
هل توجد قراءة أخرى للمسألة؟ وهل يصلح هذا الحكم في كل زمان ومكان؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الكتاب بل تمنع القارئ من أن يتحول إلى تابع للأفكار
فالقراءة التي لا تسمح لنا بالاعتراض ليست قراءة كاملة إنها استقبال أخطر ما في القراءة أن تتحول إلى هوية
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت القراءة أحيانا جزء من الصورة التي نقدمها عن أنفسنا كتاب في اليد مكتبة في الخلفية اقتباس عميق على الشاشة وقائمة طويلة من الكتب المقروءة مرة أخرى لا مشكلة في ذلك في حد ذاته المشكلة تبدأ عندما تصبح صورة القارئ أهم من فعل القراءة نفسه عندها يتحول الكتاب إلى علامة ثقافية والاقتباس إلى زينة لغوية وعدد الكتب إلى وسام اجتماعي وهنا يصبح السؤال محرج
هل نقرأ لأننا نريد أن نفهم أم لأننا نريد أن نبدو مثقفين؟
الفرق بين الأمرين هائل
فالثقافة ليست عدد الكتب التي مررنا بها وإنما مقدار ما فعلته هذه الكتب بعقولنا
قد يقرأ شخص كتابا واحدا ببطء ويختلف معه ويعيد بناء أفكاره على ضوء ما قرأ بينما يقرأ آخر خمسين كتابًا في العام ولا يتغير فيه شيء
ومشكلة اخرى في الاقتباسات لقد اختزلت وسائل التواصل الاجتماعي الكتاب في جملة
جملة جميلة قصيرةوقابلة للمشاركة وربما خالية تماما من السياق الذي أعطاها معناها وهنا يحدث شيء خطير نبدأ في معرفة الكلمات بدل الأفكار قد نعرف أجمل اقتباس في كتاب دون أن نعرف الحجة التي سبقت الاقتباس أو التي جاءت بعده. وقد ننسب إلى الكاتب موقفًا لم يقله أصلا لأننا أخذنا جملة من سياقها
إن المعرفة ليست مجموعة عبارات براقة
المعرفة سياق ودليل ومقارنة وأسئلة وشك وفهم للعلاقات بين الأفكار
ولهذا فإن القارئ الذي يكتفي بجمع الاقتباسات يشبه من يجمع قطعا من خرائط مختلفة ثم يظن أنه امتلك خريطة كاملة
ليس المطلوب أن يغير كل كتاب حياتنا هذه مبالغة أخرى لكن من المشروع أن نسأل بعد كل قراءة ما الذي أضافه هذا الكتاب إلى قدرتي على الفهم؟
قد يكون الجواب فكرة جديدة وقد يكون اكتشاف خطأ في فكرة قديمة
وقد يكون مجرد سؤال لم نكن نعرف كيف نطرحه
وهذا في حد ذاته مكسب
فالقراءة لا تمنحنا دائمًا أجوبة أحيانا تمنحنا أسئلة
والسؤال الجيد قد يكون أثمن من إجابة جاهزة لأنه يظل يعمل داخل العقل حتى بعد أن نغلق الكتاب
المعلومة التي لا نستخدمها معرضة للتلاشي لذلك لا يكفي أن نقرأ، بل علينا أن نفعل شيئًا بما قرأنا
اكتب الفكرة بلغتك ناقشها اعترض عليها ابحث عن دليل يؤيدها وآخر يضعفها قارنها بكتاب آخر
ثم حاول أن تجد لها مكانا في حياتك
إذا قرأت عن إدارة الوقت انظر إلى يومك إذا قرأت عن التفكير النقدي راقب أحكامك أنت قبل أن تنتقد أحكام الآخرين
إذا قرأت عن العلاقات الإنسانية راقب طريقة حديثك مع من تختلف معهم
إذا قرأت عن التاريخ لا تحفظ الأحداث فقط اسأل عن الروايات المختلفة ومن كتب التاريخ ومن غاب عنه عندها تبدأ المعلومة في التحول إلى معرفة والمعرفة إلى خبرة والخبرة إلى جزء من الشخصية في حين ان القراءة ليست سباق ربما آن الأوان للتوقف قليلا عن الهوس بأرقام القراءة
كم كتابًا قرأت في السنة؟
هذه الأسئلة تصلح لقياس النشاط لكنها لا تصلح وحدها لقياس أثر القراءة ويبقى السؤال الأهم
كم كتابا جعلك تعيد النظر في شيء كنت تظنه صحيحا؟كم كتابا كشف لك تحيزا في تفكيرك؟
هذه في رأيي أسئلة أكثر جدوى من عدّ الكتب وبالتالي
فالقارئ هو الذي يصبح أكثر حذرا في إطلاق الأحكام وأكثر قدرة على التمييز بين الرأي والدليل وأكثر استعدادا لتغيير موقفه عندما تتغير الأدلة
إن القراءة الجادة لا تجعل الإنسان أكثر يقينا بالضرورة أحيانا تجعل يقينه أكثر تواضعا وهذا أحد أعمق اثارها
فكلما قرأنا أكثر اكتشفنا أن العالم أعقد مما تصورنا وأن كثيرا من الإجابات السهلة تخفي وراءها أسئلة صعبة
وهنا تكمن قيمة القراءة أن تجعلنا أكثر وعيا بما نعرفه وما لا نعرفه ولماذا نعتقد ما نعتقده
لا يحتاج العالم إلى قارئ يستطيع أن يقول قرأت مئة كتاب إنه يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول قرأت وفكرت وشككت وقارنت ثم غيّرت شيئا في نفسي فالكتاب الذي يبقى على الرف لا يصنع معرفة
والاقتباس الذي يبقى على الشاشة لا يصنع وعيا
والمعلومة التي لا تدخل في التفكير ولا السلوك سرعان ما تصبح أثرا باهتا في الذاكرة القراءة تبدأ من العين لكنها لا تصبح معرفة إلا عندما تصل إلى العقل ولا تصبح جزء من الإنسان إلا عندما تنزل من العقل إلى الحياة وعندها فقط لا يعود السؤال كم قرأنا؟بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ماذا فعلت القراءة بنا؟
نقرأ كثيرا نتبادل الاقتباسات نصور الكتب ننشر قوائم ما قرأنا ونتحدث عن المؤلفين والأفكار لكن السؤال الذي نادراً ما نطرحه على أنفسنا هو: ماذا بقي من كل ذلك داخلنا؟
كم فكرة غيّرت طريقة تفكيرنا فعلا؟
كم سلوكا تغير لأننا قرأنا عنه؟
وكم كتابا أغلقناه ونحن نظن أننا اكتسبنا معرفة بينما لم نكتسب سوى انطباع مؤقت؟
المشكلة ليست في القراءة بالطبع وإنما في الطريقة التي نقرأ بها
فالقراءة يمكن أن تكون فعلا لبناء العقل لكنها يمكن أيضا أن تتحول إلى استهلاك ثقافي تماما كما نستهلك الأخبار والصور والمحتوى السريع ننتقل من كتاب إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى حتى يصبح الهدف هو الوصول إلى الصفحة الأخيرة لا الوصول إلى فهم أعمق
ومن أكثر العادات التي تحتاج إلى مراجعة أن نتعامل مع الكتاب وكأنه مصدر نهائي للحقيقة الكاتب ليس نبيا والكتاب ليس نصا مقدسا قد يكون المؤلف واسع المعرفة لكنه يظل صاحب رؤية لها حدودها وافتراضاتها وزاوية نظرها وقد يقدم حجة قوية في جانب ثم يبالغ في تعميمها في جانب آخر القارئ ربما يسأل ماذا يقول الكاتب؟كيف عرف ذلك؟ مادليله وما الذي أغفله؟
هل توجد قراءة أخرى للمسألة؟ وهل يصلح هذا الحكم في كل زمان ومكان؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الكتاب بل تمنع القارئ من أن يتحول إلى تابع للأفكار
فالقراءة التي لا تسمح لنا بالاعتراض ليست قراءة كاملة إنها استقبال أخطر ما في القراءة أن تتحول إلى هوية
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت القراءة أحيانا جزء من الصورة التي نقدمها عن أنفسنا كتاب في اليد مكتبة في الخلفية اقتباس عميق على الشاشة وقائمة طويلة من الكتب المقروءة مرة أخرى لا مشكلة في ذلك في حد ذاته المشكلة تبدأ عندما تصبح صورة القارئ أهم من فعل القراءة نفسه عندها يتحول الكتاب إلى علامة ثقافية والاقتباس إلى زينة لغوية وعدد الكتب إلى وسام اجتماعي وهنا يصبح السؤال محرج
هل نقرأ لأننا نريد أن نفهم أم لأننا نريد أن نبدو مثقفين؟
الفرق بين الأمرين هائل
فالثقافة ليست عدد الكتب التي مررنا بها وإنما مقدار ما فعلته هذه الكتب بعقولنا
قد يقرأ شخص كتابا واحدا ببطء ويختلف معه ويعيد بناء أفكاره على ضوء ما قرأ بينما يقرأ آخر خمسين كتابًا في العام ولا يتغير فيه شيء
ومشكلة اخرى في الاقتباسات لقد اختزلت وسائل التواصل الاجتماعي الكتاب في جملة
جملة جميلة قصيرةوقابلة للمشاركة وربما خالية تماما من السياق الذي أعطاها معناها وهنا يحدث شيء خطير نبدأ في معرفة الكلمات بدل الأفكار قد نعرف أجمل اقتباس في كتاب دون أن نعرف الحجة التي سبقت الاقتباس أو التي جاءت بعده. وقد ننسب إلى الكاتب موقفًا لم يقله أصلا لأننا أخذنا جملة من سياقها
إن المعرفة ليست مجموعة عبارات براقة
المعرفة سياق ودليل ومقارنة وأسئلة وشك وفهم للعلاقات بين الأفكار
ولهذا فإن القارئ الذي يكتفي بجمع الاقتباسات يشبه من يجمع قطعا من خرائط مختلفة ثم يظن أنه امتلك خريطة كاملة
ليس المطلوب أن يغير كل كتاب حياتنا هذه مبالغة أخرى لكن من المشروع أن نسأل بعد كل قراءة ما الذي أضافه هذا الكتاب إلى قدرتي على الفهم؟
قد يكون الجواب فكرة جديدة وقد يكون اكتشاف خطأ في فكرة قديمة
وقد يكون مجرد سؤال لم نكن نعرف كيف نطرحه
وهذا في حد ذاته مكسب
فالقراءة لا تمنحنا دائمًا أجوبة أحيانا تمنحنا أسئلة
والسؤال الجيد قد يكون أثمن من إجابة جاهزة لأنه يظل يعمل داخل العقل حتى بعد أن نغلق الكتاب
المعلومة التي لا نستخدمها معرضة للتلاشي لذلك لا يكفي أن نقرأ، بل علينا أن نفعل شيئًا بما قرأنا
اكتب الفكرة بلغتك ناقشها اعترض عليها ابحث عن دليل يؤيدها وآخر يضعفها قارنها بكتاب آخر
ثم حاول أن تجد لها مكانا في حياتك
إذا قرأت عن إدارة الوقت انظر إلى يومك إذا قرأت عن التفكير النقدي راقب أحكامك أنت قبل أن تنتقد أحكام الآخرين
إذا قرأت عن العلاقات الإنسانية راقب طريقة حديثك مع من تختلف معهم
إذا قرأت عن التاريخ لا تحفظ الأحداث فقط اسأل عن الروايات المختلفة ومن كتب التاريخ ومن غاب عنه عندها تبدأ المعلومة في التحول إلى معرفة والمعرفة إلى خبرة والخبرة إلى جزء من الشخصية في حين ان القراءة ليست سباق ربما آن الأوان للتوقف قليلا عن الهوس بأرقام القراءة
كم كتابًا قرأت في السنة؟
هذه الأسئلة تصلح لقياس النشاط لكنها لا تصلح وحدها لقياس أثر القراءة ويبقى السؤال الأهم
كم كتابا جعلك تعيد النظر في شيء كنت تظنه صحيحا؟كم كتابا كشف لك تحيزا في تفكيرك؟
هذه في رأيي أسئلة أكثر جدوى من عدّ الكتب وبالتالي
فالقارئ هو الذي يصبح أكثر حذرا في إطلاق الأحكام وأكثر قدرة على التمييز بين الرأي والدليل وأكثر استعدادا لتغيير موقفه عندما تتغير الأدلة
إن القراءة الجادة لا تجعل الإنسان أكثر يقينا بالضرورة أحيانا تجعل يقينه أكثر تواضعا وهذا أحد أعمق اثارها
فكلما قرأنا أكثر اكتشفنا أن العالم أعقد مما تصورنا وأن كثيرا من الإجابات السهلة تخفي وراءها أسئلة صعبة
وهنا تكمن قيمة القراءة أن تجعلنا أكثر وعيا بما نعرفه وما لا نعرفه ولماذا نعتقد ما نعتقده
لا يحتاج العالم إلى قارئ يستطيع أن يقول قرأت مئة كتاب إنه يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول قرأت وفكرت وشككت وقارنت ثم غيّرت شيئا في نفسي فالكتاب الذي يبقى على الرف لا يصنع معرفة
والاقتباس الذي يبقى على الشاشة لا يصنع وعيا
والمعلومة التي لا تدخل في التفكير ولا السلوك سرعان ما تصبح أثرا باهتا في الذاكرة القراءة تبدأ من العين لكنها لا تصبح معرفة إلا عندما تصل إلى العقل ولا تصبح جزء من الإنسان إلا عندما تنزل من العقل إلى الحياة وعندها فقط لا يعود السؤال كم قرأنا؟بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ماذا فعلت القراءة بنا؟