شريف محيي الدين إبراهيم - نصائح لا أتذكرها...

جالسٌ على الأرضِ وحيدًا، يستند بظهره إلى شجرةِ شارعِنا الوحيدة، لا يضحك ولا يتحرّك كثيرًا، وكأن العالم كلّه قد انسحب من حوله.

هو شابٌّ مستهتر؛
يدخّن الحشيش أحيانًا، ويشرب الخمر متى سنحت له الفرصة، ويغازل فتيات الشارع، ويتحرّش بهن بلا خجل، لكنه فاشلٌ حتى في إقامة علاقةٍ واحدةٍ جادّة؛ فهو مادةٌ للسخرية، ومجرّد أداةٍ يستخدمنها للهو والضحك.

وعندما كنّا نلعب كرة القدم، كان الجميع يتجنّب وجوده في الفريق نفسه؛ فهو سمين، يكاد يلهث إذا تحرّك.
أبوه لا يراه إلّا ويتشاجر معه، وأمّه تبكي على حاله دائمًا.
الجيران يتحاشونه، والأصحاب يسخرون منه.

لكن في تلك الليلة، كانت يداه تعبثان بتراب الأرض، يرسم خطوطًا ثم يمحوها، كأنَّ قلبه يحاول كتابة ما يعجز لسانه عن قوله.

تقدّمتُ إليه، لا بدافع الاهتمام، بل من فرط الملل، وجلستُ إلى جواره.
حكى عن مشاكله بصوتٍ متردّد.
لم تكن لديّ رغبةٌ حقيقيةٌ في مساعدته، غير أنّي تصنّعتُ الجدية الشديدة، وتلوّنتْ نبرة صوتي بين الحزم واللين، كأنني أحد كبار علماء التنمية البشرية الذين يملكون الوصفة السحرية للنجاح والتفوّق.
أقنعته أنّه إن هو التزم بكلماتي سيغدو عالمًا أو طبيبًا، أو حتى قائدًا عسكريًا كبيرًا، وأن الجميع سيفخرون به.
كلماتٌ سريعة، ظاهرها الحكمة، وباطنها سخريةٌ مبطّنة.

وفي خضمّ حديثنا، رأيتُ ضوء القمر يتسلّل من بين الأسطح، ويُلقي خيطًا من نوره على التراب، وعلى الشجرة التي نتكئ عليها.
بدت الشجرة كأنها تراقبنا في صمت، وتهتزّ أغصانُها بخفّة كلما حرّكنا أيدينا في التراب.
كان يهزّ رأسه بإيمان طفلٍ وجد مَن يُصغي إليه للمرة الأولى.
وفي لحظةٍ خاطفة، توقّفتُ عن الكلام ونظرت في عينيه… كان فيهما شيءٌ غريب؛ ارتباكٌ عميق يشبه سؤالًا لم يجد بعدُ مَن يجيب عنه. شعرتُ لوهلةٍ بأن ما أقوله قد يحمل قيمةً ما.

كانت تلك الكلمات آخر حديثٍ بيننا؛ بعدها مضى كلٌّ منّا في طريقه.

مضت الأيام… تخرّجنا… عملنا… تزوّجنا… والذاكرة محشوةٌ بأسماءٍ تسقط كما تسقط أوراق الشجر في آخر الخريف.
سنواتٌ طويلة مرّت…

وفي زحمة الحياة، جاء يومٌ لم أنسه أبدًا.
كارثةٌ وقفت على بابي بلا رحمة:
اتهامٌ قانوني خطيرٌ يتعلق بعملي… مسؤوليةُ ضياع ملفاتٍ حسّاسة، وشبهةُ فساد، وتهديدٌ مباشر بإنهاء خدمتي وإحالتي للتحقيق.
اتهام قادرٌ على تدمير سمعتي ومستقبل أسرتي.
وما زاد الطين بِلّة… أنّ الجهة مقدّمة الشكوى جهةٌ سيادية لا يُناقش أحدٌ قراراتها.

خرجتُ من المبنى وأنا أشعر أنّ الهواء صار ثقيلًا حدّ الخنق.
وقفتُ في الشارع كأنني غريقٌ يبحث عن أيّ حافةٍ يتشبّث بها.

وفجأة توقّفت سيارةٌ سوداء لامعة أمامي…
انخفضت نافذتها الخلفية، وصوتٌ ثابت يناديني باسمي:

– اركب… بسرعة.

لم أعرف لماذا أطعت، لكن نبرة الصوت لم تترك لي مساحةً للرفض.
جلست… التفتُّ… فصُعقت.

كان هو.
نفس الفتى الفاشل… لكن لا شيء فيه يشبه الماضي.
رجلٌ أنيق، بثقة ثابتة، وملامح حادّة… وعلى صدره شعار جهةٍ رقابيةٍ سيادية من أعلى المستويات.

نظر إليّ بثبات وقال:
– ما تقلقش… التحقيق اتقفل، والاتهام اتمسح… خلاص.
ولا حد هيقرب لك.

سألته بدهشةٍ حقيقية:
– إنت؟!
إزّاي؟!
إزّاي بقيت في المكان ده؟!
و… ليه بتساعدني؟!

ضحك ضحكةً قصيرة وقال:
– كيف أتخلّى عن صديقٍ قديمٍ عزيز مثلك؟
إنت الوحيد اللي عاملتني زمان كإنسان له قيمة.

شكرته بحرارةٍ وأنا أكاد أبكي.
فهمس بهدوء:
– بل أنا الذي أشكرك.

دهشت:
– على ماذا؟

سكت لحظة… ثم أكمل بصوتٍ خافت لكنه قاطع:
– نصايحك.
أنا مشيت عليها بالحرف.
ولحد النهارده… هي دستوري في الحياة.

تجمّدت الكلمات في فمي.
لم أعرف ماذا أقول.
كنت مذهولًا… منبهرًا… أية نصائح؟!

رجعتُ إلى البيت وأنا لا أصدق أن كلماتي… نصائحي… صنعت رجلًا بهذه القوة.
تلك الكلمات التي ألقيتُها في لحظة ملل… ربما كنتُ عابثًا أو ساخرًا… ربما لم أكن صادقًا، لكنه هو صدّقني!
نعم، صدّقني!!
مجرد كلماتٍ ربما لم أكن أعنيها، حوّلت إنسانًا تحولًا مبهرًا، من قمّة الفشل إلى قمّة النجاح!!


وفي المساء، وجدتني أمشي وحدي حتى وقفت تحت شجرة شارعنا القديمة نفسها… أصبحت أطول، وأغصانها أعقد. رفعت رأسي نحو القمر… وتسائلت بدهشة موجعة: كيف صارت جملة لا أذكرها… دستورًا لحياة
كاملة؟
هل هي حقا كانت كلمات سحرية،و روشتة كاملة لطريق النجاح؟!

حاولت أن أتذكر كلمة واحدة منها، ولكن عبثًا أفعل. ضحكت في سخرية.
تحرّكت أغصان الشجرة بخفّة… كأنها تبتسم ، بينما القمر يراقبني بصمت، وكأنه يعلم سرّ التحوّل الذي صنعته كلمات صغيرة، منسية، لكنها كانت كافية لتغيير حياة إنسان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى