غانية ملحيس ونزع الغطاء عن وهم الحكم الذاتي
لا تأتي ورقة غانية ملحيس كإضافة جديدة إلى خطاب النقد الفلسطيني الموجّه للسلطة الفلسطينية، بل تمثّل انتقالًا نوعيًا من مساءلة الأداء إلى تفكيك النموذج السياسي ذاته. فهي لا تتوقف عند الفساد وسوء الإدارة وضعف الكفاءة، بل تذهب إلى الجذر، معتبرة أن الأزمة الفلسطينية الراهنة هي أزمة نموذج حكم صُمِّم منذ البداية ضمن شروط استعمارية تمنع التحرر ولا تقوده.
تكمن أهمية الورقة في أنها تنزع الغطاء عن افتراضٍ ساد طويلاً في الخطاب السياسي الفلسطيني، مفاده أن الحكم الذاتي قابل للإصلاح، وأن المشكلة تكمن في الأشخاص لا في البنية. وتعيد ملحيس تعريف السلطة الفلسطينية بوصفها نتاج هندسة استعمارية، وأداة ضبط سياسي وأمني واقتصادي، لا إطارًا انتقاليًا نحو تقرير المصير. وبهذا المعنى، فإن السلطة ليست فاشلة بقدر ما هي ناجحة في أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
تؤكد الورقة أن استحالة إصلاح السلطة من داخلها ليست موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة منطقية لبنيتها. فالسلطة بلا سيادة، وبلا سيطرة على الأرض والموارد، وبلا استقلال مالي، وبلا حرية قرار أمني أو سياسي. وفي ظل هذه الشروط، يصبح الإصلاح مجرد تحسين تقني لإدارة القيد، لا تفكيكًا له. وهنا تسقط الورقة رهانًا سياسيًا مركزيًا حكم المرحلة الماضية: رهان الإصلاح التدريجي داخل نموذج الحكم الذاتي.
ولا تكتفي ملحيس بتشريح البنية السياسية، بل تنتقل إلى تحليل أثر الحكم الذاتي على المجتمع الفلسطيني نفسه. فالسلطة، وفق هذا التحليل، لم تُعد تشكيل النظام السياسي فحسب، بل أعادت تشكيل المجتمع عبر تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد تبعية، وإفراغ المجتمع المدني من دوره السياسي وتحويله إلى “اقتصاد مشاريع” ممول خارجيًا، وتعزيز الفردانية والاعتمادية، وإنتاج وعي شبابي إداري بلا أفق تحرري. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يجعل أي مشروع وطني بديل مستحيلاً دون معالجة هذا التشوه الاجتماعي العميق.
وفي هذا السياق، ترفض الورقة التعامل مع تجربة حكم حركة حماس في قطاع غزة بوصفها استثناءً أو نقيضًا لتجربة السلطة في الضفة الغربية. بل ترى فيها دليلاً إضافيًا على فشل نموذج الحكم الذاتي نفسه. فمحاولة الجمع بين حكم بلا سيادة ومقاومة في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي أدت إلى حصار وحروب متكررة، وإدارة سكانية تحت الضغط، وتكريس الانقسام بوصفه وظيفة مُدارة إقليميًا ودوليًا. وتخلص الورقة إلى أن الحكم الذاتي، سواء في رام الله أو غزة، ظل أداة أقل كلفة للاحتلال في إدارة المجتمع الفلسطيني.
ومن أبرز إسهامات الورقة قراءتها لعملية طوفان الأقصى بوصفها انفجارًا بنيويًا ناتجًا عن انسداد كامل في الأفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا كمغامرة عسكرية معزولة. فالحدث، وفق هذا المنظور، أعاد طرح سؤال التحرر، وأسقط أوهام الدولة المنيعة، وكشف حدود الرهان على الزمن والنظام الدولي، بغض النظر عن التقييم السياسي أو الأخلاقي لكلفته البشرية والمادية الهائلة.
كما تضع الورقة الأزمة الفلسطينية في سياقها الإقليمي والدولي، معتبرة أن الانقسام الفلسطيني لم يكن خللًا عارضًا، بل بنية مُدارة للحفاظ على استقرار نموذج الحكم الذاتي. وفي المقابل، تشير إلى التحول النوعي الذي أحدثه التضامن العالمي الواسع مع الشعب الفلسطيني بعد طوفان الأقصى، والذي تجاوز التعاطف الأخلاقي ليصبح فاعلًا جيوسياسيًا مؤثرًا، يضغط على الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية، ويعيد تعريف فلسطين بوصفها رمزًا عالميًا لمقاومة الاستعمار والعنصرية.
ورغم عمق التشخيص، لا تقدّم ملحيس وصفة جاهزة، بل تفتح أفقًا فكريًا تأسيسيًا يدعو إلى الانتقال من إدارة الحكم الذاتي إلى إدارة مسار تحرر. وهي تشدد على ضرورة إعادة تعريف التحرر وتقرير المصير، وبناء تعاقد وطني جديد، وإطار تمثيلي جامع يعيد وصل الداخل بالشتات، والقيادة بالمجتمع، والمقاومة بالمشروع الوطني.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى ملاحظتين بنّاءتين: الأولى، غياب تصور عملي واضح لإدارة المرحلة الانتقالية بين تفكك النموذج القائم وتبلور البديل؛ والثانية، الحاجة إلى تصور تنظيمي أوضح لكيفية تحويل المبادرات المجتمعية والشبابية إلى بنية تمثيلية مستقرة وقادرة على الاستمرار.
في الخلاصة، لا تقدّم ورقة غانية ملحيس نصًا للإجماع، ولا يُفترض بها ذلك. إنها نص كاشف وصادم، لأنه يسحب الشرعية الفكرية عن نموذج اعتاد الفلسطينيون التعايش معه، ويضعهم أمام سؤال وجودي لا يمكن تأجيله: كيف نتحرر دون سلطة صُممت لمنع التحرر؟
وهي بذلك ليست دعوة لهدم السلطة، بل لتجاوز منطقها، وإعادة التفكير في السياسة الفلسطينية بوصفها فعل تحرر لا إدارة أزمة.
بقلم: المهندس غسان جابر
14/12/2025
لا تأتي ورقة غانية ملحيس كإضافة جديدة إلى خطاب النقد الفلسطيني الموجّه للسلطة الفلسطينية، بل تمثّل انتقالًا نوعيًا من مساءلة الأداء إلى تفكيك النموذج السياسي ذاته. فهي لا تتوقف عند الفساد وسوء الإدارة وضعف الكفاءة، بل تذهب إلى الجذر، معتبرة أن الأزمة الفلسطينية الراهنة هي أزمة نموذج حكم صُمِّم منذ البداية ضمن شروط استعمارية تمنع التحرر ولا تقوده.
تكمن أهمية الورقة في أنها تنزع الغطاء عن افتراضٍ ساد طويلاً في الخطاب السياسي الفلسطيني، مفاده أن الحكم الذاتي قابل للإصلاح، وأن المشكلة تكمن في الأشخاص لا في البنية. وتعيد ملحيس تعريف السلطة الفلسطينية بوصفها نتاج هندسة استعمارية، وأداة ضبط سياسي وأمني واقتصادي، لا إطارًا انتقاليًا نحو تقرير المصير. وبهذا المعنى، فإن السلطة ليست فاشلة بقدر ما هي ناجحة في أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
تؤكد الورقة أن استحالة إصلاح السلطة من داخلها ليست موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة منطقية لبنيتها. فالسلطة بلا سيادة، وبلا سيطرة على الأرض والموارد، وبلا استقلال مالي، وبلا حرية قرار أمني أو سياسي. وفي ظل هذه الشروط، يصبح الإصلاح مجرد تحسين تقني لإدارة القيد، لا تفكيكًا له. وهنا تسقط الورقة رهانًا سياسيًا مركزيًا حكم المرحلة الماضية: رهان الإصلاح التدريجي داخل نموذج الحكم الذاتي.
ولا تكتفي ملحيس بتشريح البنية السياسية، بل تنتقل إلى تحليل أثر الحكم الذاتي على المجتمع الفلسطيني نفسه. فالسلطة، وفق هذا التحليل، لم تُعد تشكيل النظام السياسي فحسب، بل أعادت تشكيل المجتمع عبر تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد تبعية، وإفراغ المجتمع المدني من دوره السياسي وتحويله إلى “اقتصاد مشاريع” ممول خارجيًا، وتعزيز الفردانية والاعتمادية، وإنتاج وعي شبابي إداري بلا أفق تحرري. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يجعل أي مشروع وطني بديل مستحيلاً دون معالجة هذا التشوه الاجتماعي العميق.
وفي هذا السياق، ترفض الورقة التعامل مع تجربة حكم حركة حماس في قطاع غزة بوصفها استثناءً أو نقيضًا لتجربة السلطة في الضفة الغربية. بل ترى فيها دليلاً إضافيًا على فشل نموذج الحكم الذاتي نفسه. فمحاولة الجمع بين حكم بلا سيادة ومقاومة في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي أدت إلى حصار وحروب متكررة، وإدارة سكانية تحت الضغط، وتكريس الانقسام بوصفه وظيفة مُدارة إقليميًا ودوليًا. وتخلص الورقة إلى أن الحكم الذاتي، سواء في رام الله أو غزة، ظل أداة أقل كلفة للاحتلال في إدارة المجتمع الفلسطيني.
ومن أبرز إسهامات الورقة قراءتها لعملية طوفان الأقصى بوصفها انفجارًا بنيويًا ناتجًا عن انسداد كامل في الأفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا كمغامرة عسكرية معزولة. فالحدث، وفق هذا المنظور، أعاد طرح سؤال التحرر، وأسقط أوهام الدولة المنيعة، وكشف حدود الرهان على الزمن والنظام الدولي، بغض النظر عن التقييم السياسي أو الأخلاقي لكلفته البشرية والمادية الهائلة.
كما تضع الورقة الأزمة الفلسطينية في سياقها الإقليمي والدولي، معتبرة أن الانقسام الفلسطيني لم يكن خللًا عارضًا، بل بنية مُدارة للحفاظ على استقرار نموذج الحكم الذاتي. وفي المقابل، تشير إلى التحول النوعي الذي أحدثه التضامن العالمي الواسع مع الشعب الفلسطيني بعد طوفان الأقصى، والذي تجاوز التعاطف الأخلاقي ليصبح فاعلًا جيوسياسيًا مؤثرًا، يضغط على الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية، ويعيد تعريف فلسطين بوصفها رمزًا عالميًا لمقاومة الاستعمار والعنصرية.
ورغم عمق التشخيص، لا تقدّم ملحيس وصفة جاهزة، بل تفتح أفقًا فكريًا تأسيسيًا يدعو إلى الانتقال من إدارة الحكم الذاتي إلى إدارة مسار تحرر. وهي تشدد على ضرورة إعادة تعريف التحرر وتقرير المصير، وبناء تعاقد وطني جديد، وإطار تمثيلي جامع يعيد وصل الداخل بالشتات، والقيادة بالمجتمع، والمقاومة بالمشروع الوطني.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى ملاحظتين بنّاءتين: الأولى، غياب تصور عملي واضح لإدارة المرحلة الانتقالية بين تفكك النموذج القائم وتبلور البديل؛ والثانية، الحاجة إلى تصور تنظيمي أوضح لكيفية تحويل المبادرات المجتمعية والشبابية إلى بنية تمثيلية مستقرة وقادرة على الاستمرار.
في الخلاصة، لا تقدّم ورقة غانية ملحيس نصًا للإجماع، ولا يُفترض بها ذلك. إنها نص كاشف وصادم، لأنه يسحب الشرعية الفكرية عن نموذج اعتاد الفلسطينيون التعايش معه، ويضعهم أمام سؤال وجودي لا يمكن تأجيله: كيف نتحرر دون سلطة صُممت لمنع التحرر؟
وهي بذلك ليست دعوة لهدم السلطة، بل لتجاوز منطقها، وإعادة التفكير في السياسة الفلسطينية بوصفها فعل تحرر لا إدارة أزمة.
بقلم: المهندس غسان جابر
14/12/2025