رسالتان بين غانية ملحيس ويحيى بركات

1- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات

الصديق العزيز يحيى

تساؤلك "هل أستراليا الحلقة الأخيرة ؟" يحفز التفكير والتمعن ، فكما أشرت بدقة في مقالك أن جريمة أستراليا ليست مجرد حادثة أمنية، بل علامة داخل نمط سياسي متكرر.
لكن هذا النمط لا يمكن فهمه كاملا إلا إذا أُعيد ربطه بما هو أعمق: أزمة نظام الحداثة الغربي ذاته بعد طوفان الأقصى، فما كشفه الطوفان لم يكن “خللا في المشهد”، بل انكشافا لبنية كاملة: بنية ادّعت التفوق الأخلاقي، وتغذت على خطاب حقوق الإنسان، ثم سقطت دفعة واحدة حين اختارت الإبادة علنا، بلا مواربة.
منذ تلك اللحظة، دخل النظام في مرحلة احتواء الفضيحة لا احتواء الصراع. ومن إدارة الصراع إلى إدارة الوعي. فبعد إبادة غزة - التي ما تزال مستمرة وما تغير فقط وتيرتها - لم تعد المشكلة في “فعل المقاومة”، بل في انهيار السردية التي طالما قدمت الكيان الصهيوني بوصفه: ضحية، وقلعة ديمقراطية، وامتدادا أخلاقيا للحداثة الغربية.
هنا بالضبط يعود الإرهاب إلى الواجهة، لا كخطر، بل كـأداة ضبط للوعي. فليس الهدف من إعادة تشغيل الخوف: حماية اليهود، ولا مواجهة التطرف،بل إعادة ترميم المركز الأخلاقي المنهار:
‏‎إعادة العالم إلى معادلة: نحن في مواجهة شر مطلق، فلا وقت للأسئلة الأخلاقية”.
‏‎وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الوظيفي للصهيونية داخل نظام الحداثة: فهي ليست مجرد حركة تخليق هجين ديني عابر للقوميات لاستبدال وطن وشعب، بل أداة استعمارية استيطانية غربية صهيونية صُممت لتأدية وظائف: ضبط الشرق، إدارة العنف، وتوفير عدو دائم يبرر عسكرة العالم.
‏‎وحين انكشف هذا الدور في غزة، وتحوّل الكيان الصهيونى من “ضحية تاريخية” إلى فاعل إبادة مباشر،
‏‎كان لا بد من: تشتيت البوصلة،إعادة تشغيل سردية الخوف، وإنتاج لحظة تُربك الوعي العالمي. وهنا تصبح أستراليا وظيفة لا جريمة فقط.
‏‎أما لماذا الآن؟ فجوابه لأن الزمن انكسر ، الزمن الذي وقعت فيه الجريمة ليس تفصيلا. إنه زمن:
‏‎ بدأت فيه دول غربية تكسر المحرمات: اعترفت بفلسطين، ووصفت ما يجري في غزة بالإبادة، وخرجت فيه الشوارع عن سيطرة الإعلام. فهذا هو التوقيت الذي لا يُترك للصدف. والهدف لم يكن إثبات شيء، بل إيقاف مسار:
‏‎مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية.
وعليه، ما بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة ، لم يعد الإرهاب فعلا فقط، بل لغة سياسية جاهزة: تُستدعى لإسكات النقد، لتجريم التضامن،
‏‎ لإعادة ابتزاز الضمير الأوروبي ولحماية مشروع إبادي فقد شرعيته.
‏‎وهنا تصبح الدماء - أي دماء - مادة خام لإعادة بناء الخوف.
‏‎ما يغيب عن معظم التحليلات، ويحضره مقالك ضمنيا، هو أن الفلسطيني لم يعد: ضحية صامتة، ولا موضوع شفقة، بل شاهد إدانة على نظام كامل. ولهذا بالضبط، يُعاد تشغيل أدوات الإرهاب:
‏‎لأن الحقيقة خرجت من موقع السيطرة، ولأن الفلسطيني كسر احتكار الرواية والسوال الحقيقي ليس: هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟ بل : هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
‏‎حين يُفهم النمط، لا تعود الجرائم صادمة، بل تصبح مكشوفة الوظيفة.
‏‎وهنا، كما تقول ضمنا:
‏‎حين يُفضح المستفيد،
‏‎تفشل الخطة.
غانية ملحيس 16/12/2025


/////////////



2- رسالة يحيى بركات



الصديقة العزيزة د. غانية،
تعليقك لا يقرأ المقال… بل يفتح طبقته العميقة.
نعم، ما بعد طوفان الأقصى لم يعد الزمن فيه خطيًا، ولا الأحداث منفصلة. ما انكشف ليس فقط وحشية كيان، بل عُري منظومة ادّعت طويلًا احتكار الأخلاق، ثم انهارت حين اختارت الإبادة بوصفها “خيارًا سياديًا”.
أوافقك أن المسألة لم تعد “إدارة صراع”، بل إدارة وعي.
وحين تنهار السردية، لا يُستدعى المنطق، بل الخوف.
لا تُطرح الأسئلة، بل تُجَرَّم.
ولا يُحمى اليهود، بل يُستَخدم دمهم لإعادة ترميم مركز أخلاقي مكسور.
هنا، يصبح الإرهاب لغةً لا حدثًا،
وأداةَ ضبط لا خطرًا عارضًا.
لغة تُستدعى كلما اقترب العالم من تسمية الأشياء بأسمائها، وكلما خرج الفلسطيني من موقع الضحية إلى موقع الشاهد المُدانِف لمنظومة كاملة.
ما تفضلتِ به عن “الدور الوظيفي للصهيونية” يضع النقاش في مكانه الصحيح:
لسنا أمام كيان طارئ، بل أمام أداة داخل بنية، وظيفتها الدائمة إنتاج العنف، وتبريره، ثم تحويله إلى ضرورة أخلاقية.
وفي هذا السياق، لا تُقرأ أستراليا كجريمة معزولة، بل كـ إشارة داخل محاولة أوسع لإيقاف مسار:
مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية،
ومسار خروج الشارع عن السيطرة،
ومسار كسر المحرمات السياسية.
لهذا، السؤال لم يعد:
هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟
بل، كما تفضلتِ بدقة:
هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
حين يُفهم النمط،
لا تعود الجرائم مفاجئة،
ولا يعود الخوف مُقنعًا،
ولا تعود السرديات القديمة صالحة.
وحين يُفضح المستفيد…
تبدأ نهاية الوظيفة.
مع التقدير العميق لهذا التفكيك الذي لا يُضيف سطرًا،
بل يفتح أفقًا.
يحيى بركات
16/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى