العقيد بن دحو - سلطة الفلسفة

حتى أوائل القرن العشرين ظلت الفلسفة حبيسة الأدمغة ، ظلت أسيرة التقليد الأغريقي ، و حين أنشق الفيلسوف أفلاطون ،شط عن فن الشعر ، كونه كان شاعرا بالبدء . كفّ عما يربطه بلعبة المحاكاة ورؤى الاحلام و الخيال ، و كذا الجنوح بذاك السؤال السفسطائي (البيضة أم الدجاجة) !؟ الى سؤال آخر أكثر من ان يكون مجرد يوفر اللهو و التسلية أو الفلسفة من اجل الفلسفة!.
كان لا بد على افلاطون أن ينجو بنفسه ، و بالفلسفة و ببقية الفلاسفة الى فضاء آخر ملموس و أكثر واقعية. كأن شيّد و أسس جمهوريته الفاضلة بعيدا عن الفنون الزمكانية و أهلهما !
غير أن هذه الجمهورية مع تدافع الأيام صارت سجنا للفلاسفة أكثر منها أن تكون فكرة تحررية بعيدة عن التفكير الأرسطي الذي بدوره أوقف السؤال الفلسفي عن فكرة التطهير الدرامي (الكاتارسيزي) : سؤال واحد ووحيد اوحد : هل الجريمة تفيد !؟
وحتى عندما تجرع سقراط سم (الشوكران) المميت ق:(_ 399) ق.م نزولا عند حكم المحكمة بتهمة تعاليمه و دروسه المشككة في تقوى الآلهة ، أوصى تلاميذته أن تقدم دجاجة قربانا للإله (أسكولابيوس) حتى لا يكون سقراط قاطع ود بين الآلهة و البشر ، ستبقى الآلهة آلهة حتى ان كانت ظالمة !.
ظلت الفلسفة محل ريبة وحذر وفي منأى عن السياسة.
غير أن الدارس للثيوغونيا أو / أنساب الآلهة الاغريقية ، سواء عند الشاعر الملحمي الأورستقراطي هوميروس أو عند الشاعر الملحمي الديمقراطي هزيود ، سيكتشف بأن ساعةانتصار (زيوس) سيد النظام على آلهة الشر ، بدأ يشعر بثقل حجم المسؤولية المستقرة في رأسه فتراه يطلب من الإله الأعرج (هيفياستوس) الذي كانت تضحك و تسخر منه الآلهة ، أن يشق رأسه ببلطة فخرجت منه الإلهة (منيرڤا) بيدها الرمح و على رأسها خوذة في اشارة الى قوة الحكمة ، و منه جاءت الفلسفة (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة ، بل جاءت اللمحة الأولى للنظرة الأولى عن قدرة لفكرة متقدمة عن قوة و سلطة الفلسفة.
غير أنها في مجرى التاريخ سواء قبل التدوين أو بعد التدوين لم يثبت أي تقارب بين حاكم اغريقي و بين فيلسوف ، أو أن تسامت فيه السياسة الفلسفة أو العكس.
و حتى عندما عاد الحاكم المستبد الدكتاتوري (بيزستراتوس) من منفاه ق: (_ 411) ق.م و نزل عند رغبة الجماهير ، اذ زكى و شجع و دعم المزيد من قوانين (صولون) الحكيم ، كما نزل عن رغبة الجماهير ودون "الإليادة و الأوديسا" ، الملحمتين الشهيرتين الهوميريتين ، كما رسّخ ورسّم نهائيا الفن و الأدب التمثيلي في العيدين الدينيين (ديونيسيوس) و (أبولو).
غير ان ذلك كله كان لأغراض سياسوية و لم يكن حبا في اعين الاغريق أو في الفن و الأدب.
و على الرغم من التقدم الثقافي و الحضاري ظلت الفلسفة مقتصرة على فئة انتلجنسيا منها و عن طريقها و اليها ، و لم تبلغ عموم الشعب و الدوائر الشعبية إلا عند المذهب أو / المدرسة السيريابية (1919 - 1939) ، حينها طرح الفلاسفة سؤالا آخر :
لماذا هذه السيريالية !؟
مدى التعبير عن خواطر النفس في مجراها الحقيقي ، بعيدا عن أي التزام يفرضه العقل أو المنطق ، ثم الإيمان بسلطان الأحلام المطلق.
السيريالية Surealisme أو ما وراء الواقع ؟ ما خلفته تلك الحرب العالمية من أثار دمار و خراب على الإنسان و العرق و البيئة و التاريخ و على القيم أيضا : تفكك ، عدمية ، اغتراب ، أدب هروب ، اللجوء الى الأسطورة.
إلا أن رغم كل تلك المآسي بدأت تشهد تلك الفترة خروج الفلسفة من برجها العاجي وتحطيم جدار جمهوريتها الفاضلة الرابع و بداية سلوكها الى طريق الفن ، أين يكون الإنسان مضافا الى الطبيعة ، و أن تأخذ الفلسفة بناءا زمكانيا نسبة و تناسبا كما هي عند (ستانسلافسكي) ، و يصير الفيلسوف مهندس الروح و الجسد و النفس و العقل معا كما يقول (سطالين).
كما صارت تطرح اسئلة وجودية مع (سارتر) "الذباب" أو " الندم" نموذجا ، خين عالج مشكل الإستعمار النازي 1943 اسئلة اخلاقية تقليدية بأسئلة وجودية.
أخير صار للفيلسوف رؤية خاصة به ، فإذا كان الشاعر يرى بالكلمات ، و الرسام يرى بألألوان ، و النحاث يرى بالججوم ، و الروائي يرى بالإنطباعات المعاشة / وقائع علم الشعور فإن من شأن الفيلسوف أن يرى وفق كل هذه الرؤى دفعة واحدة.
أخيرا صار الفيلسوف فنانا ، شاعرا ، سابقا لأوانه ، يكتب من ذاكرة المستقبل . كل ما في الأمر عاد الى جذوره الأولى يوم كانت ذاكرته مرتبطة بذاكرة الإله أو نصف الإله ، الوعي الجمعي ، نفس جماعية أي بالأسطورة ، الأسطورة سذاجة البداية ، الرحم الذي يخرج منه مجددا سيكولوجيا و تاريخيا جنين الملحمة و الشعر و الفلسفة أو كما يقول (فرينكر).
أخيرا صارت الفلسفة فنا و صار الفيلسوف فنانا ، لقد تخلى فيها طواعية على مرحلة الحلم الى مرحلة الصوّر و تعاهد الفكر ليعبر عن مشاعره.
صار للفيلسوف نا ينقره وحش الطير نهارا ليتجدد ليلا (الكبد) / الندم ، الإشارة الى أسطورة (بروميثوس) مقيدا و طليقا.
يعود الفضل الى العالم الطبيب الفيزيولوجي الدراماتورجي أن حرر الفلسفة من حبس أذمغة البشر ، كما حررها (هيفياستوس) في الميثولوجية الاغريقية مما قبل التاريخ.
جعلها العالم (برتولد بريخت) تسري في كيان البشر في روح روحهم مجرى الدم كما نقل كرسي (القاضي) الى كرسي الجمهور ، ووضع هذا الاخير في موضع أن يتحذ (موقف) ، في حالة تفكير و تغيير ، لا أن يظل أسيرا الى مذهب القيود الأرسطي (الكاتارسيزي). سلبيا متفرجا على الأحداث لا حول له و لا قوة.
صار موقف الفيلسوف لا يكتفي بالتأمل أو طرح السؤال الذي يجر وراءه سؤالا مارطونيا بلا طائل ، انما مصحوبا بإتخاذ فعل ما !
هو تقدم ملموس تشهده الفلسفة حينما صارت المجموعة الفلسفية تتشكل في مشروع فكري له واقع ملموس على الأرض له مدخلات محددة و متخلل و مخرجاته و تغذيته الراجعة.
قابلة للإبداع و التفكير و المحاكمة ، غير ذاك النمطي الذي أرادوها ان تظل عليه.
الى أبد الأبدين.
لم تعد الفلسفة مقرونا على استاذ التعليم الثانوي ، و لا على الأستاذ الجامعي و لا على القضايا الكليات و الجزئيات و تحليل و الجدال اقصى تقدير ، صارت الفلسغة موهبة و ابداعا ، و(وطن حلول) ، أنى ما حلّت حل الإله ، و الإبداع (لعبة الله).
صارت الفلسفة في سائر مظاهر الحياة ، حينما نطرح الأسئلة مجددا عن أية قضية و يأتي (العصف الذهني) أو الفرداني أو الذكاء الإصطناعي البحث عن الحلول المحتملة.
غير أن ظل رجل الاعمال و رجل المال و رجل الإعلام و رجل الدين متقدما على الفيلسوف حتى لا أقول رجل الفلسفة .
و كما صار الأدب سلطة منذ 1857 مع (صمويل جونسون) و رسالته الشهيرة للورد (تشيسترفيلد) ظلت الفلسفة محل ازدراء و سخرية و اسفاف سفور كلمات شعبوية. مجرد كلام السيد كلام..كلام..كلام كما هم عند أبطال للقلعة للكاتب الأديب(كافكا)!.
و اذا كان الأدب حتى القرن الثامن عشر ثري رجل الحرب يمتلك الثروة من التصوير الاجتمتعي ، و أسهم في (مصرف التاريح) ، و يمتلك ڤيلا على البوسفور مع (لوتي) واقطاعات اراضي في الأرياف مع (بلزاك ) ؟ و حتى سنة 1800 كانت الناس لا تطلب من الأدب إلا أن يسليهم ويوفر لهم اللهو و الترف ، اما اليوم صاروا يراجعونه فيما يتعلق بحياتهم اليومية كالزواج الطلاق ، العدل ، الحرية ، المساواة ، حقوق الإنسان و الجكم....
كما صار للأدب لافتات من الدعايا و اللوحات الإشهارية
في حين الفلسفة لا تزال بعيدة عن دواليب الدولة و عن دوائر السلطة السياسية ، و لم تستقر حول مؤسسة ما أو مشروع ما يمكنها من كسب الثروة أولا.
أن تكون فنانا ، أن تكون فيلسوفا لا يكفي أن تكون مبدعا خلاقا للأفكار و القيم و للمعنى و انما خلاقا للثروة أيضا.
"الفقر دية الكسل" /(هزيود).
الفنان الحقيقي و الفيلسوف الحقيقي أن يسعى الى استقلاله المادي و المعنوي ، الى حريته المالية التي لا تقل استقلالا عن حريته الشخصية ؛ اذ "لا حرية لاعداء الحرية" كما هو الشعار الذي رفعته السيريالية !
ثم الأديب الحقيقي ، الفنان الخقيقي ، الفيلسوف الحقيقي لا يحتاج الى (سلطة) كونه في حد ذاته سلطة.
و الى أن يشعر هؤلاء جميعا بهذه القيمة الإبداعية ، السلطة ، تظل الدعوة قائمة :
كن فيلسوفا ترى الدنيا بين يديك ألعوبة فلا تخش الشيطان و لا تهب السلطان...
يبدأ الشاعر موهبة ثم نابغة ثم ناقدا و ينتهي فيلسوفا..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى