كاجي موتوجيرو - تحت أشجار الكرز... قصة قصيرة - ترجمة وتقديم المبدع: خضير النزيل

مدخل -أولي- للتعريف بهذه القصة:


"تحت أشجار الكرز ، هناك جثة."
تبرز أولاً وقبل كل شيء هذه الجملة الإفتتاحيّة الشهيرة من قصة "تحت أشجار الكرز" للكاتب الياباني كاجي موتوجيرو ، والتي يمكن تفسيرها(قبل قراءة هذا النص) على أنّها استعارة تتعلق بجمال أزهار الكرز، والذي "يثير القلق عند النظر اليه" ولكن بعد أن ننتهي من قراءة هذه القصة، ونعيد النظر في فحوى هذه العبارة، فسوف نكتشف أن جمال أزهار الكرز ليس هو المقصود هنا،بل وجود الجثة التي سببها هذا الإنطباع بأنّها مدفونة تحت أشجار الكرز ، أما لماذا هي مدفونة تحت أشجار الكرز؟، فأعتقد أن السبب ينبع من قناعة بطل هذه القصة،بأن "الشخص يستطيع أن يدرك الحياة بوضوح فقط لأنه يعرف الموت"، والحياة المشار إليها هنا تشمل العندليب، وبراعم الأشجار الصغيرة، والأربعين عصفوراً، وأزهار الكرز في ذروة ازدهارها، وبما أنّ هذه "الحياة" تشكل استعارة في مقطع من مقاطع هذا القصة، فهي تمتلك جمالاً غامضاً وحيوي لا يمكن إلاّ أن يثير مشاعر الإنسان. ومع ذلك، يقول الراوي وبطل هذه القصة إن هذه الأشياء الجميلة،إذا كانت مجرد وجود،فهي ليست أكثر من صورة ذهنية ضبابية.ويقول أيضاً إنها لا تصبح جميلة حقًا إلا عندما يتربص بها "الموت" القاسي.
فقط عندما يوجد هذا التوازن تصبح هذه الصورة الذهنية واضحة، أو بعبارة أخرى، عندما يقارن المرء بين هذين الإحساسين المتناقضين تمامًا ويمكنه بالحياة والموت أن يدرك حقًا جمال الحياة، بمعنى أنّه لو لم يتم دفن الجثث، لما بدت أزهار الكرز جميلة إلى هذا الحد؛ بل كانت ستكون مجرد صورة ذهنية غامضة. أزهار الكرز جميلة إذن لأن الجثث مدفونة تحت جذورها.
لهذا يعتقد بطل الرواية من أن "الحياة جميلة بالضبط لأن الموت يقترب"، وتشعر كما لو أنّه يخاطب القارئ بهذه الكلمات مباشرة. وهو يقول أيضاً ما يلي:
جمال أزهار الكرز التي لا توجد جثث مدفونة تحتها هو جمال أجوف ، غير موثوق به. وهي فكرة غريبة بعض الشيء، عن النظرة الشائعة للحياة والموت. ذلك لأن أزهار الكرز وحتى بدون جثث مدفونة تحت جذورها تظل أزهاراً جميلة، بل إنّها تكون أجمل بكثير عندما لا تكون هناك جثث مدفونة تحتها على الإطلاق.
(وبالتأكيد، فإن مشاهدة الأزهار فوق جثة متعفنة تزحف عليها الحشرات أمر لا يمكن تصوره على الإطلاق...!).
ويقيناً أن آراء القراء حول جمال أزهار الكرز ستنقسم بشكل حاد في هذا الصدد. وأنا متأكد من الطريقة التي سوف يشعرون بها أيضاً، فالذين يتفقون مع وجهة نظر الراوي، فإن هذا العمل سيثير لديهم شعورًا بالموافقة وأن مايقوله صحيحاً وهم يفهمون ذلك.
أمّا بالنسبة للقراء الذين لا يشاركونه وجهة النظر هذه، فإن وجود جثة متعفنة تحت أزهار الكرز، أو سطح الماء المليء بجثث ذباب أسود، قد يجعل التجربة برمتها تبدو مزعجة بشكل واضح.
يُقال أن كاجي موتوجيرو قد خطرت له فكرة قصة "تحت شجرة الكرز" أثناء إقامته في منتجع يوغاشيما الحار في إيزو لتلقي العلاج من مرض السل. وعلى النقيض تمامًا من مسكنه في طوكيو، قدمت البيئة الطبيعية الوفيرة في يوغاشيما منظرًا جديدًا له. حيث قضى أيامه في مراقبة الحياة البرية والحشرات والتأمل في النباتات المحيطة به، وبطبيعة الحال، كانت أزهار الكرز، التي تشكل محور موضوع هذا العمل، من بين موضوعات ملاحظاته. قرب النزل الذي أقام فيه، وكانت هذه الأشجار حينها في ذروة ازدهارها. حيث واصل بعد عودته إلى طوكيو تطوير فكرة هذه القصة في ذلك الوقت الذي تدهورت فيه صحته ، تلقى طلباً للمساهمة في المجلة الشعريّة "Poetry and Poetics، وقد فعل ذلك حالما عاد إلى منزل العائلة.
من المحتمل أن كاجي موتوجيرو، كان مدركًا لهذا التباين في الإدراك أثناء الكتابة. ولهذا السبب بالتحديد، بينما يتحدث الراوي بمرح عن أزهار الكرز والجثة، تقف أنت أمامه، والعرق البارد يتصبب من جبينك، وتغمرك مشاعر الرهبة من هذا العمل الرائع ، حيث يتغير دائماً الانطباع الذي يتركه بشكل كبير اعتمادًا على حساسية القارئ.
تحت أشجار الكرز
كاجي موتوجيرو
ترجمة : خضير النزيل
هناك جثث مدفونة تحت أشجار الكرز!
هذا صحيح، أقسم بذلك. وإلا كيف يمكن للكرز أن يُزهر بهذه الروعة؟ هذا الجمال الذي لا يمكن تصديقه ، هو ما جعلني أشعر بالقلق لعدة أيام .لكن الآن، فهمت الأمر أخيرًا،. هناك جثث مدفونة تحت أشجار الكرز. أقسم، هذا صحيح.
لماذا، في طريقي إلى المنزل كل ليلة، من بين كل الأشياء الموجودة في غرفتي، تسيطر تلك الشريحة المعدنية الصغيرة — شفرة ماكينة الحلاقة — على ذهني كرؤية عراف؟ قلت إنك لا تعرف. أنا أيضًا لا أعرف. لكن لدي شعور بأن الاثنين ــ الأشجار وماكينة الحلاقة ــ هما في الحقيقة نفس الشيء.
لا يهم نوع الشجرة. عندما تتفتح أزهارها بالكامل، يمتلئ الهواء بنوع من الطاقة الغامضة. إنه مثل السكون المثالي لدوامة تدور بسرعة، أو حالة النشوة التي تصاحب أي حفل موسيقي بارع — هالة مهلوسة من التكاثر المحموم. إنها جمال غريب وحيوي لا يفشل أبدًا في اختراق القلب.
وهذا ما كان يزعجني في اليومين الماضيين. شعرت بعدم قدرتي على الوثوق بهذا الجمال. بل على العكس، تركني مضطربًا، فارغًا، مكتئبًا. لكنني أفهم الآن.عليك أن ترى ذلك. تحت كل شجرة، تحت وفرة الأزهار المحمومة، تكمن جثة. عندها ستفهم لماذا كنت قلقًا للغاية.
جثث تشبه الخيول، جثث تشبه الكلاب، جثث تشبه القطط، وحتى جثث تشبه البشر. رائحة كريهة لا تطاق، متعفنة، متقيحة باليرقات ، لكنها تقطر سائلاً بلورياً. الجذور تحضن الجثث كأخطبوطات شرهة، تشابكات من الشعيرات الجذرية، مثل مجسات شقائق النعمان البحرية،لامتصاص ذلك السائل.
ما الذي يصنع تلك البتلات؟ ما الذي يصنع تلك المدقات؟ أستطيع أن أرى تقريبًا الصعود الصامت للسائل البلوري يتدفق بحلمية عبر تلك الأوردة.
ــ لماذا تبدو على وجهك نظرة ألم؟ إنها رؤية جميلة! الآن أستطيع أخيرًا أن أركز عيني على تلك الزهور. لقد تحررت من القوة الخارقة للطبيعة التي كانت تطاردني.
قبل يومين أو ثلاثة أيام، كنت أقفز من صخرة إلى أخرى على طول نهر في قاع وادٍ عندما رأيت في رذاذ الماء عشرات من ذباب مايو تظهر إلى الحياة مثل أفروديت. شاهدتها وهم تطير في السماء. هناك، كما تعلمون جيدًا، تجتمع في زواج جميل. وأثناء سيري، اكتشفت شيئًا غريبًا في بركة صغيرة من الماء على الضفة الجافة ، لمعانًا مشعًا يغطي الماء مثل بقعة زيتية. خمنوا ما كان ذلك! جثث لا حصر لها من ذباب أسود ، يصل عددها إلى عشرات الآلاف. كانت أجنحتها المتداخلة تغطي سطح الماء دون فجوة، تتلوى في الضوء وتبعث بلمعان زيتي. كان ذلك المكان مقبرة.لمن أكملت وضع بيضها. عندما وجدتها، شعرت بشيء يخترقني. استمتعت بنوع من المتعة المريضة التي يشعر بها المنحرف عندما ينتهك حرمة الموتى.
لم يعجبني أي شيء آخر في هذا الوادي. العندليب والعصافير، والأوراق الناشئة التي تحول ضوء الشمس الأبيض إلى اللون الأزرق والأخضر، كلها مجرد صور غامضة. أنا بحاجة إلى مذبحة. فقط عندما أجد التوازن الذي تجلبه المذبحة، تصبح الصور في رأسي واضحة. أنا متعطش للحزن مثل الغول. لا يعرف عقلي السلام إلا عندما يكون الحزن كاملاً.
ــ امسح ابطيك. أنت تتصبب عرقًا باردًا. حسناً، أنا أيضاً. لكن لا تدع ذلك يحبطك. تخيل فقط أن عرقك لزج مثل السائل المنوي. الآن أصبح حزننا مثالياً. نعم، الجثث مدفونة تحت أشجار الكرز! جثث. لا أعرف من أين أتتني هذه الفكرة، لكنها أصبحت الآن جزءًا من الأشجار. مهما حاولت أن أخرج هذه الفكرة من رأسي، لا أستطيع التخلص منها. 
أخيرًا، أشعر وكأنني أمتلك الحق في أن أتمتع بمشاهدة الأزهار وأحتسي مشروبًا مثل الأشخاص الذين يستمتعون هناك، تحت أشجار الكرز…



---------------------
* ولد موتوجيرو كاجي في أوساكا عام 1901. وتوفي بسبب مرض السل عندما كان عمره 31 عامًا، ولم يترك وراءه سوى عدد قليل من الأعمال الأدبيّة ، ليمون،في مدينة القلعة، أيام الشتاء، تحت أشجار الكرز، أشاد عدد من الكتاب بقصصه القصيرة الشعرية، منهم ياسوناري كاواباتا ويوكيو ميشيما.اليوم، تحظى أعماله بالإعجاب لقدرتها على الملاحظة الذاتية الدقيقة وقوة الوصف.
تظل قصته ”تحت أشجار الكرز...“ (Sakura no ki no shita ni wa) واحدة من أفضل ما كتب في مجال القصة القصيرة .

______________________________
النص الأصلي: ”الليمون: منظر من القلب “
عن ترجمة ديفيد بويد إلى الإنجليزية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى