شريف محيي الدين إبراهيم - العبقري...

يسهر، يسكر، يعربد!!
وكأن العالم بأسره مسرحٌ ينتظره.
يضحك عاليًا، يتحدث عن نفسه أكثر مما يتنفس، ويضيق صدره إن حلّ الصمت؛
فالصمت عنده ليس لحظة تأمل،
بل فقدان كاميرا،
فقدان أضواء،
فقدان فرصة لإظهار ذاته.

وسيم إلى حدّ الاستفزاز.
ملابسه مصمَّمة بعناية مفرطة: ألوان جريئة، قصّات حادة.

كان نديم سليل عائلةٍ عتيقة،
أحفاد باشاواتٍ عبروا زمن الملكية بثباتٍ وهيبة،
توارثوا الألقاب كما تُورَث المفاتيح الثقيلة.
يسكن قصرًا قديمًا في حيٍّ راقٍ،
بوابته الحديدية تشبه بوابات المتاحف،
وحديقته لا تزال تحتفظ بتماثيل رخامية
لا يعرف أحد لمن كانت،
لكن نديم كان يعرف…
ويحب أن يعرف الجميع.

لم يكن المال عنده رفاهية،
بل دليلًا إضافيًا على الاستحقاق.
كان يرى الفقر خللًا في التكوين،
ويرى نفسه مكتملًا:
نسبٌ،
ثراء،
وسامة،
وعقلٌ يعتقد أنه وُلد ليقود لا ليُنافس.


---

دخل معهد التمثيل لأنه يعشق الشهرة،
يعشق أن يكون محور الأنظار.
تفوق أكاديميًا؛
حفظ النظريات كما تُحفظ المعادلات،
أتقن المصطلحات،
ناقش ستانسلافسكي وبريخت ببرود،
وقال:
— «التمثيل علم… والموهبة خرافة.»

كان يتحدث عن الفن
كما يتحدث الورثة عن الأرض:
شيءٌ وصل إليه بحكم الأصل،
لا بالمجازفة.
كان واثقًا أن اسمه وحده يفتح الأبواب،
وأن القصر الذي تربّى فيه
علّمه الوقوف،
النطق،
والنظر من أعلى…
حتى على الخشبة.


---

في أحد ممرات المعهد الجانبية،
وقف يوسف إلى جواره،
ينظر إلى صوره المعلّقة على الجدران.

قال يوسف بنبرةٍ ساخرة:
— «إنت واثق قوي من نفسك يا نديم.»

ابتسم نديم،
ابتسامة من يعرف الإجابة مسبقًا:
— «مش ثقة… ده إدراك.»

— «إدراك إيه؟»

— «إني أفضل.»

ضحك يوسف:
— «أفضل من مين؟»

استدار إليه،
حدّق فيه طويلًا، ثم قال:
— «من الكل.»

— «حتى عادل إمام؟»

ابتسم نديم بسخرية:
— «ظاهرة جماهيرية… مش ممثل عظيم.»

— «وأحمد زكي؟»

— «انفعال فطري… بلا ثقافة حقيقية.»

— «محمود المليجي؟»

— «حضور قوي… لكن محدود.»

— «أنطوني كوين؟ عمر الشريف؟»

هزّ كتفيه بلا مبالاة:
— «نجوم عصرهم…
لكن أنا مشروع تاريخ.»

— «ليه؟»

قال بهدوء متعالٍ:
— «أنا أوسم،
أثقف،
أدق،
وأعرق.
أنا مش جاي من الشارع…
أنا جاي من سلالة بتفهم الوقوف قدّام الكاميرا
من قبل ما الكاميرا تتخلق.»

صمت يوسف لحظة، ثم قال :
— «عارف إيه الفرق بيني وبينك يا نديم؟»

ضحك نديم ضحكة قصيرة، محسوبة، وقال:
— «الفرق إنك مبتعرفش تمثل،
واللي ما يعرفش يمثل، يتوجع.»

التفت يوسف إليه ببطء، عيناه حادتان:
— «لا…
اللي ما يعرفش يتوجع، عمره ما هيعرف يمثل.
أداؤك مصقول… بس جوّاك فاضي.»


---

سليم قنديل، ناقد مُحنّك ومراقب صامت،
كان يشاهد نديم بعينٍ تعرف أن أمامها شيئًا مختلفًا.
جلس بين أساتذته في لجنة امتحان التخرج.

قال الأستاذ الأول:
— «مفيش غلطة واحدة… السيطرة كاملة.»

ردّت الأستاذة الثانية بعد تردد:
— «متمكن جدًا… بس حاسّة إن في حاجة ناقصة.»

تدخّل الثالث، الأكبر سنًا،
ومال إلى الأمام وهو يحدّق في نديم:
— «المشكلة إنه بيمثل إنه بيمثل…
وكأن حياته نفسها عرض تمثيلي.

ساد الصمت قليلًا.

قال الأول بحسم:
— «بس في امتحان زي ده، إحنا بنقيّم إيه؟»

قالت الثانية:
— «بنقيّم التمكّن.»

هزّ الثالث رأسه:
— «وهو متمكن بلا نقاش.»

قال الأول:
— «يبقى ياخد امتياز.»

قالت الثانية:
— «أول الدفعة…»

تنهد الثالث، ثم قال:
— «هو ممثل متمكن بس باهت، مفيش كارزيما.»

نظر إليه سليم قنديل في حدّة، ثم صاح:
— «هذا الولد خُلق نجمًا.»


---

تخرّج نديم بامتياز،
ثم حصل على دكتوراه في الفن،
وكان يصرّ أن تُذكر قبل اسمه في كل تقديم،
كأنها درعٌ واقية من شكٍّ خفي.

عمل فترة بالتدريس،
وبرع في دور المعلّم.

ثم وقف أمام الكاميرا في دورٍ سينمائي كبير لأول مرة.
الأداء كان نظيفًا، مصقولًا،
خاليًا من الخطأ…
وخاليًا من الحياة.

قال له المخرج بعد صمت طويل:
— «أنت مظبوط قوي…
بس للأسف مش حاسس إنك موجود.»


---

أنتج أعماله بماله.
فرض اسمه على الملصقات.
صار وجهًا معروفًا،
لا ممثلًا مُصدَّقًا.

قاعات تمتلئ في الافتتاح،
ثم تفرغ سريعًا.
التصفيق يأتي مجاملة،
ثم يذوب في الهواء.


---

قال له ناقد شاب في لقاءٍ تلفزيوني:
— «نديم السالمي يشبه تمثالًا جميلًا…
لا يشيخ،
ولا يعيش.»

ابتسم نديم ساخرًا.

صاح الناقد غاضبًا:
— «طبعًا…
كيف للطاووس أن يلتفت للنقد؟»

انصرف نديم، منهِيًا اللقاء دون أن ينبس بكلمة.


---

ليلى عمران.

في البداية، رآها نديم كممثلة مبتدئة،
مجرد فتاة صغيرة مغرورة بجمالها.
لكن مع البروفات،
لاحظ أنها لا تؤدي الدور،
بل تتركه يمرّ عبرها.

نشأت بينهما علاقة غريبة؛
كانا يتصارعان دائمًا على خشبة المسرح،
وفي كل مرة يكتشف فيها نديم جوانب جديدة،
ويشعر بالدهشة من عمق حضورها.

في أول مشهدٍ مشترك،
ألقى نديم دوره بثقة باردة.
نظرت إليه ليلى طويلًا، ثم قالت:
— «إنت ما غلطتش…
بس أنا برضه حاسه إن فيه حاجة غلط.»

ضحك:
— «التمثيل سيطرة.»

لم تجادله.
لكنها في المشاهد التالية
فتحت فجوات صغيرة:
حركة،
نظرة،
صمت محسوب.

اقترب منها،
حدّثها عن نفسه،
عن إنجازاته،
عن اسمه.


---

دخل آدم الفرقة.
شاب وسيم، بلا شهادات.
لكن حين يمثل،
يترك شيئًا من أعماقه على الخشبة.

قال نديم ساخرًا:
— «أداء بدائي.»

ردّت ليلى بإعجابٍ ظاهر:
— «بس الناس صدّقته.»

شعر نديم بقلقٍ غامض تجاه آدم،
قلقٍ لا يعرف له سببًا واضحًا،
منذ تبيّن له ذلك التوافق اللافت بين ليلى وآدم.

أزعجته همساتهما الطويلة،
مشاركتهما للطعام،
دعابتهما العابرة،
وضحكاتهما العفوية.

حتى المشاهد العاطفية التي تجمعهما
كانت تبدو حقيقية أكثر مما ينبغي،
وكأنها تتجاوز حدود التمثيل
إلى شيءٍ يمسّ القلب.

حاول نديم أن يحطّم آدم فنيًا،
لكن في كل مرة
كان آدم يخرج من المشهد إنسانًا،
بينما يخرج نديم…
كصورةٍ باهتة.


---

وفي ليلةٍ متأخرة،
عاد مخمورًا إلى القصر،
فبدا أوسع من اللازم،
أبرد من اللازم.
الأسقف العالية
كانت تُضاعف الصمت،
واللوحات القديمة
تنظر إليه
كأنها تشهد على سقوط وريثٍ
لم يعرف كيف يحفظ ما ورثه.

وجد أمه جالسةً في الظلام.

قالت، دون عتاب:
— «الدنيا واخداك يا نديم…
بس إنت مش واخد بالك.
إوعى تفتكر إن الشهرة والضوء هي الحياة.
السعادة مش كأس،
ولا مال،
ولا شهرة.»


---

مرضت ليلى.

دخل المستشفى،
قلبه يرفرف في صدره.
لمح آدم جالسًا إلى جوارها.

رآها على السرير، شاحبة،
تتنفس بصعوبة،
فارتجف جسده.

انصرف آدم بعدما حيّا نديم ببرود،
وطبع قبلة صغيرة على جبين ليلى.

جلس نديم إلى جوارها،
أمسك يدها المرتعشة:
— «ليلى… إنت… إيه اللي حصل؟»

رفعت عينيها نحوه،
دموعها تحاصرها:
— «أنا تعبانة أوي…»

وقف فجأة،
يضم رأسه بين يديه:
— «هو أنا مالي؟…»

ارتعش صوته:
— «أنا… أنا مش فاهم…
ليلى أنا بحبك؟»

اقترب أكثر:
— «أنا مش قادر أمثل…
أنا بحبك…
ومش هقدر أعيش من غيرك.»

ابتسمت بضعف،
دموعها تنهمر:
— «أنا كمان بحبك…»

سألها في دهشة:
— «وآدم؟»

ضحكت، همست:
— «أنا عمري ما حبيت حد غيرك.»

أمسك يدها بشدة،
كأنه يخشى أن تفلت منه:
— «خسارة كل الوقت اللي فات…»

همست ليلى:
— «الظاهر إن الوقت فات فعلا.»

صرخ:
— «متقوليش كده!
إنتِ بنت قوية…
هتخفي وترجعي للمسرح والسينما…
إنتِ مشروع نجمة كبيرة…
هترجعي عشاني…
أنا مش هسيبك لوحدك…
وهنهزم المرض سوا.»


---

في الليالي التالية،
بين المستشفى والمنزل،
كل حركة،
كل لمسة،
كل كلمة
كانت حبًا خالصًا.

لم يعد هناك تمثيل.
لم يعد هناك خوف.
فقط هما،
وقلبان مفتوحان رغم الألم.

لكن حالتها كانت تتدهور.

سافر معها للعلاج في الخارج،
إلى طبيبٍ شهير،
عمليةٌ كانت الأمل الأخير.

عاد على مقعد الطائرة وحيدًا، محطّمًا،
بينما كانت هي مع الحقائب
جثةً هامدة
في تابوتٍ خشبي.


---

كتبت الصحف عن قصة الحب التي لم تكتمل.
وسقط نديم سقوطًا كاملًا.

عاد أسوأ، منهارًا،
كأنه ينتحر.
سهر بلا معنى.
سكر بلا لذّة.
عربد كمن يعاقب جسده لأنه ما زال حيًا.

نسي الجمل.
خانته النبرة.
هرب من الخشبة.

لقد تغير تمامًا.
ملابسه التي كانت دائمًا مضبوطة وأنيقة،
صارت الآن مبعثرة ومهملة،
قميصه متجعد،
سرواله غير مرتب،
حذاؤه متسخ،
وشعره مبعثر بلا اهتمام.

عيونه شاحبة،
وحركاته بلا حياة.

كل من يراه يصاب بالذهول،
ويتذكر أناقته السابقة!!

في البداية تساءل الناس:
— «نديم فين؟
معقول كده يضيع؟»
ثم توقف السؤال.


---

صرخ يوسف حين شاهده:
— «ارجع عشان الناس اللي بتحبك.»

وقال آدم حين قابله صدفة:
— «ليلى خلاص ماتت…
أوعى تفتكر إنك كنت الوحيد اللي بيحبها.»

الناقد العجوز سليم قنديل زاره.
تحدث معه طويلًا.
قال في النهاية:
— «الظاهر إني كنت غلط…
وإنك هتكون رهاني الأخير الخاسر.»

ثم انصرف، حزينًا غاضبًا.

واجهته أمه:
— «إنت مش نديم ابني…
إنت خلاص نسيت نفسك.
اللي بتعمله ده مش هيرجع اللي راح.
تفتكر إن ليلى كده هتبقى مبسوطة؟»


---

ترك الواجهة.
عاد إلى المسرح الصغير.
بكى.
جلس على الأرض.

وفي العرض،
وقف دون تقنية،
دون صورة،
وترك الذكرى تقوده.

في المشهد الأخير،
انفجر باكيًا.

صمت المسرح.

لم يكن بكاء أداء،
بل بكاء رجلٍ
وصل أخيرًا
إلى نفسه.

وفي الصف الأول
رأى سليم قنديل بين الأساتذة.
ابتسم، همس:
— «أنا كسبت الرهان…»

صاح أحدهم:
— «فعلاً ممثل كبير.»

وأردف الآخر:
— «عبقري.»

قال يوسف:
— «أخيرًا رجع…
أنا عمري ما شفته بيمثل كده.»

قال آدم:
— «قصدك…
مش بيمثل.»

وفي الصف الأخير،
رأى سليم ليلى، وهي تبتسم،
بينما الجمهور
يكاد لا يتوقف عن التصفيق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى