د. رسول عدنان - جماعة كركوك: الحداثة العراقية الثانية وميلاد قصيدة النثر

[HEADING=2][/HEADING]
مرّ الشعر في العراق بحداثتين: الأولى كانت في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات على يد جيل الرواد، نازك الملائكة والسياب والبياتي، التي تمخض عنها ما يعرف بشعر التفعيلة، أمّا الحداثة الثانية فكانت في منتصف الخمسينيات إلى منتصف الستينيات على يد جماعة كركوك، التي تمخضت عنها قصيدة النثر العراقية، وقد ضمّت هذه الجماعة بدورها مجموعتين:
المجموعة الأولى: بدأت مبكراّ في منتصف الخمسينيات وضمت كلا من فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، أنور الغســاني، جليل القيـسي.
المجموعة الثانية: بَدأت في مطلع الستينيات وضمت كلَّا من الأب يوسف سعيد، فاروق مصطفى، سركون بولص، جان دمو، يوسف الحيدري، صلاح فائق،
حيث ذكر صلاح فائق في كتابه «ذاكرتان وخمس مدن»، وهو حوارات مع إسكندر حبش (كانت لمؤيد الراوي، أنور الغساني، فاضل العــزاوي وجليل القيـسي، تجربـةً جيّـدةً في الكتابـة لأنّهم سـبقونا بعـشر سـنوات، وكان لاقتراحاتهـم أثـرٌ قوي في اختياراتِنـا، كنّـا أنـا وجـان وسركون ويوســف الحيــدري وفــاروق مصطفــى تلاميذَهــم، مــن حيــث اختيــار الكتــب وأســماء الشــعراء آنذاك، مــن العــرب والأجانب). تعتبر تجربـة جيـل كركـوك، الـتي شـكّلت حالـةً خاصـةً، وعلـى درجـة كبيـرة مـن الأهميـّة، في مشهد الشعر العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص، بل تعتبر نقطة مضيئةً في مسيرة الشعرية العربية ومن الصعب جداً تجاوزها، دون الإطناب في الوقوف عندها كونها تجربة يجب أن نستنطقها ولا نكتفي بتأملها أو المرور السريع عليها، بما تركته من بصماتٍ في الأدبيّن العراقيّ والعربيّ، لقد اتسمت تجربة جماعةِ كركوك، بالعمقِ والجديّة والتنوّع والتقدميّة، بما جاءت به من أساليب شعرية غير معهودة من قبل، بل أستطيع أن اقول إن هذه الحركة الشعريّة الجديدة، ضَربت عرضَ الحائط كلَّ ما جاء به روّاد الحداثة الأولى نازك والسياب والبياتي، ويعزى هذا إلى عدّة أسبابٍ منها على سبيل المثال لا الحصر:
*استخدامهم للصورة البصرية.
*استخدامهم لعامليّ الإيهام والمفاجأة الشعرية.
*ابتعادهم عن البلاغة اللغوية التقليدية التي ظلت ملازمة لشعراء التفعيلة.
*استخدامهم لعناوين جديدة غير مألوفة وظفوها بعناية في قصائدهم.
*الإيقاع السريع من حيث البناء الموسيقى.
*توظيفهم للعابر واليومي والالتقاطات السريعة، والابتعاد الواضح عن التراث باستثناء البدايات.
*سعة قاموسهم اللغوي الذي يستمد مفرداته من الحياة اليومية.
*تخلصهم من أعباء القافية والوزن التقليديين.
*اعتمادهم على جمل قصيرة تعتمد على الفكرة والمفارقة.
*البداية الحقيقية لانطلاق جماعة كركوك كانت في منتصف الخمسينيات.
*اختيارهم لعناوين غريبة لدواوينهم الشعريّة.
إنّ تأثير جماعة كركوك الشعريّ كان أكبرَ بكثيرٍ من تأثير (رواد شعر التفعيلة)، سواء على الساحة الشعرية العراقية أم العربية، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه فاضل العزاوي بقوله (لا تشبه الستينيات العراقية، أي عقد آخر من العقود التالية التي مرّت بالعراق). ما يفهم من رأي العزاوي هو أنّ تأثيرَ شعراء التفعيلة قد انحسر تماما بعد ظهور هذه الجماعة، بمشروع شعري موحد وفي بلد كالعراق يعتبر قائد الشعر في الوطن العربي، ومما يعزّز هذا الرأي أيضا، أنّه لم يكن لقصيدة التفعيلة ذلك الانتشار الكبير، مثلما أصبح لقصيدة النثر، التي سادت منذ ستينيات القرن الماضي وإلى الآن، وفي هذا تقول نازك الملائكة (فأنا أتنبأ بأنّ حركة الشعر الحر ستصل إلى نقطة الجزر في السنين المقبلة، ولسوف يرتد عنها أكثر الذين استجابوا لها خلال السنين العشر الماضية، على أن ذلك لا يعني أنها ستموت).
فنرى على سبيل المثال أن الأجيال الشعريّة لقصيدة التفعيلة قد توقفت عند بعض أسماء الستينيين، ولم يكن هناك الكثير ممن كتب قصيدة التفعيلة في الأجيال اللاحقة مثل السبعينيين أو الثمانينيين أو التسعينيين، فالطابع العام لهذه الاجيال هو تأثرهم بقصيدة النثر، وليس بشعر التفعيلة الذي انحسر تماما بعد ظهور جماعة كركوك وما أحدثته من انحراف في البوصلة الشعرية، سواء في العراق، أو الوطن العربي، ونتيجة لهذا التأثير الكبير لقصيدة النثر، الذي بوّأها مكانة أكبر وأوسع من قصيدة التفعيلة، بذلك يكون تأثير جماعة كركوك في المشهد الشعري العراقي والعربي أوسع بكثير من شعراء التفعيلة، حيث يقول فاضل العزاوي بهذا الخصوص (الأمر لا يتعلق بتجديد شكلي مجرد للكتابة، وإنّما بتحوّل كامل في الوعي الفكري والسياسي والاجتماعي فرضته الأحداث على نمط كتاباتهم وإبداعاتهم التي تنتمي إلى اتّجاهاتٍ جماليّةٍ مختلفةٍ، تعكس هوى كتّابها قبل كلِّ شيء) هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن هذه الجماعة الوليدة، تعرّضت إلى اضطهادٍ كبيرٍ وممنهجٍ من قبل بعض الأجيال التي تلت هذه الجماعة، لأسباب كثيرة منها على سبيل المثال، الجرأة التي جاء بها مشروع جماعة كركوك، الذي تمرد على المألوف من الكتابات الشعرية آنذاك، ضاربا عرض الحائط كل ما جاء به الشعراء الرواد من تجديد أسلوب، أو خصائص شعرية، وثانيا اعتناق غالبية أفراد هذه الجماعة للفكر الماركسي وانتماؤهم إلى الحزب الشيوعي، وهذا ما قادهم إلى المنافي وإسدال الستار على منجزهم الشعري المهم داخل بلدهم العراق، وامتناع النقّاد العراقيين من التعرّض لتجربتهم، خوفا من الرقيب والسلطات والديكتاتوريّة التي تعاقبت على حكم العراق.
وأتفق تماما مع ما ذهب اليه فاضل العزاوي في هذا الخصوص بقوله (أمّا الأجيال التي أعقبت جيل الستينيات، فإنّها تشعر وهي المغفلة نقديّا كلَّ الإغفال، بوطأة الدور الذي لعبه بعض من ينسب نفسه إلى الستينيات، في الهيمنة على المراكز الثقافية في العراق لعقدين من الزمان). والواضح من الكلام أنّه يقصد الجانب الثاني من الستينيين، وبعض من السبعينيين، فكلاهما صنيعة البعث ومؤسساته، لذلك كان الفشل في كل كتاباتهم الشعرية والنثرية، رغم كل الإمكانيات التي فتحها البعثيون لهم لكن جاءت نتاجاتهم في منتهى السوء، لذلك قاموا بمهاجمة الستينيين من جماعة كركوك بالذات، التي تعتبر حركة استثنائية في مشهد الشعر العربي المعاصر، بل كانت أكثر أهميّة من حركة جيل الرواد، إن لم تكن قد تجاوزته، لأنّ الأمرَ لا يتعلق فقط بتجديد شكلي مجرد للكتابة، بل بما أحدثت من نقلة نوعية في الكتابة، لذلك كانت الإساءة التي لحقت بهم إساءةً واضحةً وكبيرةً جدا ومتعمدةً، شعراء هذه الجماعة، فما كان يجب أن تقلّ شهرة جماعة كركوك عن السياب ونازك والبياتي، لا يقف الأمر على أن هذه المجموعة من الأصدقاء المبدعين، الذين يمتلكون رؤى مختلفة عن غيرهم، بل بما جاؤوا به من مفاهيم جديدة للحداثة، لم يكن يعرفها الوسط الأدبي العراقي، وساعدهم في ذلك أن غالبيتهم يتقنون العديد من اللغات الأخرى، فضلا عن مجيئهم من مدينة مثل كركوك، التي لم تكن معروفة بحيويتها الأدبية حتى ذلك الحين، حيث جاؤوا بمشروع شعري موحد لم يكن قد سبقهم إليه أحد، سوى كتابات حسين مردان في هذا السياق، وهي كتابات منفردة ولم تكن بحركة المجموع، كما هو الحال مع جماعة كركوك.
ومن هنا كان هناك سجال جدلي بين (رسول عدنان وعزالدين المناصرة) في كتابه «إشكالات قصيدة النثر العربية حول الجذور والبدايات» في هذا النوع من الكتابة الشعرية، التي كان يصرّ بها المناصرة على مردِّه إلى توفيق الصايغ صاحب (ثلاثون قصيدة) التي أصدرها عام 1954 بينما كنت أصر على أن حسين مردان هو أوّل من كتبها عام 1951 وقد عززت رأيي بظهور جماعة كركوك بمشروع شعري موحد – متأثرين بحسين مردان- يختلف عن ظهور صوت هنا أو هناك،( رسول عدنان كتاب إشكالات قصيدة النثر العربية لعز الدين المناصرة)، علما أن توفيق الصايغ نفسه لم يسم ديوانه (ثلاثون قصيدة) بقصائد نثر، بينما العكس تماما مع حسين مردان، الذي اختار للون الشعري الجديد الذي كتبه مسمى (النثر المركز) وهي تسمية بدائية عن تسمية قصيدة النثر، التي ترجمت في ما بعد بتأريخ 28 -4-1959 من قبل شوقي أبي شقرا، بقصيدة نثر، وبعد إصراري على رأيي هذا، غيّر المناصرة معتقده السابق حول توفيق الصايغ حيث قال (أمّا مصطلح الريادة فهو مصطلح غائم، إذ لا يمكن أن نسمّي الإرهاصات ريادةً، فالريادة هي حركة المجموع حين تتحول إلى ظاهرة، سواء أكان ذلك بالنسبة للشعر الحر التفعيلي، أو قصيدة النثر غير الموزونة)؛ وبهذا تكون جماعة كركوك قد جاءت بمشروعٍ شعري موحد كان امتدادا لما بدأه حسين مردان.
سارت جماعة كركوك على خطى حسين مردان، حيث طوّروا مشروعه، ولأنّ تحركَهم كان كجماعة، لذلك فإنّ حركتهم هي حركة المجموع التي تحوّلت إلى ظاهرة، وهذا ما اتفقنا عليه أنا وعز الدين المناصرة، والذي ثبتّه في كتابه، «إشكالات قصيدة النثر العربية». وإنّ ما يميّز هذه الجماعة هو ابتعادها بالكامل عن كلِّ التحديث الذي جاء به روّاد قصيدة التفعيلة، سواء من حيث التقنيات أو الصياغة أو تجاهلهم بالكامل للوزن والقافية، سواء التقليدية، أو الوزن والقافية التي استخدمها شعراء التفعيلة، أو من حيث ابتعادهم عن التراث الشعري العربي المحمل بالمضامين التعبوية الذي كان يستلهم عوالمه من البيئة الخارجية للشاعر، بينما كانت فلسفة هذه الجماعة ورؤيتهم هي العكس تماما، من خلال استلهام الإرهاصات الداخلية للشاعر عن طريق التقاط اليوميّ والعابر وتوظيفه بصيغ شعرية جديدة، وهكذا يستمرّ التطوّر الشعري في العراق، وكأنّ قدرَ العراق أن يبقى قائدا للشعر وللتجديد الشعريّ عبر العصور، فالذي ينظر إلى ما حدث في العراق من نهاية الاربعينيات إلى أواسط الستينيات من تطور كبير في الشعريّة العراقية والعربيّة وكأنّه يرى رسالةً تسلّم من جيل إلى جيل، فمن روّاد شعر التفعيلة إلى حسين مردان إلى جماعة كركوك حيث وصفها فاضل العزاوي بقوله: (في أواسط الستينيات، عندما ظهرت الأعمال الستينية الأولى، التي شكلّت بذرةَ الاتجاه الجديد، كانت التسميّة التي أطلقت على هذه الظاهرة الموجة الجديد وأدب الاحتجاج والكتابة المضادة والكتابة الحرة واللا قصيدة).

ناقد وشاعر عراقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى