(1)
"فوق السحاب، تحت السحاب".
بلا حد يمكنك أن تحب هذا الرجل، لأنه يحبك دون أن يضع حدودا. وإذن، فأنت، وأنا - في لحظتنا هذه - صحبة شخص يحثنا على الكتابة عنه دون تخوم، بالتالي: سأشرع، فورا، في تجسيد ما أراه وما ألمسه فيه دون أي إبطاء، فالذهاب الفعال والسريع إلى المقصود من الشيم البارزة في تبديات هذه الشخصية الثرية.
هذا رجل ذو حس لطيف، وإنسان ذو حضور ألمعي. لا تستشعر وأنت معه - هنا داخل تدويناته، وهناك داخل شخصيته - بأية غربة ولا غرابة. ذلك لأنه يخلق جوا جذابا في محيطه الافتراضي، يحثك على إدامة الرغبة في الإطلالة على حضوره البهي من شرفات تميزه.
الدنو من محمد حجاجي هو دنو من قيم ثقافية أضحت نادرة وشبه مفتقدة. الجاهر فيه هو نفسه المخافت في كتاباته، في قراءاته، ما من فرق بين ذات وموضوع، بين قلب وقلم، وبين قول يكتب وفعل يمارس، الكل عنده سيان.
(2)
في تقديمه لشخصية، كتاب، ديوان، لوحة، صورة، يبدو محمد حجاجي مختزلا يقبض على الجوهر، حاذقا يكتفي بالإشارة. إنه يدنو من مادة نصه بشكل موح، لا يتعمد أسر انتباه القارىء، ويعطي الانطباع بأنه يقارب ما بين يديه من رهانات منطلقا من فحوى مقولة ابن حزم: "الناظر إليك بعين غيرك".
حين أراد أن يجسد ميزات الفنان المتعدد محمد ملال، اكتفى بهذه الأسطر التي جهرت بكل شيء: "موضوعات شعره وأغانيه، مثل لوحاته، تمتح من قيم ثقافة بيئته ووطنه والمبادئ الإنسانية الملتزمة عامة (الحرية، الصدق، الفخر، القلق، قضايا المجتمع وهموم ومطامح إنسان الجنوب الشرقي المهمش...) وذلك بنفحة شجية حزينة".
إنه ينطلق من الأعم لكي يبلغ الأخص، وحين يقبض عليهما معا، عبر رؤيته المتوثبة، وبواسطة قلمه الواثق جدا من خطاه فوق الورق، نكسب نحن تدوينات تضعنا إزاء شخوص، وحكايا، ومسارات، وحيوات، وكثير من فيوض المعنى في أقل الكلم.
(3)
"اللحظة الأجمل:
وقت اصفرار أو احمرار البلَح".
نذر محمد حجاجي نفسه لملذات الكتابة، مثلما وهب زمنه لغبطة القراءة، فكان - كما رأيته دائما - ذاك القارىء الذي يكبر في الكتابة، وكان ذاك الكاتب الذي يتوهج في القراءة.
إنه يزخر بمسافة داخلية استثنائية، تجعله يرى حضور ذاته في ذوات الآخرين، وتتيح له ملامسة تجليه هو في تبديات غيره. هذه واحدة من سمات كثيرة التعدد تغتني بها شخصيته، وتبرز في قراءته كما في كتابته.
إن أكثر الأشياء إسكارا في محمدنا هذا عطايا فؤاده للآخرين، حيث يمكنك، بسهولة، أن تكتشف كم هو محب لأرباب القلم، وكم هو حفي بقراء الأدب، وكم يجتهد من أجل جعل الكتابة / القراءة أجدى وسيلة لتكريس قيم المحبة بين الناس.
من هنا، لا أظنني مبالغا إذا أنا أطلقت على هذا الإنسان السامق وصف: البلَح.
(4)
من التعارف إلى المحبة، ظل الرائع محمد حجاجي كما هو، في ظاهره كما باطنه. إنه لم يفارق هيئته الأولى، لم يضع بينه وبيننا مسافة تغيير، ثم إنه لم يسر - أبدا - صوب أي تبدل.
قد يكون الشيء الوحيد الذي اقترفه، هذا الراشدي الجميل، هو أنه تحول ولم يتغير. التحول زاده الدائم لمواصلة فعل الإضاءة بيننا. أما التغير فهو غير متاح إزاء رسوخ عهدنا به.
ما مر ذِكرُه عندي إلاّ وأغراني مدادي بالكتابة عنه، بتبيان جزيل خصاله، بتجسيد وافر محاسنه، وبجعل الكلام قيد يده التي تكتب، ووجدانه الذي يقرأ، وروحه التي تعشق.
(5)
في كتاباته عن كثير من الشخصيات الأدبية والفنية، التي يعثر في سير مساراتها على مساحة تغري بزهو حبره، وتحث على تمرير إشاراته ورموزه، نلاحظ صدوره عن ميزات ثلاثية، دائمة البزوغ في يراعه الذي يشبه تجلي شمس الراشدية.
أولا: إنه يرفل في لغة بسيطة حد جاذبية التلقي، لغة نتيجتها مزجية، وعنوانها إيماءات ونظرات، وما لا تقوله موحيا وفصيحا.
ثانيا: يجعل النص يتكلم بلسان الشخصية، دون أن يقحم حبره في زاوية نائية عن فضاء المسار، مما يخول له إنتاج كتابة تحتفي ولا تعترض.
ثالثا: يخاطب مرئي الشخصية في جوهرها، كي يبرز الرمزي في ظاهرها. هذا الصنيع يأسر انتباه قارئه، ويشده إلى التفاعل مع فحوى النص.
"يمتزج السيرذاتي في روايات ماحي بنبين بالمتخيل، فينتج عن ذلك عمل أدبي فني ينتصر للقيم الإنسانية النبيلة والعواطف والأحاسيس المختلفة والسلوكات البشرية التي قد تبدو متناقضة، حسب مزاج الشخوص وظروفها، ولكنها كلها تصب في ما يؤمن به الكاتب ويريد أن يتقاسمه مع القارئ".
(6)
"المثال الحي للمثقف العضوي أنه لا ينزوي في برجه العاجي، وينخرط بفعالية في قضايا وطنه".
لا أدري لماذا حين أتجسس على بلاغة صفحة محمد حجاجي، أجدني أبادر إلى خطف مقولة جلال الدين الرومي، وتحويرها لصالح بغيتي، ثم الجهر بها على النحو الآتي:
توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن صلاة الكتابة/القراءة بغير قلب محب لا تجوز ؟!
"فوق السحاب، تحت السحاب".
بلا حد يمكنك أن تحب هذا الرجل، لأنه يحبك دون أن يضع حدودا. وإذن، فأنت، وأنا - في لحظتنا هذه - صحبة شخص يحثنا على الكتابة عنه دون تخوم، بالتالي: سأشرع، فورا، في تجسيد ما أراه وما ألمسه فيه دون أي إبطاء، فالذهاب الفعال والسريع إلى المقصود من الشيم البارزة في تبديات هذه الشخصية الثرية.
هذا رجل ذو حس لطيف، وإنسان ذو حضور ألمعي. لا تستشعر وأنت معه - هنا داخل تدويناته، وهناك داخل شخصيته - بأية غربة ولا غرابة. ذلك لأنه يخلق جوا جذابا في محيطه الافتراضي، يحثك على إدامة الرغبة في الإطلالة على حضوره البهي من شرفات تميزه.
الدنو من محمد حجاجي هو دنو من قيم ثقافية أضحت نادرة وشبه مفتقدة. الجاهر فيه هو نفسه المخافت في كتاباته، في قراءاته، ما من فرق بين ذات وموضوع، بين قلب وقلم، وبين قول يكتب وفعل يمارس، الكل عنده سيان.
(2)
في تقديمه لشخصية، كتاب، ديوان، لوحة، صورة، يبدو محمد حجاجي مختزلا يقبض على الجوهر، حاذقا يكتفي بالإشارة. إنه يدنو من مادة نصه بشكل موح، لا يتعمد أسر انتباه القارىء، ويعطي الانطباع بأنه يقارب ما بين يديه من رهانات منطلقا من فحوى مقولة ابن حزم: "الناظر إليك بعين غيرك".
حين أراد أن يجسد ميزات الفنان المتعدد محمد ملال، اكتفى بهذه الأسطر التي جهرت بكل شيء: "موضوعات شعره وأغانيه، مثل لوحاته، تمتح من قيم ثقافة بيئته ووطنه والمبادئ الإنسانية الملتزمة عامة (الحرية، الصدق، الفخر، القلق، قضايا المجتمع وهموم ومطامح إنسان الجنوب الشرقي المهمش...) وذلك بنفحة شجية حزينة".
إنه ينطلق من الأعم لكي يبلغ الأخص، وحين يقبض عليهما معا، عبر رؤيته المتوثبة، وبواسطة قلمه الواثق جدا من خطاه فوق الورق، نكسب نحن تدوينات تضعنا إزاء شخوص، وحكايا، ومسارات، وحيوات، وكثير من فيوض المعنى في أقل الكلم.
(3)
"اللحظة الأجمل:
وقت اصفرار أو احمرار البلَح".
نذر محمد حجاجي نفسه لملذات الكتابة، مثلما وهب زمنه لغبطة القراءة، فكان - كما رأيته دائما - ذاك القارىء الذي يكبر في الكتابة، وكان ذاك الكاتب الذي يتوهج في القراءة.
إنه يزخر بمسافة داخلية استثنائية، تجعله يرى حضور ذاته في ذوات الآخرين، وتتيح له ملامسة تجليه هو في تبديات غيره. هذه واحدة من سمات كثيرة التعدد تغتني بها شخصيته، وتبرز في قراءته كما في كتابته.
إن أكثر الأشياء إسكارا في محمدنا هذا عطايا فؤاده للآخرين، حيث يمكنك، بسهولة، أن تكتشف كم هو محب لأرباب القلم، وكم هو حفي بقراء الأدب، وكم يجتهد من أجل جعل الكتابة / القراءة أجدى وسيلة لتكريس قيم المحبة بين الناس.
من هنا، لا أظنني مبالغا إذا أنا أطلقت على هذا الإنسان السامق وصف: البلَح.
(4)
من التعارف إلى المحبة، ظل الرائع محمد حجاجي كما هو، في ظاهره كما باطنه. إنه لم يفارق هيئته الأولى، لم يضع بينه وبيننا مسافة تغيير، ثم إنه لم يسر - أبدا - صوب أي تبدل.
قد يكون الشيء الوحيد الذي اقترفه، هذا الراشدي الجميل، هو أنه تحول ولم يتغير. التحول زاده الدائم لمواصلة فعل الإضاءة بيننا. أما التغير فهو غير متاح إزاء رسوخ عهدنا به.
ما مر ذِكرُه عندي إلاّ وأغراني مدادي بالكتابة عنه، بتبيان جزيل خصاله، بتجسيد وافر محاسنه، وبجعل الكلام قيد يده التي تكتب، ووجدانه الذي يقرأ، وروحه التي تعشق.
(5)
في كتاباته عن كثير من الشخصيات الأدبية والفنية، التي يعثر في سير مساراتها على مساحة تغري بزهو حبره، وتحث على تمرير إشاراته ورموزه، نلاحظ صدوره عن ميزات ثلاثية، دائمة البزوغ في يراعه الذي يشبه تجلي شمس الراشدية.
أولا: إنه يرفل في لغة بسيطة حد جاذبية التلقي، لغة نتيجتها مزجية، وعنوانها إيماءات ونظرات، وما لا تقوله موحيا وفصيحا.
ثانيا: يجعل النص يتكلم بلسان الشخصية، دون أن يقحم حبره في زاوية نائية عن فضاء المسار، مما يخول له إنتاج كتابة تحتفي ولا تعترض.
ثالثا: يخاطب مرئي الشخصية في جوهرها، كي يبرز الرمزي في ظاهرها. هذا الصنيع يأسر انتباه قارئه، ويشده إلى التفاعل مع فحوى النص.
"يمتزج السيرذاتي في روايات ماحي بنبين بالمتخيل، فينتج عن ذلك عمل أدبي فني ينتصر للقيم الإنسانية النبيلة والعواطف والأحاسيس المختلفة والسلوكات البشرية التي قد تبدو متناقضة، حسب مزاج الشخوص وظروفها، ولكنها كلها تصب في ما يؤمن به الكاتب ويريد أن يتقاسمه مع القارئ".
(6)
"المثال الحي للمثقف العضوي أنه لا ينزوي في برجه العاجي، وينخرط بفعالية في قضايا وطنه".
لا أدري لماذا حين أتجسس على بلاغة صفحة محمد حجاجي، أجدني أبادر إلى خطف مقولة جلال الدين الرومي، وتحويرها لصالح بغيتي، ثم الجهر بها على النحو الآتي:
توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن صلاة الكتابة/القراءة بغير قلب محب لا تجوز ؟!