عبد علي حسن - التشاكل السردي.. محاولات الإستبدال

يمثّل السرد أحد أهم البنى المهيمنة في الأجناس والأنواع الأدبية، فهو الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الخبرة الإنسانية عبر اللغة، وتحويل الوقائع أو المتخيّل إلى بنية قابلة للتلقي والفهم ، وقد تجاوز السردُ حدودَ الرواية والقصة ليغدو مكوّناً عابراً للأنواع، فهو حاضر في الشعر كما في النثر، وفي الوثيقة وفي اليوميات والمذكرات والسيرة فضلاً عن وجوده كبنية مركزية في الخطاب الإبداعي كما في الرواية والقصة ، حتى أصبح كثير من النقاد يتحدثون عن "سردنة" الأجناس الأدبية المعاصرة ،
و السرد – في تعريفه الموجز – هو: نظام لغوي يتكوّن من سلسلة أحداث مرتّبة زمنياً، تتفاعل فيها الشخصيات والأمكنة والحيز النفسي والفكري داخل منظور إدراكي محدّد ينتجه راوٍ أو وعي سردي ، وهذا التعريف يسمح برصد حضوره بأشكال متفاوتة في أجناس وانواع سردية مختلفة
ففي الشعر الحديث، خصوصاً قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، أخذ السرد مساحة مؤثرة، إذ ظهرت البنية الحكائية، وتنامت الشخصيات الشعرية، واتسع المشهد، وبرزت اللقطة الوصفية، مما جعل الكثير من النصوص الشعرية تتكئ على آليات قصصية واضحة. ولعل قصيدة النثر بصورة خاصة تمثّل الحقل الأبرز لتداخل الشعر بالسرد حتى تبدو في أحيان كثيرة نصاً هجينيّاً ذا نبرة شعرية وروح سردية.
أما في النثر، فيبدو السرد مكوّنه الداخلي الأساس وبنيته المركزية المؤسسة ، كما في الرواية والقصة ، أما في القصة القصيرة جداً فإن السرد يتبدى عبر التكثيف، واللحظة المفارِقة، والحدث الخاطف ، وفي الرواية عبر الامتداد الزمني وتعدّد الأصوات ، والأحداث المركزية منها والهامشية ،
أما في السيرة الذاتية منها والغيرية والذاتغيرية والموضوعية التحريرية فإن السرد يظهر عبر إعادة تشكيل الذات والٱخر في نص سردي تأمّلي ،
وامافي أدب الرحلة فإن السرد يتبدى عبر المشاهدة والوصف والتنقّل ونقل الظواهر الطبيعية والإجتماعية والدينية ،
أما في أدب البحر فإن البنية السردية تظهر عبر المغامرة، واختبار الأمكنة، والاحتكاك بثقافات مختلفة ،
فكل هذه الأجناس تشتغل بالسرد، لكنها تختلف في مستويات التوظيف وفي بنيتها النوعية.
ونتيجة لهذا الحضور السردي في الأجناس والأنواع الأدبية ظهرت جملة من الأفكار التي تتعلق بهذا التشاكل السردي ، الأمر الذي أحدث التباساً في التوصل إلى المكونات والاشتراطات الاجناسية بين الأجناس والأنواع الأدبية ، الأمر الذي ادّى إلى ظهور محاولات استبدال نوع بنوع ٱخر نتيجة لهذا التشاكل ، وهو ما يشكّل إشكالية هذه الدراسة ، وسيكون فك الاشتباك والالتباس الحاصل في استخدام المصطلح هدفا لها .
وبدءاً لابد لي من وضع تعريف أوّلي التشاكل السردي ،
فهو: تجاور أو تطابق جزئي بين بنيتين سرديتين تنتميان إلى جنسين أدبيين مختلفين، بحيث تتشابه أو تتقاطع عناصرهما المكوّنة (الحدث، الشخصية، الزمن، الرؤية، البناء، الأسلوب) دون أن يؤدي ذلك إلى تطابق كامل أو إمكان استبدال أحدهما بالآخر.
وهو مفهوم نقدي يُعنى بـ تحديد مناطق التماثل والتباين بين الأنواع السردية، مع اختبار حدود النوع الأدبي تحت ضغط هذه التشاكلات.
وفيما يلي سنقوم بمحاولة الدخول الى منطقة التشاكل السردي بين ثلاثة من الأزواج الاجناسية والنوعية ، لفكّ الالتباس الحاصل في عملية الاستبدال الإجناسي بين هذه الأشكال الإبداعية ، وهي :-
* القصة القصيرة جدا وقصيدة النثر
* ادب الرحلة وأدب البحر
* الرواية والسيرة
وسنتناول كل ثنائية بشئ من الاختصار والتركيز وبما يسمح به المقام .
أولاً: التشاكل السردي بين القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر .
تعرّف القصة القصيرة جداً بأنها
نص سردي شديد التكثيف، يقوم على حدث لحظي، شخصية أو شخصيتين، مفارقة أو ضربة دلالية، ونهاية لامعة أو صادمة.
أما قصيدة النثر فإنها نص شعري نثري، يتكئ على الإيقاع الداخلي والصورة الشعرية والمشهدية، لكنه يتوسل كثيراً من أدوات السرد كالحدث، والمشهد، والراوي والزمن،
ويظهرموقع التشاكل في التكثيف والمشهدية وتوظيف المفارقة والبنية الحكائية
إلّا أن الفارق الجوهري يبقى في:
شعرية اللغة في قصيدة النثر مقابل سرديتها في القصة القصيرة جدا ، وكذلك فإن الغاية الجمالية في قصيدة النثر مقابل الغاية الحكائية ،
وتقوم قصيدة النثر على منطق الانزياح مقابل توفر منطق الحدث في القصة القصيرة جدا .
إن هذا التشاكل لا يتيح الاستبدال لتوفر الفوارق الجوهرية بين النوعين ، إذ تشكل هذه الفوارق الشروط الاجناسية المختلفة ليحوز كل نوع استقلاله الإجناسي ، فلا يمكن عدّ قصيدة النثر قصة قصيرة جداً، ولا العكس، رغم المشابهات البنائية.
ثانياً: التشاكل السردي بين أدب الرحلة وأدب البحر
يُعرّف ادب الرحلات بأنه نص يسجّل تجربة الترحال والتنقل، يقوم على الوصف، والرصد الثقافي، وتوثيق المشاهدات، غالباً بروح تقريرية أو تأملية وأمينة ، ونواته التوثيق .
ويعرّف أدب البحر بأنه نص يكتبه بحّار أو روائي ينتمي إلى تجربة الحياة البحرية، يتأسس على المغامرة، مواجهة الطبيعة، توقف السفن، الاحتكاك بالمدن الساحلية، ونواته المتخيّل أكثر من التوثيق ،
أما موقع التشاكل بين هذين النوعين فهو التنقل بين الاماكن ،
و وصف الأمكنة والثقافات ،ووجود راوٍ متنقل ، وغلبة الحكي على الخطاب ، لكن الفارق الجوهري هو
إن أدب الرحلة توثيقي ليعتمد في الدراسات الجغرافية والإجتماعية ، بينما أدب البحر تخييلي سردي لايستلزم التصديق بالمعلومات وواقعيتها ، وبالتالي لا يمكن استبدال المصطلحين رغم تشابه البنية السردية ،
ثالثاً: التشاكل السردي بين السيرة والرواية
تعرّف السيرة بكل انواعها بأنها كتابة سردية تستعيد تجربة ذاتية أو غيرية أو موضوعية حقيقية، تقدّم حياة المؤلف أو غيره، وفق منظور تأمّلي يوظّف الذاكرة والاعتراف ،
بينما تُعرّف الرواية بأنهاخطاب سردي تخييلي، يقوم على ابتكار الشخصيات، وصوغ الأحداث، وبناء العالم الروائي .
أما موقع التشاكل بين الشكلين هو
السرد بضمير المتكلم خاصة حين يتولى السارد كلي العلم عملية السرد ، واستعادة الأحداث ووصف التحولات النفسية
وبناء مسار شخصية مركزية ، لكن الفارق القاطع بينهما هو المرجعيات، فهي واقعية في السيرة، و تخييلية في الرواية ، كما أن هدف السيرة هو تأصيل الذات مقابل بناء عالم تخييلي يخلص إلى تقديم وجهة نظر / رؤية ما ، فضلاً عن الحد الفاصل بينهما ولايسمح بالإستبدال وهو الحقيقة في السيرة والخيال في الرواية .
لقد افضت هذه الدراسة، في محصلتها النهائية، إلى تأكيد أن التشاكل السردي بين الأجناس الأدبية المدروسة لا يعني التطابق ولا يفضي إلى إمكان الإحلال أو الاستبدال بينها، بقدر ما يكشف عن اشتغال بنية سردية مشتركة تتخذ أشكالًا تعبيرية متباينة تبعًا لمرجعيات الجنس، ووظيفته الجمالية، وأفق تلقيه. فالقصة القصيرة جدًا وقصيدة النثر، رغم تقاطعهما في الكثافة والاقتصاد اللغوي، تحتفظ كلٌّ منهما بمنطقها التعبيري الخاص؛ إذ تتأسس الأولى على لحظة حدثية مضغوطة، فيما تنشغل الثانية بطاقة الصورة والانزياح الدلالي ، وبالمثل فإن أدب الرحلة وأدب البحر يشتركان في سرد التجربة والارتحال، غير أن اختلاف زاوية الرؤية ووظيفة المكان يحول دون ذوبان أحدهما في الآخر. أما الرواية والسيرة، فرغم اعتمادهما المشترك على السرد الزمني وبناء الذات أو العالم، فإن تمايز المرجعية بين التخييلي والواقعي يمنحهما استقلالية نوعية لا يمكن تجاوزها.
وعليه فإن السرد بوصفه بنية عابرة للأجناس لا يُلغي خصوصية النوع الأدبي، بل يعمّقها، ويجعل من التداخل فضاءً حواريًا لا منطقة ذوبان .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى