ليس كل من يترشح يصلح لعضوية المجلس التشريعي

ليس كل من يترشح يصلح لعضوية المجلس التشريعي

نحو برلمان وطني يعيد بناء الثقة ويصنع مستقبل الدولة الفلسطينية

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

ليست الانتخابات التشريعية مجرد استحقاق دستوري يهدف إلى ملء مقاعد البرلمان، وإنما هي محطة وطنية مفصلية تحدد شكل النظام السياسي، وترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتؤسس لقدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق أي عملية انتخابية ليس: من يملك فرصة الفوز؟ بل: من يمتلك الكفاءة والأهلية لحمل أمانة التشريع والرقابة وتمثيل الشعب؟

فالمجلس التشريعي ليس مؤسسة بروتوكولية، ولا منبراً للوجاهة الاجتماعية أو الحضور الإعلامي، ولا مكافأة سياسية، بل هو أعلى سلطة تشريعية ورقابية منتخبة، والعقل القانوني للدولة، وصمام الأمان للنظام الدستوري، والحصن الذي يحمي الحقوق والحريات، ويراقب أداء السلطة التنفيذية، ويصون المال العام، ويضع التشريعات التي تنظم حياة المجتمع لعقود قادمة.

وفي ظل ما تمر به القضية الفلسطينية من تحديات غير مسبوقة، بدءاً من استمرار الاحتلال وسياسات الضم والاستيطان، مروراً بالحرب المدمرة على غزة، والانتهاكات في الضفة الغربية والقدس، وصولاً إلى الأزمات الاقتصادية والانقسام السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، تصبح الحاجة إلى مجلس تشريعي قوي وفاعل ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل.

إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة برلمان تقليدي، وإنما مرحلة برلمان وطني قادر على قيادة مشروع الإصلاح السياسي والإداري، واستعادة التوازن بين السلطات، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة التحديات الوجودية.

ومن هنا، فإن الترشح لعضوية المجلس التشريعي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حقاً سياسياً مجرداً، بل مسؤولية وطنية تستوجب توفر معايير دقيقة في كل من يسعى إلى تمثيل الشعب.

إن أول هذه المعايير هو الكفاءة العلمية والقانونية والسياسية. فالنائب ليس خطيباً جماهيرياً، بل مشرّع يشارك في صياغة القوانين، ويمارس الرقابة على الحكومة، ويحلل الموازنات العامة، ويناقش الاتفاقيات الدولية، ويتعامل مع ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار والقضاء والأمن الوطني والعلاقات الخارجية. وكل ذلك يتطلب معرفة عميقة بالقانون الأساسي الفلسطيني، وبفلسفة التشريع، وبالإدارة العامة، وبالقانون الدولي، وبآليات العمل البرلماني الحديثة.

أما المعيار الثاني، فهو النزاهة والاستقلالية. فلا يمكن بناء مؤسسة تشريعية قوية إذا كانت رهينة للمصالح الشخصية أو الفئوية أو المالية أو الضغوط السياسية. فالنائب مؤتمن على إرادة الشعب، ولا يجوز أن تتحول عضويته إلى وسيلة لتحقيق الامتيازات أو تصفية الحسابات أو خدمة المصالح الخاصة. إن البرلمان القوي يبدأ من نائب حر في قراره، نزيه في سلوكه، شفاف في أدائه، وخاضع للمساءلة أمام الشعب.

ويأتي بعد ذلك معيار الخبرة والقدرة على الإنجاز. فالعمل البرلماني ليس ميداناً للتجربة، بل مسؤولية تتطلب فهماً عميقاً لمؤسسات الدولة، وإلماماً بآليات التشريع والرقابة، وقدرة على بناء التوافقات الوطنية، وإدارة الحوار، وتحويل الأفكار إلى سياسات وتشريعات قابلة للتطبيق.

وفي المقابل، فإن من أخطر ما قد يواجه أي انتخابات أن تتحول إلى منافسة تحكمها العصبية العائلية أو الجهوية، أو النفوذ المالي، أو الحملات الدعائية، أو الشعبوية السياسية، بعيداً عن معايير الكفاءة والاستحقاق. فالأمم لا تبني مؤسساتها بالشعارات، بل بالكفاءات، ولا تنهض بالمجاملات، بل باختيار أصحاب الرؤية والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.

إن التجارب البرلمانية الناجحة في العالم تؤكد أن قوة البرلمان لا تُقاس بعدد أعضائه، وإنما بنوعية من يجلسون تحت قبته. فالنائب المؤهل يصنع تشريعاً جيداً، والتشريع الجيد يصنع مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تبني دولة قادرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية وترسيخ العدالة.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الإصلاح لا تقع على عاتق الناخب وحده، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة تتحملها الأحزاب والقوى السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والنقابات، ووسائل الإعلام، وكل من يؤمن بأن بناء الدولة يبدأ ببناء مؤسساتها الدستورية على أسس من الكفاءة والنزاهة والاستحقاق.

لقد أثبتت التجارب أن غياب المجلس التشريعي الفاعل أضعف منظومة الرقابة والمساءلة، وأثر في مسار التشريع، وأوجد اختلالاً في التوازن بين السلطات، وهو ما يجعل إعادة الحياة البرلمانية ضرورة دستورية ووطنية، شريطة أن تكون مدخلاً لإصلاح حقيقي، لا مجرد استحقاق شكلي.

إن المرحلة القادمة تتطلب عقداً سياسياً جديداً يعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية، ويعزز المشاركة الشعبية، ويكرس سيادة القانون، ويضمن الفصل بين السلطات، ويؤسس لحوكمة رشيدة تقوم على الشفافية والمساءلة والكفاءة. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال مجلس تشريعي يعكس الإرادة الشعبية الحقيقية، ويضم أصحاب الكفاءة والخبرة والرؤية الوطنية.

إن فلسطين اليوم بحاجة إلى برلمان دولة لا برلمان مصالح، وإلى نواب يحملون مشروعاً وطنياً للإصلاح والبناء، لا مشاريع شخصية أو فئوية. بحاجة إلى مشرعين يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن النائب هو خادم للشعب، وحارس للقانون، وشريك في صناعة المستقبل.

ويبقى الرهان الأكبر على وعي الناخب الفلسطيني؛ فصندوق الاقتراع ليس مجرد وسيلة لاختيار الأشخاص، بل أداة لصناعة المستقبل. وكل صوت انتخابي هو أمانة، وكل اختيار يرسم ملامح المرحلة القادمة. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والخبرة والاستقلالية، لا القرابة أو العصبية أو النفوذ أو الوعود المؤقتة.

فليس كل من يطمح إلى الترشح مؤهلاً لعضوية المجلس التشريعي، وليس كل من يملك شعبية يصلح لصناعة التشريع. فالدول تُبنى بالعقول والكفاءات، والمؤسسات تنهض برجال الدولة ونسائها، أصحاب الرؤية والبصيرة والقدرة على اتخاذ القرار.

إن بناء مجلس تشريعي قوي وفاعل هو المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة المواطن، وتعزيز صمود المجتمع، وترسيخ سيادة القانون، وإطلاق مشروع وطني للإصلاح الشامل، يواكب تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وبناء دولة المؤسسات والعدالة.

وهذه ليست مسؤولية المرشحين وحدهم، بل مسؤولية وطن بأكمله يسعى إلى أن يكون برلمانه عنواناً للكفاءة، وضميراً للشعب، وركيزةً لدولة فلسطينية حديثة تقوم على الديمقراطية، والمساءلة، وسيادة القانون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى