عبدالرحيم التدلاوي - مقدمة المجموعة القصصية الجديدة «العشاء الأخير في حضرة دافينشي» لمحمد محضار

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
دعاني أخي المبدع سيدي محمد إلى كتابة تقديم لمجموعته القصصية الجديدة، التي تحمل عنوانًا دالًا ومعبّرًا هو «العشاء الأخير في حضرة دافينشي»؛ وهو عنوان ذو طبقات معرفية واضحة، يستدعي عنصرين ثقافيين مركزيين: أولهما يحيل إلى قصة السيد المسيح عليه السلام مع حوارييه في لحظة العشاء الأخير، بما تنطوي عليه من دلالات الوداع والمصير، وثانيهما اسم أحد كبار مبدعي عصر النهضة الإيطالية، ليوناردو دافينشي، بما يمثله من رمز للجمال والخلود والسؤال الفني المفتوح.
ورغم أن كتابة التقديم تُعد، بالنسبة لي، مغامرة كتابية لم أعتدها كثيرًا، فقد وجدت رغبة داخلية تدفعني إلى خوضها. وما يشفع لي في هذه المغامرة أمران اثنان: أحدهما رقمي، والآخر ورقي.
أما الرقمي، فيتجلى في كوننا التقينا منذ سنوات في مواقع ومنتديات إلكترونية، أتاحت لنا الاطلاع المتبادل على نصوص بعضنا البعض، ومن بينها أذكر موقع «دفاتر تربوية»، ومنتدى مطر، ثم المنصة الاجتماعية فيسبوك؛ وهي فضاءات تحاورنا فيها، وتناقشنا، وتابع كلٌّ منا تجربة الآخر بالنصيحة والتقويم.
وأما الورقي، فيتجلى في مشاركتنا معًا في كتاب جماعي بعنوان «حتى يزول الصداع»، وهو من منشورات منتدى المبدعين المغاربة، وقد ضم نصوصًا قصصية قصيرة جدًا لي، إلى جانب قصص قصيرة لمحمد محضار، رفقة مبدعين ومبدعات من المغرب، وحظي هذا العمل بتقديمين كريمين من القاص الكبير أحمد بوزفور، ومن المبدع مصطفى لغتيري. وهذان العنصران، الرقمي والورقي، كفيلان—فضلًا عن قراءتي لهذا العمل الجديد—بتكوين تصور واضح عن أسلوب محمد محضار، وطريقة اشتغاله على القصة القصيرة.
وإلى جانب هذا المعطى، فإن هذه المجموعة نفسها تجمع بين قصص قديمة وأخرى حديثة، تفصل بينها مسافة عمرية تقارب خمسين سنة، وهي رحلة إبداعية شهدت تطورًا ملحوظًا على مستوى الأسلوب، واللغة، وطرائق الاشتغال السردي. فبين النغمة الرومانسية واللغة الدرامية في البدايات، وبين الكتابة الأكثر وعيًا وتكثيفًا في النصوص اللاحقة، تتجلى خبرة قاص راكم أدواته، وجعل من القصة القصيرة فضاءً للتعبير عن قضايا الإنسان في هذا العصر المضطرب، وهواجسه ومخاوفه ورغباته، موظفًا مختلف التقنيات الحديثة، وبخاصة في نصوصه المتأخرة التي قطعت مع الخطية التقليدية في بناء الحدث والشخصية.
ولا يسعى هذا التقديم إلى قيادة القارئ أو تطويقه بتأويل جاهز، بقدر ما يطمح إلى مرافقته وفتح أفق القراءة أمامه. فمجموعة "العشاء الأخير في حضرة دافينشي" لا تُقرأ بوصفها تجميعًا لنصوص متفرقة، بل باعتبارها مشروعًا سرديًا واحدًا يتنامى من قصة إلى أخرى، ويكشف عن وعي كتابي يتطور، وعن هاجس إنساني وجمالي مركزي يتكرر بإصرار: سؤال الزمن، والهشاشة، ومعنى الوجود في عالم يتآكل ببطء.
منذ القصص الأولى، يتبدّى أن الكاتب لا يراهن على الحدث الصاخب ولا على الحبكة التقليدية، بل على التجربة الداخلية للشخصيات، وعلى لحظة التماس الحاد بين الذات والعالم. فالمقهى، والبيت، والشارع، والبحر، والذاكرة، والطفولة، والشيخوخة، والفقد، والغربة، تعود بوصفها فضاءات وأزمنة مشحونة بالدلالة، لا كديكور سردي، بل كمرايا نفسية تعكس تصدعات الإنسان المعاصر. شخصيات غالبًا ما تبدو عادية، هامشية، متعبة أو مكسورة، لكنها مشبعة بكثافة وجودية عالية، وتُمنح حقها في الكلام، وفي الصمت أيضًا.
ويتجلى التطور الكتابي في هذه المجموعة على أكثر من مستوى؛ فاللغة، التي تشكّل أحد أكثر عناصر النص حساسية، تأتي مشحونة دون تكلف، متأرجحة بين السرد والتأمل، بين الجملة القصيرة الخانقة والجملة المنبسطة التي تشبه زفرة طويلة. ومع تقدم النصوص، يتضح الانتقال من الإفضاء الشعوري المباشر إلى كتابة أكثر اقتصادًا في القول، وأعمق اشتغالًا على الرمز، دون أن يلغي هذا التحول ما سبقه، بل يبني عليه ويعيد تشكيله.
أما العناصر الجامعة بين القصص، فيمكن ردّها إلى محاور كبرى تتقاطع باستمرار: الزمن بوصفه قوة ضاغطة، والهشاشة الإنسانية، والذاكرة بوصفها ملاذًا وعبئًا في آن، في كتابة لا تحاكم شخصياتها ولا تبررها، بل تضعها في مواجهة القارئ كما هي.
ويأتي عنوان المجموعة بوصفه مفتاحًا دلاليًا مركزيًا، لا إحالة ثقافية مجانية، إذ يستدعي لحظة مكثفة من التوتر الإنساني: الخيانة، والوداع، والصمت الذي يسبق الانهيار. وكأن شخصيات هذه القصص، على اختلاف مصائرها، تواجه ذواتها، وتعيد النظر في اختياراتها قبل فوات الأوان.
إن «العشاء الأخير في حضرة دافينشي» مجموعة لا تسعى إلى إرضاء القارئ أو استدرار رضاه أو رسم خريطة قرائية تسهل عليه التعامل مع العمل، بل إلى مرافقته في منطقة إنسانية غير مريحة، حيث الأسئلة المقلقة أكثر من الأجوبة المريحة، وحيث الكتابة فعل مقاومة هادئة ضد التفاهة والنسيان، وشهادة فنية على مسار إبداعي طويل، يزداد فيه الكاتب وعيًا بمشروعه، وإنصاتًا لنبض الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة وصدقًا.
أرجو للأستاذ محمد محضار – الشاعر والقاص المولود عام 1961، والذي جمع بين التدريس والكتابة طوال عقود – أن تحظى مجموعته القصصية هاته بالانتشار والقراءة الواسعة التي تستحقها، وأن تكون "حضرة دافينشي" هنا مناسبة لاحتفاء جديد بإبداعه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى